هل نزل القـــرآن على سبعه احرف؟

0

عَرْض الروایات حول نزول القرآن على سبعه أحرف . تفنید تلک الروایات . عدم رجوع نزول القرآن على سبعه أحرف إلى معنى معقول . الوجوه العشره التی ذکروها تفسیراً للأحرف السبعه . بیان فساد تلک الوجوه .
الصفحه ۱۷۱
لقد ورد فی روایات أهل السُنّه : أنّ القرآن أُنزل على سبعه أحرف ، فیحسن بنا أنْ نتعرّض إلى التحقیق فی ذلک ، بعد ذِکر هذه الروایات :
۱ – أخرج الطبری عن یونس وأبی کریب ، بإسنادهما عن ابن شهاب ، بإسناده عن ابن عبّاس ، حدّثه أنّ رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) قال :
( أقرأَنی جبرئیل على حرف فراجعته ، فلم أزل استزیده فیزیدنی ، حتّى انتهى إلى سبعه أحرف ) .
ورواها مسلم عن حرمله عن ابن وهب عن یونس (۱) ، ورواها البخاری بسند آخر (۲) ، وروى مضمونها عن ابن البرقی ، بإسناده عن ابن عبّاس .
۲ – وأخرج عن أبی کریب ، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبی لیلى عن جدّه عن أُبَی بن کعب قال :
( کنت فی المسجد ، فدخل رجل یصلّی ، فقرأ قراءهً أنکرتُها علیه ، ثمّ دخل رجل آخر فقرأ قراءهً
(۱) صحیح مسلم باب أنّ القرآن أُنزل على سبعه أحرف ج ۲ ص ۲۰۲ طبعه محمّد علیّ صبیح بمصر .
(۲) صحیح البخاری باب أُنزل القرآن على سبعه أحرف ج ۶ ص ۱۰۰ طبعه دار الخلافه . المطبعه العامره .
الصفحه ۱۷۲
غیر قراءه صاحبه ، فدخلنا جمیعاً على رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) ، قال : فقلت یا رسول الله إنّ هذا قرأ قراءه أنکرتُها علیه ، ثمّ دخل هذا فقرأ قراءه غیر قراءه صاحبه ، فأمرهما رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) فقرءا ، فحسَّن رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) شأنهما ، فوَقع فی نفسی مِن التکذیب ، ولا إذ کنتُ فی الجاهلیه .
فلمّا رأى رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) ما غشِیَنی ضرب فی صدری ، ففضْتُ عَرَقاً کأنّما أنظر إلى الله فرْقاً . فقال لی : یا أُبَیّ أُرسِلَ إلیَّ أنْ أقرأ القرآن على حرف ، فرددتُ علیه أنْ هوِّن على أمّتی ، فردّ علیّ فی الثانیه أنْ أقرأ القرآن على حرف (۱) ، فرددتُ علیه أنْ هوِّن على أمّتی ، فردّ علیّ فی الثالثه أن اقرأه على سبعه أحرف ، ولک بکلّ ردّهٍ رددتَها مسأله تسألْنیها . فقلت : اللهمّ اغفر لأمّتی . اللهمّ اغفر لأمّتی ، وأخّرتُ الثالثه لیوم یرغب فیه إلى الخَلْق کلّهم حتّى إبراهیم ( علیه السلام ) ) .
وهذه الروایه رواها مسلم أیضاً بأدنى اختلاف (۲) ، وأخرجها الطبری عن أبی کریب بطُرُق أخرى باختلاف یسیر أیضاً ، وروى ما یقرب مِن مضمونها عن طریق یونس بن عبد الأعلى ، وعن طریق محمّد بن عبد الأعلى الصنعانیّ عن أُبَیّ .
۳ – وأخرج عن أبی کریب ، بإسناده عن سلیمان بن صرد عن أُبَیّ بن کعب قال :
 
