عمل المرأه إذا لازمه الإختلاط بالرجال الأجانب
وقد تمتهن عملاً یقتضی الخروج من المنزل، والمکث فی محل العمل ساعات طویله. وهذا هو الغالب على عمل المرأه فی هذا العصر، حیث قضى التنظیم الجدید للمجتمع وللصناعه وغیرها من الأنشطه الاقتصادیه، بالعمل فی مجمعات ومؤسسات کبرى، یجتمع العاملون فیها أثناء ساعات العمل.
وهذا التنظیم للعمل یلازمه، غالباً الاختلاط بالرجال الأجانب، أما باعتبارهم زملاء أو رؤوساء أو مرؤوسین أو عملاء وزبائن.
ویلازمه أیضاً الاختلاف العرضی الذی ینتج عن الخروج من المنزل إلى ساحه المجتمع، من مصادفه الرجال فی الشارع، أو ما یلابس الکون فی المجتمع من ملابسات اجتماعیه.
وفی حاله ما إذا کانت زوجه وأماً لولد أو أکثر، إن عملها فی خارج المنزل یقتضی تغیبها عنه، وعن زوجها إذا کان وقت فراغه فی وقت عملها.
وهذا یقع البحث فی مشروعیه عمل المرأه لا من حیث أصله فی ذاته، بل من حیث ملازمته بالنسبه إلى الاختلاط مع الرجال الأجانب.
إن اختلاط المرأه بالرجال الأجانب فی أثناء العمل المهنی ـ بالنسبه إلى الموقف الشرعی ـ یتصور على نحوین:
۱ ـ تاره یحصل الاختلاط فی ظروف وأوضاع مخالفه لأحکام الشریعه الإسلامیه فی الستر والعفه، فلا یقتصر على شؤون العمل وجدیه العمل، بل یتجاوز ذلک إلى أن یکون لقاء عبث ولهو، واستثاره للغریزه تحت ستار العمل.
فتکون المرأه فی حاله السفور والتبرج فی هیئتها، والمیوعه فی کلامها وتعاملها مع الرجال فی محیط عملها. وتکون ظروف العمل تقتضی بخلوه المرأه العامله مع الرجل الأجنبی رئیساً أو زمیلاً، بحیث یحتجبان عن أنظار الناس ولا یسمع کلامهما.
وبالجمله: الاختلاط الذی ینتهک فیه ما شرعه الله تعالى فی حدود العلاقه بین المرأه والرجال الأجانب، أو یجعل المرأه أو الرجل عرضه لانتهاک حدود الله تعالى فی الشریعه.
۲ ـ وتاره یکون الاختلاط ضمن حدود الشریعه الإسلامیه وآدابها فی علاقات الرجال والنساء فی الحیاه العامه العملیه والاجتماعیه.
إن سنخ الاختلاط یؤثر على التکییف الشرعی لعمل المرأه
فالنحو (السنخ) الأول من الاختلاط غیر مشروع لحرمه ما یلازمه، سواء کان فی مجال مزاوله المرأه لعمل مهنی، أو لنشاط اجتماعی أو سیاسی، ففی جمیع الحالات لا یجوز للمرأه أن تزاول عملاً مهنیاً یلازم الوقوع فی المحظورات الشرعیه.
والنحو (السنخ) الثانی من الاختلاط لا دلیل على تحریمه فی نفسه.
بل لقد أقمنا الدلیل فی کتابینا (الستر والنظر ـ و ـ أهلیه المرأه لتولی السلطه) على مشروعیته ووقوعه فی زمان النبی (ص) وما بعده، وأثبتنا استمرار سیره المسلمین علیه ی حیاتهم العامه فی عهود الأئمه المعصومین (ع) وبمرأى ومسمع منهم.
ضمانات شرعیه لتحصین عمل المرأه من الاختلاط المحرم:
لقد وضع الشارع المقدس ضمانات لتحصین المرأه ـ حین تخرج من بیتها الأبوی والزوجی ـ من الاختلاط المحرم.
وهذه الضمانات منها ما یشمل الرجال والنساء، ومنها ما یختص بالنساء، ومنها ما یختص بالرجال.
وهذه الأمور ـ الضمانات التی سنذکرها لیست خاصه بالمرأه العامله أو المرأه فی مجال العمل، بل إن ما کان منها خاصاً بالمرأه هو أحکام للمرأه مطلقاً عندما تتصل بالمجتمع خارج الأسره، وما کان منها عاماً للرجل والمرأه هو ثابت علیهما مطلقاً عندما یلتقیان فی أی مجال من مجالات الأنشطه فی المجتمع.
لقد أمر الله تعالى الناس أن یحافظوا فی حیاتهم الخاصه والعامه وفی علاقاتهم على نقاوه علاقاتهم من کل فحشاء وریبه.
وهذا یقتضی أن تحرص المرأه العامله وزمیلها ورب العمل، سواء کان شخصاً أو هیئه حکومیه أو أهلیه، على تهیئه الظروف والمناخات النقیه الملائمه والمساعده على القیام بأنشطه جاده خالیه من الملابسات المؤدیه إلى ظهور ونمو النزعات المربیه والممارسات غیر المشروعه، بحیث یتحول مکان العمل إلى مکان للقاء الریبه والعبث، وإنشاء علاقات بعیده عن علاقات العمل وجدیته.
ونتبرک فیما یلی بذکر جمله من الآیات التی تضمنت التوجیه التشریعی فی هذا الشأن الذی وضعت الضمانات الشرعیه لأجله:
قال الله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربکم علیکم ألا تشرکوا به شیئاً، وبالوالدین إحساناً، ولا تقتلوا أولادکم من إملاق نحن نرزقکم وإیاهم. ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن…).
(قل إنما حرم ربی الفواحش ما ظهر منها وما بطن. والإثم والبغی بغیر الحق، وإن تشرکوا بالله ما لم ینزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).
إن الفواحش هی المعاصی المستقبحه من قول أو فعل. وما ظهر منها أفعال الجوارح من الأعمال الظاهره کالقتل والزنى والسرقه ونظره التشهی والریبه من الرجل إلى الأجنبیه ومن المرأه إلى الأجنبی. وما بطن منها هو فعل القلب وأعمال الفکر بالحرام والتخطیط للحرام والحسد ونیه السوء.