موت الزوج أثناء العدّه
لو طلّقها ثم مات قبل انقضاء العدّه فلها حالات ثلاث:
الأُولى: أن یکون الطلاق رجعیاً وکانت حائلاً.
الثانیه: أن یکون الطلاق رجعیاً وکانت حاملاً.
الثالثه: أن یکون الطلاق بائناً.
أمّا الأُولى: فتعتد من حین موته عده الوفاه، أعنی: أربعه أشهر وعشراً.
وأمّا الثانیه: فتعتد بأبعد الأجلین منها ومن وضع الحمل کغیر
المطلّقه.
وأمّا الثالثه: فتقتصر على عدّه الطلاق من غیر فرق بین الحائل والحامل ولاعدّه علیها بسبب الوفاه. وعده الحائل بالإقراء والشهور، وعدّه الحامل بوضع حملها.
هذا ما اتفقت علیه کلمه الأصحاب.
قال الشیخ فی المبسوط: إذا طلّق زوجته طلاقاً رجعیاً فاعتدّت بعض العدّه، ثم توفّی عنها زوجها فإنّها تنتقل إلى عده الوفاه بلاخلاف، لأنّها فی معنى الزوجات.(۸۶۹)
وقال ابن قدامه: إذا مات زوج الرجعیه استأنفت عده الوفاه أربعه أشهر وعشراً بلاخلاف، قال ابن المنذر: أجمع کل من یحفظ عنه من أهل العلم على ذلک، وذلک لأنّ الرجعیه زوجه یلحقها طلاقه وینالها میراثه فاعتدت الوفاه کغیر المطلّقه.
وإن مات مطلق البائن فی عدّتها بنت على عده الطلاق، إلاّ أن یطلّقها فی مرض موته فإنّه تعتد أطول الأجلین من عده الوفاه أو ثلاثه قروء. نص على هذا أحمد، وبه قال الثوری وأبو حنیفه ومحمد بن الحسن; وقال مالک والشافعی وأبو عبید وأبو ثور وابن المنذر: تبنی على عده الطلاق، لأنّه مات ولیست زوجه له، لأنّها بائن من النکاح ولاتکون منکوحه.(۸۷۰)
وإلیک الکلام فی الصور الثلاث.
الصوره الأُولى
إذا طلّقت رجعیه ومات الزوج أثناء العده وکانت حائلاً
فقد عرفت أنّها تستأنف عده الوفاه ولاعبره بما اعتدت به من الزمان. وعلى کل تقدیر فیمکن الاستدلال علیه، بقوله سبحانه: (وَ الَّذِینَ یُتَوَفَّوْنَ مِنْکُمْ وَ یَذَرُونَ أَزْوَاجاً یَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَهَ أَشْهُر وَ عَشْراً)(۸۷۱)، بعد ما دلّت الروایات على أنّ المطلّقه الرجعیّه زوجه، کما عرفته فی محله، فکونها زوجه ثابته بالروایات فتدخل فی الآیه الکریمه الوارده فی الذکر الحکیم.
أضف إلى ذلک: ما ورد فی المقام لفیف من الروایات:
روى هشام بن سالم، عن أبی عبد اللّه (علیه السلام)فی رجل کانت تحته امرأه فطلّقها ثم مات قبل أن تنقضی عدّتها، قال: «تعتدّ أبعد الأجلین عدّه المتوفّى عنها زوجها». (872)
وروى محمد بن قیس، عن أبی جعفر (علیه السلام)قال: سمعته یقول: «أیّما امرأه طلّقت ثم توفّی عنها زوجها قبل أن تنقضی عدتها ولم تحرم علیه، فإنّها ترثه ثم تعتد عدّه المتوفّى عنها زوجها، وإن توفیت وهی فی عدّتها ولم تحرم علیه فإنّه یرثها».(873)
وروى جمیل بن درّاج، مرسلاً عن أحدهما (علیهما السلام)فی رجل طلّق امرأته طلاقاً یملک فیه الرجعه ثم مات عنها، قال: «تعتد بأبعد الأجلین أربعه أشهر وعشراً».(874) إلى غیر ذلک من الروایات.(۸۷۵)
ثم إنّ الوارد فی النصوص هو الاعتداد بأبعد الأجلین، ومن المعلوم أنّه إنّما یکون أبعد إذا کانت الزوجه غیر مسترابه، وأمّا مسترابه الحمل فینعکس الأمر، فتکون عده الفراق أبعد من عده الوفاه، وقد علمت أنّ عدّتها تسعه أشهر ثم ثلاثه أشهر أو سنه ثم مثلها. وإن کان الأخیر معرضاً عنه، وعلى کل تقدیر فلو کانت المطلّقه مسترابه، ثم توفّی عنها زوجها فی أثناء العدّه، فما وظیفتها؟!