(۱) هکذا فی النسخه ، وفی صحیح مسلم : على حرفین .
(۲) صحیح مسلم ج ۲ ص ۲۰۳ .
الصفحه ۱۷۳
( رحتُ إلى المسجد فسمعت رجلاً یقرأ ، فقلت : مَن أقرأک ؟ فقال : رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) ، فانطلقتُ به إلى رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) ، فقلت : استقرئ هذا ، فقرأ . فقال : أحسنت . قال : فقلت : إنّک أقرأتنی کذا وکذا ، فقال : وأنت قد أحسنت . قال : فقلت قد أحسنت قد أحسنت . قال : فضرب بیده على صدری ، ثمّ قال : اللهمّ أذهب عن أُبَیّ الشکّ . قال : ففضْتُ عرَقاً وامتلأ جَوفی فَرَقاً .
ثمّ قال ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) : إنّ الملَکَین أتَیانی ، فقال أحدهما : اقرأ القرآن على حرف ، وقال الآخر : زده قال : فقلت زدْنی . قال : اقرأه على حرفَین ، حتّى بلَغ سبعه أحرف ، فقال : اقرأ على سبعه أحرف ) .
۴ – وأخرج عن أبی کریب ، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبی بکره عن أبیه قال :
( قال رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) : قال جبرئیل : اقرأ القرآن على حرف . فقال میکائیل : استزده ، فقال : على حرفین ، حتّى بَغ ستّه أو سبعه أحرف – والشکّ مِن أبی کریب – فقال : کلّها شافٍ کافٍ ، ما لم تختم آیه عذاب برحمه ، أو آیه رحمه بعذاب کقولک : هلمَّ وتعال ) .
۵ – وأخرج عن أحمد بن منصور ، بإسناده عن عبد الله بن أبی طلحه عن أبیه عن جدِّه قال :
( قرأ رجل عند عمر بن الخطاب ، فغیّر علیه ، فقال : لقد قرأت على رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) ، فلم یغیّر
الصفحه ۱۷۴
علیّ ، قال : فاختصما عند النبیّ ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) ، فقال : یا رسول الله ألَم تُقرئُنی آیه کذا وکذا ؟ قال : بلى . فوقع فی صدر عمر شیء ، فعرف النبیّ ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) – ذلک فی وجهه . قال : فضرب صدره . وقال : أبعد شیطاناً ، قالها ثلاثاً ، ثمّ قال : یا عمَر إنّ القرآن کلّه سواء ، ما لم تجعل رحمهً عذاباً ، وعذاباً رحمهً ) .
وأخرج عن یونس بن عبد الأعلى ، بإسناده عن عمر بن الخطاب قضیه مع هشام بن حکیم تشبه هذه القصّه . وروى البخاری ومسلم والترمذی قصّه عمر مع هشام بإسناد غیر ذلک ، واختلاف فی ألفاظ الحدیث (۱) .
۶ – وأخرج عن محمّد بن المثنّى ، بإسناده عن ابن أبی لیلى عن أُبیّ بن کعب ، أنّ النبیّ ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) کان عند أضاءه بنی غفّار قال :
( فأتاه جبرئیل ، فقال : إنّ الله یأمرک أنْ تُقرئ أمّتک القرآن على حرف ، فقال : اسأل الله معافاته ومغفرته ، وإنّ أمّتی لا تُطیق ذلک . قال : ثمّ أتاه الثانیه ، فقال : إنّ الله یأمرک أنْ تُقرئ أمّتک القرآن على حرفَین ، فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإنّ أمّتی لا تُطیق ذلک ، ثمّ جاء الثالثه ، فقال : إنّ الله یأمرک أنْ تُقرئ أمّتک القرآن على ثلاثه أحرف ، فقال : أسأل الله معافاته ومغفرته ، وإنّ أمّتی لا تُطیق ذلک ، ثمّ جاء الرابعه . فقال : إنّ الله یأمرک أنْ
 
