الرادع الحقیقی للإنسان
أولاً: الضمیر والوجدان وهو قوه نفسیه تدرک محاسن الأفعال، وقبحها فترتاح للحسن وتلوم صاحبها على القبیح. والله تبارک وتعالى اوجد فی کل إنسان هذا الرادع والذی یسمى بالوجدان، حیث انه یمنع الإنسان عن ارتکاب المعاصی والاعتداء على الآخرین.
ومن ممیزات هذا الرادع أنه موجود مع الإنسان فی کل مکان وزمان، ولکن هذا الرادع لا یمکن أن یکون حقیقیاً، لأنه فی کثیر من الأحیان ونتیجه للذنوب والمعاصی یموت الضمیر عند الکثیر من الناس، أو من أجل المصالح الدنیویه یقوم بخداع الضمیر والوجدان، وأن الإنسان المنحرف الملوث کثیراً ما یعمد إلى خداع نفسه، ووجدانه للتخلص من تأنیب الضمیر، ویصبح بالتدریج مقتنعاً، بأن قبائحه لیست عملاً إنحرافیاً ، بل هی أعمالاً إصلاحیه کما قال تعالى : (وَإِذَا قِیلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِی الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَکِنْ لَا یَشْعُرُونَ) ، وبذلک یخدعون أنفسهم ، ویستمرون فی غیهم .
فقد ذکر أن أحد القاده الأمریکیین عندما وجه إلیه سؤالاً حول سبب إلقاء القنبله الذریه على مدینتی (هیروشیما وناکازاکی) الیابانیتین مما أدى إلى مقتل مائتی ألف إنسان برئ وإصابتهم بالعاهات، فقال: نحن فعلنا ذلک من أجل السلام ! ولو لم نفعل ذلک لطالت الحرب أکثر، ولذهب ضحیتها عدد أکبر من القتلى، والآن أمریکا وعملائها یتشبثون بمثل هذه الأقاویل لخداع الناس وخداع أنفسهم، فهذا الزعیم الأمریکی یضع أمامه طریقین فقط هما: استمرار الحرب أو القصف الذری للمدن الآمنه، متناسیاً طریقاً ثالثاً واضحاً وهو الکف عن الاعتداء على الشعوب وترک الناس أحراراً یقررون مصیرهم ومستقبلهم.
ثانیاً: الرادع الاجتماعی، فإن هذا الرادع یعتبر من الأمور المؤثره فی بعض المجتمعات، فلا یستطیع الإنسان أن یعمل بعض الأعمال القبیح عقلاً وشرعاً وعرفاً ، خوفاً من المجتمع وهذا الرادع یختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر، ولکن هذا الرادع لا یصلح أن یکون رادعاً حقیقیاً أیضاً؛ وذلک لأن الإنسان قد یعمل أعمالاً قبیحه بعیداً عن أنظار المجتمع، فیظهر أمام الناس بمظهر حسن، ویعمل فی الباطن والسر أعمالاً تدمر المجتمع، وهذا ما نراه الیوم فی بعض دول العالم التی تدعی الدیمقراطیه، والحریه وحقوق الإنسان، ولکنها تُحیک المؤامرات السریه لتدمیر المجتمعات، وتخلق الفتن بین أبناء النوع الإنسانی.
ثالثا: القانون الوضعی، وهو قانون وضعه الإنسان، تقتضیه الضروره لحفظ النظام وإداره المجتمع وحفظ الأموال والنفوس المحترمه. فکل دوله لها قوانین وضعیه تحدد سلوک الإنسان، وتحد من تصرفاته وتردعه عن ارتکاب الجرائم ، والاعتداء على الآخرین، وتکون رادعه للإنسان، ولکن هذا الرادع لیس رادعاً حقیقاً أیضاً، ولا یصلح أن یکون رادعاً حقیقیا، وذلک لأن هذا القانون وضعه الإنسان، وإن الإنسان مهما وصل إلى درجه عالیه من العلم، فإنه یبقى ناقصاً ولا یعرف کثیراً من المصالح والمفاسد، ولهذا نرى أن کثیراً من القوانین الوضعیه مخالفه للعداله وفیها ظلم لکثیر من المجتمعات.