هناک احتمالات:
۱ـ حکمها حکم الحائل، تعتد عدّه الوفاه، سواء بقی من عدّه الطلاق شیء، أم لا، إذا مات، وهی فی الثلاثه بعد التسعه، وبالجمله فالمدار عده الوفاه.
۲ـ تعتد عده الوفاه مع المده التی یظهر فیها عدم الحمل، فالواجب أمران: الاعتداد بعده الوفاه وظهور براءه رحمها. وإن تتم المدّه المضروبه على المسترابه.
۳ـ إنّما تتبدل إلى عده الوفاه، إذا مات فی الثلاثه بعد التسعه أو السنه، لأنّها عدّتها دون ما یتقدمها التسعه أو السنه. وهو خیره الحدائق.
ونظیر هذه المسأله ما إذا کانت المطلّقه ممن ترى الدم فی کل شهر ونصف مره، فأقراؤها تزید على عده الوفاه، فتجری فیه الاحتمالات المذکوره فی المسترابه.
ویمکن أن یقال: إنّ روایات الباب وإن دلّت على وجوب عده الوفاه عند موت الزوج فی أثناء العدّه، وظاهرها وجوب عدّه واحده علیها وهی عدّه الوفاه ولکنّها لاتدلّ على انتفاء أثر الطلاق وهو استبراء الرحم من الولد، فلو لم تکن عده الوفاه کافیهً فی تعیین تکلیف المرأه یجب نفی الریبه بالتربص. وعلى ضوء ذلک یجب فی الصوره الأُولى الاعتداد بأبعد الأجلین من عده الوفاه، ووظیفه المسترابه.
فلو مات الزوج بعد الطلاق بشهر مثلاً تعتد عدّه الوفاه، ولکن لایمکن الاکتفاء به إذا لم یتبیّن وضع المرأه فیجب التربّص إلى رفع الریبه وظهور التکلیف ، کما أنّه لو مات بعد سبعه أشهر تعتد بأبعدهما من اتضاح الحال وعده الوفاه ولعل الأبعد هو عده الوفاه.
هذا کلّه فی المسترابه وأمّا ما إذا کانت عده الطلاق أبعد من عده الوفاه کما إذا ترى الدم فی شهرین ونصف، فتعتدّ بأبعدهما، فلو مات فی الشهر الأوّل تعتد بعده الطلاق، ولو مات فی الشهر السادس تعتدّ بعده الوفاه.
والحاصل: یجب علیها مراعاه کلتا الوظیفتین من ملاحظه أثر الطلاق وعده الوفاه، وقد عرفت أنّ الروایات وإن نفت عدّه الطلاق ولکنّها لاتنفی رعایه أثرها، ولأجل ذلک یجب رعایه کلتا الوظیفتین.
الصوره الثانیه:
إذا طلّقت رجعیه وکانت حاملاً
إذا توفّی زوجها أثناء العدّه تعتد بأبعد الأجلین من وضع الحمل ومضی أربعه أشهر وعشراً، وحینئذ فإن وضعت قبل استکمال أربعه أشهر وعشره أیام صبرت إلى انقضائها، وإن مضت الأربعه أشهر والعشر تعتد بوضع الحمل، بلاخلاف، وذلک جمعاً بین الآیتین، أعنی قوله
سبحانه:(وَأُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ یَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (۸۷۶)، وقوله سبحانه:(وَ الَّذِینَ یُتَوَفَّوْنَ مِنْکُمْ وَیَذَرُونَ أَزْوَاجاً یَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَهَ أَشْهُر وَ عَشْراً)(۸۷۷) فامتثالها یحصل بأبعد الأجلین.
ولو نوقش فی دلاله الآیتین، فتکفی فی ذلک النصوص المستفیضه، ففی صحیحه الحلبی فی الحامل المتوفّى عنها زوجها: «تنقضی عدّتها آخر الأجلین».(878) وهذه الروایات وإن وردت فی الحامل من دون إیعاز إلى طلاقها، لکن یعلم حکمها من روایات الباب أیضاً، لأنّ الطلاق لیس له أثر خاص فی المقام غیر التربّص إلى وضع الحمل، وإنّما الأثر فی المقام للتوفّی، کما لایخفى.
نعم اتفقت فقهاء العامّه على أنّ أجلها هو وضع حملها من غیر فرق بین طلاق الزوجه وموت الزوج. قال ابن قدامه: أجمع أهل العلم فی جمیع الأمصار على أنّ المطلّقه الحامل تنقضی عدّتها بوضع حملها وکذلک کل مفارقه فی الحیاه وأجمعوا على أنّ المتوفّى عنها زوجها إذا کانت حاملاً، أجلها وضع حملها إلاّ ابن عباس. وروی عن علی (علیه السلام) من وجه منقطع أنّها تعتدّ بأقصى الأجلین.(۸۷۹)
الصوره الثالثه:
ما إذا طلّقها بائناً
اتفقت کلمه الأصحاب على أنّها تقتصر على إتمام عده الطلاق لعدم شمول الآیه لها، لأنّ المفروض انقطاع العصمه بینهما فلیست هی زوجه حتى تشملها الآیه ویصدق علیها أنّها من مصادیق (وَ الَّذِینَ یُتَوَفَّوْنَ مِنْکُمْ وَ یَذَرُونَ أَزْوَاجاً …)ولأجل ذلک لایتوارثان. أضف إلى ذلک انّ فی ما مرّ من الروایات فی الصوره الأُولى إلماعاً إلى حکم هذه الصوره، ففی صحیح محمد بن قیس الماضی قوله: «… ولم تحرم علیه فإنّها ترثه ثم تعتد عدّه المتوفّى عنها زوجها…»(880)، والمراد من «لم تحرم علیه» فی الموردین عدم کون الطلاق بائناً حیث تحرم الزوجه على الزوج بعد الطلاق.
وفی موثق سماعه: قال: سألته عن رجل طلّق امرأته ثم إنّه مات قبل أن تنقضی عدّتها، قال: تعتدّ عدّه المتوفّى عنها زوجها ولها المیراث.(۸۸۱) ومن المعلوم أنّ المیراث فی الرجعی دون البائن. ومثله ما رواه محمد بن مسلم.(۸۸۲)
وقد عرفت فیما مضى من التفصیل فی کلام ابن قدامه، وقد ذهب جماعه من فقهائهم إلى أنّه إن طلّقها فی مرض موته فإنّها تعتد أطول الأجلین من عده الوفاه أو ثلاثه قروء، وإن ذهب مالک والشافعی إلى أنّه تکتفی بعدّه الطلاق، والحق هو القول الثانی کما علیه إطلاق کلمات الأصحاب، ولأنّها بائن من النکاح فلاتکون زوجه حتى تعتد بعدّه الوفاه ویکون المعیار أطول الأجلین.
۸۶۹ . المبسوط: ۵/ ۲۷۷٫
۸۷۰ . المغنی:۹/ ۱۰۸٫
۸۷۱ . البقره: ۲۳۴٫
۸۷۲ . الوسائل: ج ۱۵، الباب۳۶ من أبواب العدد، الحدیث ۱٫
۸۷۳ . الوسائل: ج ۱۵، الباب۳۶ من أبواب العدد، الحدیث ۳٫
۸۷۴ . الوسائل: ج ۱۵، الباب۳۶ من أبواب العدد، الحدیث ۵٫
۸۷۵ . لاحظ الوسائل: ج ۱۵، الباب ۳۶ من أبواب العدد، الحدیث ۲و۷و ۹٫
۸۷۶ . الطلاق: ۴٫
۸۷۷ . البقره: ۲۳۴٫
۸۷۸ . الوسائل: ج ۱۵، الباب۳۱ من أبواب العدد، الحدیث ۱٫ ولاحظ سائر الروایات فی هذا الباب.
۸۷۹ . المغنی: ۹/ ۱۱۰٫
۸۸۰ . الوسائل: ج ۱۵، الباب ۳۶ من أبواب العدد، الحدیث ۳ .
۸۸۱ . الوسائل: ج ۱۵، الباب ۳۶ من أبواب العدد، الحدیث ۹٫
۸۸۲ . الوسائل: ج ۱۷، الباب ۱۳ من أبواب میراث الزوجه، الحدیث ۵٫