(۱) صحیح مسلم ج ۲ ص ۲۰۲ ، وصحیح البخاری ج ۳ ص ۹۰ ، و ج ۶ ص ۱۰۰ ، ۱۱۱ ، و ج ۸ ص ۵۳ ، ۲۱۵ ، وصحیح الترمذی بشرح ابن العربی باب ما جاء أُنزل القرآن على سبعه أحرف ج ۱۱ ص ۶۰ .
الصفحه ۱۷۵
تُقرئ أمّتک القرآن على سبعه أحرف ، فأیّما حرف قرأوا علیه فقد أصابوا ) .
ورواها مسلم أیضاً فی صحیحه (۱) . وأخرج الطبری أیضاً نحوها عن أبی کریب ، بإسناده عن ابن أبی لیلى عن أُبَیّ بن کعب .
وأخرج أیضاً بعضها عن أحمد بن محمّد الطوسی ، بإسناده عن ابن أبی لیلى عن أُبَیّ بن کعب باختلافٍ یسیر ، وأخرجها أیضاً عن محمّد بن المثنّى ، بإسناده عن أُبَیّ بن کعب .
۷ – وأخرج عن أبی کریب باسناده عن زر عن أُبیّ قال :
( لَقِیَ رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) جبرئیل عند أحجار المراء ، فقال : إنّی بُعثتُ إلى أمّه أمّیین منهم الغلام والخادم ، وفیهم الشیخ الفانی والعجوز ، فقال جبرئیل : فلیقرأوا القرآن على سبعه أحرف ) (۲) .
۸ – وأخرج عن عمرو بن عثمان العثمانیّ ، بإسناده عن المقبری عن أبی هریره أنّه قال :
( قال رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) : إنّ هذا القرآن أُنزل على سبعه أحرف ، فاقرأوا ولا حرج ، ولکن لا تختموا ذِکْر رحمهٍ بعذاب ، ولا ذِکر عذابٍ برحمه ) .
۹ – وأخرج عن عبید بن اسباط ، بإسناده عن أبی سلمه عن أبی هریره . قال :
 
(۱) صحیح مسلم ج ۲ ص ۲۰۳ .
(۲) ورواها الترمذی أیضاً بأدنى اختلاف ج ۱۱ ص ۶۲ .
الصفحه ۱۷۶
قال رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) : ( أُنزل القرآن على سبعه أحرف . علیم . حکیم . غفور . رحیم ) .
وأخرج عن أبی کریب ، بإسناده عن أبی سلمه عن أبی هریره مثله .
۱۰ – وأخرج عن سعید بن یحیى ، بإسناده عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال :
( تمارَینا فی سوره مِن القرآن ، فقلنا : خمس وثلاثون ، أو ستّ وثلاثون آیه . قال : فانطلقنا إلى رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) فوجدنا علیّاً یُناجیه . قال : فقلنا إنّما اختلفنا فی القراءه . قال : فاحمرّ وجه رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) ، وقال : إنّما هلک مَن کان قبلکم باختلافهم بینهم . قال : ثمّ أسَرّ إلى علیٍّ شیئاً ، فقال لنا علیّ : إنّ رسول الله یأمرکم أنْ تقرأوا کما عُلِّمتُم ) (۱) .
۱۱ – وأخرج القرطبی عن أبی داود عن أُبَیّ ، قال : قال رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) :
( یا أُبیّ إنّی قرأت القرآن . فقیل لی : على حرفٍ أو حرفَین ، فقال المَلَک الذی معی : قلْ على حرفَین . فقیل لی : على حرفَین أو ثلاثه ، فقال الملَک الذی معی : قلْ على ثلاثه ، حتّى بلَغ سبعه أحرف ، ثمّ قال : لیس منها إلاّ شافٍ کافٍ ، إنْ قلت سمیعاً ، علیماً ، عزیزاً ، حکیماً ، ما لم تخلط آیه عذابٍ برحمه ، أو آیه رحمهٍ بعذاب ) (۲) .
 
