أمریکا تقود العالم نحو الهلاک
ولکن، وعلى الرغم ممّا یقبع علیه العالم الیوم من ثرواتٍ معدنیّهٍ وطبیعیّهٍ هائله تکفی لاستمرار مسیره التطوّر والنموّ والتقدّم فی الحیاه، وعلى الرغم ممّا یمتلکه إنسان الیوم من خیراتٍ کثیره، وأنهارٍ وفیره، وتضاریس مختلفه، وأجواء متعدّده، وعلى الرغم من کلّ المواقع الاستراتیجیّه الحسّاسه والمهمّه للغایه التی تربط شرق العالم بغربه، وشماله بجنوبه، وأقصاه بأدناه،
وفوق هذه الأمور کلّها: ما یملکه العالم من رصید رسالیّ، وعمق حضاریّ، وتنوّع ثقافیّ، وحشودٍ من الکفاءات العلمیّه، والاختصاصات الفنّیّه، والقدرات الإبداعیّه، مع ذلک کلّه، فها هو العالم الیوم یعانی وطأه إشکالیّات قاتلهٍ، مزمنه، ومستعصیه، من قبیل الأنظمه الأمنیّه البولیسیّه القائمه على القمع والإرهاب ومعاداه الشعوب، وانعدام الحقوق، وکبت الحرّیّات، ومحاصره أو انعدام منظّمات المجتمع المدنیّ، وطغیان التقالید العمیاء، والأعراف المذمومه، إضافهً إلى تفشّی التخلّف والرجعیّه، ولو بألبسه جدیده، ومسمّیاتٍ مکذوبه، وتشویهٍ للقوانین، وتعطیلٍ للعمل بها، وانحسارٍ للقیم والمبادىء، وانعدامٍ للنظام (باستثناء ما یُفرض بالقوّه لصالح جیوب القوى الرأسمالیّه)، وشیوع الفوضى، وانتشار الفساد، واستشراء الجهل، ولا ننسى الأوبئه والأمراض الفتّاکه، وتفشّی کثیرٍ من الظواهر التی تعکس حالهً من الوحشیّه البهیمیّه فی إنسان عالم الحداثه، کظاهره التطرّف والإرهاب (المصدّره إلى کافّه نواحی العالم من دول الرأسمالیّه المتبجّحه)، وما ینتج عن أمثال هذه الظواهر من فقدانٍ للأمان، وتعطیلٍ للعقول، وإخلالٍ بالسلم الأهلیّ، وما ینسحب إلیه کلّ ذلک من انتشارٍ للبطاله، وتدنٍّ لمستوى الدخل الفردیّ والاجتماعیّ، وانحدارٍ للثقافه، و…
وحتّى عندما نطلّ على دولٍ قد تبدو فی قمّه التطوّر والقوّه الباطشه، والهیمنه، والاحتیاط النفطیّ، والقدره الشرائیّه، ومستوى الدخل، والفائض الغذائیّ، کالولایات المتّحده الأمریکیّه مثلاً، فإنّنا ـ لا محاله ـ سوف نفاجأ کثیراً بنسبٍ هائلهٍ من الشعب الأمریکیّ ترزح تحت نظام مالیٍّ وحشیّ لا یرى سوى إلى جیوب الناس وحساباتهم المصرفیّه، نظامٍ یخلو تماماً من کلّ قیم الأخلاق، ومن کلّ أبعاد الإنسانیّه.. وسوف نرى عامّه أفراد الشعب الأمریکیّ (وإن قدّمت لنا الأفلام الهولیوودیّه المغرضه صورهً مباینهً تماماً) متأفّفاً، متحسّراً، ومنزعجاً غایه الانزعاج من حیل المؤسّسات المالیّه، ومن فساد البنوک بفوائدها المرتفعه التی ترهق کاهل الناس.. ناهیک عن التراجع التی تشهده معظم تلک الدول (أمریکا وغیرها) على مستوى الخدمات الصحّیّه..
والأعجب من ذلک، أنّه وبالرغم من أنّ تلک الدول تتشدّق بالدیمقراطیّه، وتتباهى بأنّها من الدول المصدّره والمنظّره لها، إلّا أنّ نظامها السیاسیّ یتداوله حزبان اثنان فقط، حزبان لا فارق بینهما على مستوى السیاسات والتوجّهات، بل لا فارق بینهما سوى فی التسمیه، فهذا حزب جمهوریّ، وذاک دیمقراطیّ، والحال أنّ ذاک لا یعرف من الدیمقراطیّه شیئاً، وهذا لا یعرف من الجمهوریّه شیئاً، وهذا وذاک فی وادٍ، وعموم الشعب فی وادٍ آخر..
وکلّ هذه المآسی والفظائع یتمّ إخفاؤها فی تلک الدول تحت شعاراتٍ برّاقه، ومسمّیاتٍ فارغه، کـ الدفاع عن حقوق الإنسان، وتحقیق السلام العالمیّ، والدیمقراطیّه، ومحاربه الإرهاب، و…
ویدلّنا على صحّه ما نذکره هنا: الحروب التدمیریّه الاستباقیّه التی قادتها الولایات المتّحده الأمریکیّه، وتبعتها علیها الغرب الرأسمالیّ المتغطرس برمّته، ضدّ سائر دول العالم التی أبدت ـ فی مکانٍ ما ـ شیئاً من الرفض للخطط والمشاریع والسیاسات الغربیّه والأمریکیّه..
کما یدلّنا على الانحدار الأخلاقیّ عند تلک القوى التی تسمّی أنفسها بـ القوى العظمى، إقدامها بین الفینه والأُخرى على إتلاف المحاصیل الغذائیّه والزراعیّه، بإحراقها تارهً، ورمیها فی البحار والمحیطات تارهً أُخرى، دون التفکیر حتى بإعطائها للشعوب الفقیره الجائعه، فی شتّى أنحاء العالم، وبالخصوص فی بعض بلدان أفریقیا وآسیا، ما یدلّ على سیاده ثقافه المصالح والمطامع عند هؤلاء، وتحلّلهم من کلّ القیم والمبادئ الإنسانیّه.
إنّ کلّ هذا یدفعنا إلى القول بأنّ الإداره الأمریکیّه، بوصفها أکثر القوى الرأسمالیّه تعطّشاً لافتراس الإنسانیّه، وأکثرها تحلّلاً من القیم والمبادئ الأخلاقیّه والحضاریّه، تقود العالم الیوم نحو هلاکه، وهی ـ بتعبیرٍ إسلامیّ ـ تقود العالم نحو أن یظهر فیه الفساد فی البرّ والبحر، وأن تُملأ أرجاؤه ظلماً وجوراً..
وکلّ هذا یعزّز آمالنا وأحلامنا، بل ویقیننا، بظهور المصلح العالمیّ المنتظر الذی یملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً.