مسأله عداله الصحابه باختصار

0

إنّ لِصَحابه النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم الّذین آمَنوا به فی حیاته، واستفادوا منه المعرفهَ، وأخذوا عنه العلمَ، والسنه، احتراماً خاصّاً عندنا نحن الشیعه الاِمامیه، وذلک من دون فرقٍ بین الذین استُشهدوا فی معرکه "بدر" و"أُحد" و"الخندق" و"حُنین"، أو بقوا على قید الحیاه بعد رَسول الله صلى الله علیه وآله وسلم.
فکل هؤلاء الذین آمنوا برسول الله صلى الله علیه وآله وسلم وعاشوا معه، وصَحِبُوه محترمون، ولا یجوز لمسلمٍ فی العالم أن یسیء إلى صحابه رسولِ الله صلى الله علیه وآله وسلم (من جهه کونهم صحابهً للنبیّ) أو یؤذیهم، ونِسبه مثل هذا الموقف إلى فریق من المسلمین نسبهٌ ظالمهٌ وافتراءٌ مرفوض.
ولکن إلى جانبِ هذه المسأله ثمّت مسألهٌ أُخرى یجب دراستها من دون تعصّب أو حبّ وبُغض غیر مُبرَّرَین، وهی: هل أن جمیع صحابه النبی صلى الله علیه وآله وسلم عدولٌ وأتقیاء، ومنزَّهون عن الذنوب، أو أنّ حکمَ الصحابه فی هذه النقطه هو عین حکم التابعین الذین لا یمکن ان نعتبر جمیعهم عدولاً أتقیاء.
إنّ من البدیهیِّ أنَّ مرافقه رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم ورؤیته وان کانت مبعث فخرٍ واعتزاز لمن یرافقه ویراه إلاّ أنّ کل هذه الاَُمور لا توجب المصونیه لهم من الذنوب، ولا الحصانه من المعاصی، ولا یمکن النظر إلى جمیع الصحابه بنظره واحده ومساویه، واعتبارهم جمیعاً عدولاً أتقیاء، مبرَّأین عن کلّ زَلَلٍ وخطل، ذلک لاَنّهم بشهاده القرآن من حیث الاِیمان والِنّفاق، ومن حیث الطاعه والعِصیان، والتسلیم وعدم التسلیم أمامَ الله ونبیّه صلى الله علیه وآله وسلم على أصناف مختلفه، وفی هذا التصنیف لا یمکن اعتبارهم جمیعاً فی مرتبهٍ واحدهٍ، ولا اعتبارهم جمیعاً عدولاً أتقیاء.
إنّه ممّا لاشکَّ فیه أنّ القرآن الکریم مدح أصحاب النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم فی مواقع مختلِفه۱ وللمثال قد ذَکَرَ القرآنُ أنّ اللهَ رضى عن الّذین بایَعوا تَحتَ الشجره فی حاله صلح الحدیبیه، إذ قال سبحانه: ﴿لَقَد رَضی اللهُ عَنِ المُؤْمِنِینَ إذْ یُبَایِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَهِ فَعَلِمَ مَا فِی قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّکِینَهَ عَلَیْهِمْ وأثابَهُمْ فَتْحاً قَرِیبا﴾(الفتح:۱۸).
فالآیه تعکس رضى الله سبحانه عن المؤمنین، لکنّها لا تعنی انّهم صاروا بذلک عدولاً أتقیاء إلى آخر عمرهم وان عَصَوا وخالفوا أمره سبحانه، نعم ثبت رضاه سبحانه عنهم فی فتره خاصه وهو حال المبایعه بشهاده قول: (إذ یبایعونک) وهو ظرف للرضا. فهذا المدح لهم لا یدلُّ على ضمان صلاحِهم واستقامتِهم حتى آخر لحظه من حیاتهم.