(۱) هذه الروایات کلّها مذکوره فی تفسیر الطبری ج ۱ ص ۹ – ۱۵ .
(۲) تفسیر القرطبی ج ۱ ص ۴۳ .
الصفحه ۱۷۷
هذه أهمّ الروایات التی رُویت فی هذا المعنى ، وکلّها مِن طُرُق أهل السُنّه ، وهی مخالفه لصحیحه زراره عن أبی جعفر ( علیه السلام ) قال :
( إنّ القرآن واحد نزل مِن عند واحد ، ولکنّ الاختلاف یجئ مِن قِبَل الرواه ) (۱) .
وقد سأل الفُضیل بن یسار أبا عبد الله ( علیه السلام ) ، فقال : إنّ الناس یقولون : إنّ القرآن نزل على سبعه أحرف ، فقال أبو عبد الله ( علیه السلام ) : ( کذَبوا – أعداء الله – ولکنّه نزل على حرفٍ واحد مِن عند الواحد ) (۲) .
وقد تقدّم إجمالاً أنّ المراجع بعد النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) فی أمور الدین ، إنّما هو کتاب الله ، وأهل البیت الذین أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهیراً ( وسیأتی توضیحه مفصّلاً بعد ذلک إنْ شاء الله تعالى ) .
ولا قیمه للروایات إذا کانت مخالفه لِما یصحّ عنهم ؛ ولذلک لا یهمّنا أنْ نتکلّم عن أسانید هذه الروایات . وهذا أوّل شیء تسقط به الروایه عن الاعتبار والحجّیه ، ویُضاف إلى ذلک ما بین هذه الروایات مِن التخالف والتناقض ، وما فی بعضها مِن عدم التناسب بین السؤال والجواب .
تهافت الروایات :
فمِن التناقض : أنّ بعض الروایات دلّ على أنّ جبرئیل أَقرأ النبیَّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) على حرف ، فاستزاده النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، فزاده ، حتّى انتهى إلى سبعه أحرف ، وهذا یدلّ
 
(۱) أصول الکافی کتاب فضل القرآن – باب النوادر ، الروایه : ۱۲ .
(۲) أصول الکافی کتاب فضل القرآن – باب النوادر ، الروایه : ۱۳ .
(البیان – ۱۲)
الصفحه ۱۷۸
على أنّ الزیاده کانت على التدریج ، وفی بعضها أنّ الزیاده کانت مرّه واحده فی المرّه الثالثه ، وفی بعضها أنّ الله أمَره فی المرّه الثالثه أنْ یقرأ القرآن على ثلاثه أحرف ، وکان الأمر بقراءه سبع فی المرّه الرابعه .
ومِن التناقض أنّ بعض الروایات یدلّ على أنّ الزیاده کلّها کانت فی مجلس واحد ، وأنّ طلب النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) الزیاده کان بإرشاد میکائیل ، فزاده جبرئیل حتّى بلَغ سبعاً ، وبعضها یدلّ على أنّ جبرئیل کان ینطلق ویعود مرّهً بعد مرّه .
ومِن التناقض أنّ بعض الروایات یقول : إنّ أُبیّ دخل المسجد ، فرأى رجلاً یقرأ على خلاف قراءته . وفی بعضها أنّه کان فی المسجد ، فدخل رجلان وقرءا على خلاف قراءته ، وقد وقع فیها الاختلاف أیضاً فیما قاله النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) لأُبیّ . . إلى غیر ذلک مِن الاختلاف .
ومِن عدم التناسب بین السؤال والجواب ، ما فی روایه ابن مسعود مِن قَول علیّ ( علیه السلام ) : إنّ رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) یأمرُکم أنْ تقرأوا کما عُلِّمتُم ، فإنّ هذا الجواب لا یرتبط بما وقع فیه النزاع مِن الاختلاف فی عدد الآیات . أضِف إلى جمیع ذلک : أنّه لا یرجع نزول القرآن على سبعه أحرف إلى معنىً معقول ، ولا یتحصّل للناظر فیها معنىً صحیح .