وحتى إذا تنزلنا وقلنا أن هذه القوانین الوضعیه صالحه وعادله ، فإنها غیر صالحه لردع الإنسان فی کل مکان، ففی کثیر من الأحیان یعمل الإنسان أعمالاً مخالفه ولا یستطیع القانون الوضعی أن یمنعه أو أن یحد من جرائمه، وذلک أما یتلاعب هذا المجرم بالقانون أو یعمل أعمالاً بعیداً عن أنظار الراعین لهذا القانون، أو أنه من الطبقات العالیه التی هی فوق القانون کما نرى الیوم فی العالم، حیث أن بعض الأفراد والدول لها حق الفیتو ضد أی قانون لا یخدم مصالحهم، إضافه إلى هذا أن من یرعى القانون الوضعی إنسان، وهو معرض إلى الرشوه والخطاء والنسیان والعصبیه والانحیاز، وغیرها من المؤثرات الخارجیه.
رابعاً: الرادع الإلهی، وهو الرادع الحقیقی للإنسان عن جمیع الإعمال القبیح الظاهره والبطانه، لأنه عندما یؤمن الإنسان بالله سبحانه وتعالى أنه یراه فی السر والعلن فی اللیل والنهار فی کل مکان وزمان، و یراقبه فی کل حالاته ، الصغیره والکبیره، ویثیب المحسن على إحسانه، ویعاقب المسیء على إساءته بدون تمییز بین أبناء أفراد النوع الإنسانی، کما قال الله تعالى: (فَمَنْ یَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّهٍ خَیْرًا یَرَهُ * وَمَنْ یَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّهٍ شَرًّا یَرَهُ) وقال تعالى: (أَوَلَا یَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ یَعْلَمُ مَا یُسِرُّونَ وَمَا یُعْلِنُونَ). وقال أیضاً: (وَکَانَ اللَّهُ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ رَقِیبًا) وقال (هَذَا کِتَابُنَا یَنْطِقُ عَلَیْکُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا کُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
ومن هنا یتبین أن القانون الإلهی الذی یُؤخذ من طریق الوحی، هو أقدر من القوانین الوضعیه والاجتماعیه والضمیر والوجدان على ضبط الإنسان ومنعه من الاعتداء على الآخرین، لأن القانون الإلهی لم یجعل على الإنسان رقیباً واحدا، وإنما جعل عدت جهات تراقبه وهی:
أولاً: الرقابه الظاهریه على أعماله، والعقوبات الجزائیه کالحدود والتعزیزات والقصاص والنفی وغیرها.
ثانیاً: أوجب على من یؤمن بالله تبارک وتعالى وبقوانینه فریضه الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر التی تجعل کل واحد من الناس مکلفا بمراقبه أعمال البقیه، فیأمرهم بالمعروف وینهاهم عن المنکر کما قال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِیَاءُ بَعْضٍ یَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَیُقِیمُونَ الصَّلَاهَ وَیُؤْتُونَ الزَّکَاهَ وَیُطِیعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِکَ سَیَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِیزٌ حَکِیمٌ) وقال تعالى (وَلْتَکُنْ مِنْکُمْ أُمَّهٌ یَدْعُونَ إِلَى الْخَیْرِ وَیَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَأُولَئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
ثالثاً: الرقابه العقائدیه؛ فإن الإنسان المؤمن یعتقد أن جمیع أعماله صغیرها وکبیرها کلها تحفظ، وتضبط لیوم یجمع الله الناس فی مجمع عام، ویحاسب علیها حساباً دقیقاً.
رابعاً: وأهمها وأعظمها وهو الاعتقاد بأن الله تعالى محیط بالکون وما فیه وهو یعلم ویرى کل الأعمال الصادره من الإنسان قال تعالى (یَعْلَمُ خَائِنَهَ الْأَعْیُنِ وَمَا تُخْفِی الصُّدُورُ)، وقال تعالى أیضاً (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِکُلِّ شَیْءٍ عِلْمًا).
خامساً: وبالإضافه إلى ما تقدم، فإن لهذه الأعمال القبیحه کالظلم والاعتداء على الآخرین آثاراً على صاحبها قبل غیره، وهو ما یسمى بالانتقام الإلهی من المجرم والظالم والمتکبر وغیرهم قال تعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا یَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا یُؤَخِّرُهُمْ لِیَوْمٍ تَشْخَصُ فِیهِ الْأَبْصَارُ) وقال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِکَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَیِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِینَ أَجْرَمُوا وَکَانَ حَقًّا عَلَیْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِینَ) وقال تعالى (فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِینَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِینَ).
وهناک مجموعه من الآیات التی تحذر الإنسان من ارتکاب المعاصی والتعدی على المحرمات، وتخبره بأن الله تعالى سوف ینتقم منه، وهذا فی الواقع رادع قوی أذا التفت إلیه الإنسان، ونظر إلى عاقبه المجرمین والظالمین، وما حل بهم.