ولهذا إذا سلک شخصٌ أو أشخاصٌ منهم طریق الخلاف فیما بعد لم یکن رضا الله تعالى عنهم فی طرف المبایعه دلیلاً على تقواهم المستمرّ، ولا شاهداً على فلاحِهم الاَبدیّ، لاَنّ شأنَ هذا الفریق، ومقامَهم لیس أعلى ولا أسمى من شأن ومقام رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم الذی قال الله مخاطباً إیّاه: ﴿لَئنْ أَشْرَکْتَ لَیَحْبَطَنَّ عَمَلُکَ وَلَتَکُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِینَ﴾(الزمر:۶۵).
إنّ الآیات المادحه للمهاجرین والاَنصار تبیّن ما حصل علیه هؤلاء الاَشخاص من الکمال فی تلک الحاله، ومن البدیهیِّ أنّهم سیکونون مفلِحین دائماً إذا حافظوا على هذا الکمال إلى آخر لحظه من حیاتهم.
وعلى هذا الاَساس لو دلّتِ الدلائلُ القاطعه من الکتاب والسُّنّه على انحراف فردٍ، أو أفرادٍ لا یَصحُّ فی هذه الحاله الاستنادُ إلى المدائح المذکوره لهم.
ولنضربْ مَثَلاً على ذلک ما جاء فی القرآن الکریمِ فی حق أحد الصحابه.
فإنّ القرآنَ الکریمَ وصف أحد الصحابه بأنّه "فاسق"2. إذ قال: ﴿إِن جَاءَکُمْ فَاسِقٌ بنباًَ فَتَبَیَّنُوا﴾(الحُجُرات:۶). وقال فی آیه أُخرى: ﴿أَفَمَن کَانَ مُؤْمِناً کَمَن کَانَ فَاسِقاً لاَّ یَسْتَوُونَ﴾(السجده:۱۸).
إنّ هذا الفرد بِشهاده التاریخ القطعیّ هو "الولید بن عُقبه" وکان من أصحاب رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم رغم کونه صحابیّاً ومهاجراً وهما فضیلتان سامقتان إلاّ أنّه لم یتمکّن من المحافظه على هاتین الفضیلتین، بل تسبَّبَ کِذبُه على طائفه "بنی المصطَلَق" بأن یُذکَر بلفظ "الفاسق".
ومع الاِلتفات إلى هذه الآیه ونظائرها۳ وکذا ملاحظه الاَحادیث التی وَرَدَت فی ذمّ بعض الصَّحابه فی کتب الحدیث۴ وکذا فی ضوء مطالعه التاریخ الاِسلامیّ والوقوف على سیره بعضهم۵ لا یمکن اعتبار جمیع صحابه النبیّ صلى الله علیه وآله وسلم الذین یتجاوز عددهم المائه ألف شخصٍعُدولاً أتقیاء جمیعاً.
على أنّ ما نحن بصدد بحثِه ودراستهِ هنا هو "عدالهُ جمیع الصحابه" لا سبّ الصحابه، وإنّ من المؤسف أنّه لم یفرّق البعضُ بین المسألتین، وإنّما عمد إلى اتّهام المخالفین فی المسأله الاَُولى والاِیقاع فیهم فی غیر ما حق.
وفی الخاتمه نؤکّدُ على أنّ الشیعهَ الاِمامیّه لاترى احترام صحبه النبی صلى الله علیه وآله وسلم مانعاً من مناقشه أفعال بعض صحابته صلى الله علیه وآله وسلم والحکم علیها وتعتقد بأنّ معاشرهَ النبی لا تکون سبباً للمصُونیّه من المعاصی إلى آخر العمر.
على أنّ موقف الشیعه، فی هذا المجال ینطلق من الآیات القرآنیه، والاَحادیث الصحیحه، والتاریخ القطعی، والعقل المحاید الحصیف.

ــــــــــــــــ
۱- لاحظ سوره التوبه:۱۰۰، وسوره الفتح:۱۸ و ۲۹، وسوره الحشر:۸ و ۹٫
۲- راجع التفاسیر عند توضیح هاتین الآیتین.
۳- لاحظ آل عمران:۱۵۳ ـ ۱۵۴، الاَحزاب:۱۲، التوبه:۴۵ ـ ۴۷٫
۴- جامع الاَُصول، ج ۱۱، کتاب الحوض، الحدیث رقم ۷۹۷۲٫
۵- صحیح البخاری، ج ۵، تفسیر سوره النور، ص ۱۱۸ ـ ۱۱۹٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.