وجوه الأحرف السبعه :
وقد ذکروا فی توجیه نزول القرآن على سبعه أحرف وجوهاً کثیرهً ، نتعرّض للمهمّ منها مع مناقشتها وبیان فسادها :
۱- المعانی المتقاربه :
إنّ المراد سبعه أَوجه مِن المعانی المتقاربه بألفاظ مختلفه نحو ( عجِّل ، وأسرِعْ ، واسْعَ ) ، وکانت هذه الأحرف باقیه إلى زمان عثمان ، فحصرها عثمان
الصفحه ۱۷۹
بحرفٍ واحد ، وأمَر بإحراق بقیّه المصاحف التی کانت على غیره مِن الحروف الستّه . واختار هذا الوجه الطبری (۱) وجماعه .
وذکر القرطبیّ : أنّه مختار أکثر أهل العِلم (۲) . وکذلک قال أبو عمرو بن عبد البرّ (۳) .
واستدلّوا على ذلک بروایه ابن أبی بکره ، وأبی داود ، وغیرهما ممّا تقدّم . وبروایه یونس بإسناده عن ابن شهاب . قال :
( أخبرنی سعید بن المسیّب أنّ الذی ذَکر الله تعالى ذِکرُه :
( إِنَّمَا یُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) ۱۶ : ۱۰۳ .
إنّما افتتن أنّه کان یکتب الوحی ، فکان یُملی علیه رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) سمیع علیم ، أو عزیز حکیم ، وغیر ذلک مِن خواتم الآی ، ثمّ یشتغل عنه رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) وهو على الوحی ، فیستفهم رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) ، فیقول : ( أعزیزٌ حکیم ، أو سمیعٌ علیم ، أو عزیزٌ علیم ) ؟ فیقول له رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) : أیّ ذلک کتبتَ فهو کذلک ، ففتنه ذلک ، فقال : إنّ محمّداً أَوکَلَ ذلک إلیّ ، فأکتُب ما شئت ) .
واستدلّوا أیضاً بقراءه أنَس ( إنّ ناشئه اللیل هی أشدّ وطأً وأصوَب قیلاً ) ، فقال له بعض القوم : یا أبا حمزه إنّما هی ( وأقوَم ) ، فقال : ( أقوَم ، وأصوَب ، وأهدى واحد ) . وبقراءه ابن مسعود ( إنْ کانت إلاّ زقیه واحده ) (۴) .
 
(۱) تفسیر الطبری ج ۱ ص ۱۵ .
(۲) تفسیر القرطبی ج ۱ ص ۴۲ .
(۳) التبیان ص ۳۹ .
(۴) تفسیر الطبری ج ۱ ص ۱۸ .
الصفحه ۱۸۰
وبما رواه الطبری عن محمّد بن بشّار ، وأبی السائب بإسنادهما عن همام : أنّ أبا الدرداء کان یُقرئ رجلاً :
( إِنَّ شَجَرَهَ الزَّقُّومِ ۴۴ : ۴۳ . طَعَامُ الأَثِیمِ ۴۴ : ۴۴ ) .
قال : فجعل الرجل یقول : ( إنّ شجره الزقوم طعام الیتیم ) ، قال : فلمّا أکثَرَ علیه أبو الدرداء ، فرآه لا یفهم . قال : ( إنّ شجره الزقوم طعام الفاجر ) (۱) .
واستدلّوا أیضاً على ذلک ، بما تقدّم مِن الروایات الدالّه على التوسعه : ( ما لم تُختم آیهُ رحمهٍ بعذاب ، أو آیه عذابٍ برحمه ) .
فإنّ هذا التحدید لا معنى له ، إلاّ أنْ یُراد بالسبعه أحرف جواز تبدیل بعض الکلمات ببعض ، فاستُثنیَ مِن ذلک ختْمُ آیه عذابٍ برحمه ، أو آیه رحمهٍ بعذاب .
وبمقتضى هذه الروایات لا بدّ مِن حَمْل روایات السبعه أحرف على ذلک بعد ردِّ مُجْملِها إلى مُبیِّنِها .
إنّ جمیع ما ذُکر لها مِن المعانی أجنبیّ عن مورد الروایات – وستعرف ذلک – وعلى هذا ، فلا بدّ مِن طَرْح الروایات ؛ لأنّ الالتزام بمفادها غیر ممکن .
والدلیل على ذلک :
أوّلاً : إنّ هذا إنّما یتمّ فی بعض معانی القرآن ، التی یمکن أنْ یُعبّر عنها بألفاظ سبعه متقاربه . ومِن الضروریّ أنّ أکثر القرآن لا یتمّ فیه ذلک ، فکیف تُتصوّر هذه الحروف السبعه التی نزل بها القرآن ؟ .
ثانیاً : إنْ کان المراد مِن هذا الوجه ، أنّ النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) قد جوّز تبدیل
 
(۱) تفسیر الطبری ج ۲۵ ص ۷۸ عند تفسیر الآیه المبارکه .
الصفحه ۱۸۱
کلمات القرآن الموجوده بکلماتٍ أخرى ، تقاربها فی المعنى – ویشهد لهذا بعض الروایات المتقدّمه – فهذا الاحتمال یوجِب هدم أساس القرآن ، المعجزه الأبدیّه ، والحُجّه على جمیع البشَر ، ولا یشکّ عاقل فی أنّ ذلک یقتضی هَجْر القرآن المُنزَل ، وعدم الاعتناء بشأنه .
وهل یتوهّم عاقل ترخیص النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) أنْ یقرأ القارئ ( یس ، والذِکر العظیم ، إنّک لمِن الأنبیاء ، على طریق سویّ ، إنزال الحمید الکریم ، لتخوّف قوماً ما خوّف أسلافهم ، فهُم ساهون ) ، فلتُقرّ عیون المجوِّزین لذلک . سبحانک اللهمّ إنْ هذا إلاّ بهتانٌ عظیم ، وقد قال الله تعالى :
( قُلْ مَا یَکُونُ لِی أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِی إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا یُوحَى إِلَیَّ ) ۱۰ : ۱۵ .
وإذا لم یکن للنبیِّ أنْ یُبدّل القرآن مِن تِلقاء نفسه ، فکیف یجوز ذلک لغیره ؟ .
وإنّ رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) علّم براء بن عازب دعاءً کان فیه : ( ونبیّک الذی أرسلت ) ، فقرأ براء ( ورسولک الذی أرسلت ) ، فأمره ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) أنْ لا یضع الرسول موضع النبیّ (۱) . فإذا کان هذا فی الدعاء ، فماذا یکون الشأن فی القرآن ؟ .
وإنْ کان المراد مِن الوجه المتقدّم : أنّ النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) قرأ على الحروف السبعه – ویشهد لهذا کثیر مِن الروایات المتقدّمه – فلا بدّ للقائل بهذا ، أنْ یُدِلّ على هذه الحروف السبعه ، التی قرأ بها النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ؛ لأنّ الله سبحانه قد وعَدَ بحِفْظ ما أنزله :
( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ۱۵ : ۹ .
ثالثاً : أنّه صرّحت الروایات المتقدّمه بأنّ الحکمه فی نزول القرآن على سبعه
 
(۱) التبیان ۵۸ .
الصفحه ۱۸۲
أحرف هی التوسعه على الأمّه ؛ لأنّهم لا یستطیعون القراءه على حرفٍ واحد ، وأنّ هذا هو الذی دعا النبیّ الاستزاده إلى سبعه أحرف ، وقد رأینا أنّ اختلاف القراءات أَوجبَ أنْ یُکفِّر بعض المسلمین بعضاً ، حتّى حَصَر عثمان القراءه بحرفٍ واحد ، وأمَر بإحراق بقیّه المصاحف .
ویستنتج مِن ذلک أمور :
۱ – إنّ الاختلاف فی القراءه کان نقمه على الأمّه ، وقد ظهر ذلک فی عَصْر عثمان ، فکیف یصحّ أنْ یطلب النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) مِن الله ما فیه فساد الأمّه ، وکیف یصحّ على الله أنْ یُجیبه إلى ذلک ؟ وقد ورَدَ فی کثیر مِن الروایات النهی عن الاختلاف ، وأنّ فیه هلاک الأمّه ، وفی بعضها أنّ النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) تغیّر وجهه واحمرّ حین ذُکر له الاختلاف فی القراءه ، وقد تقدّم جمله منها ، وسیجیء بعد هذا جمله أخرى .
۲ – قد تضمنت ّالروایات المتقدّمه أنّ النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) قال : إنّ أمّتی لا تستطیع ذلک ( القراءه على حرفٍ واحد ) وهذا کذبٌ صریح ، لا یُعقَل نسبته إلى النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ؛ لأنّا نجد الأمّه بعد عثمان على اختلاف عناصرها ولُغاتها ، قد استطاعت أنْ تقرأ القرآن على حرفٍ واحد ، فکیف یکون مِن العُسر علیها أنْ تجتمع على حرفٍ واحد فی زمان النبیِّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ؟ وقد کانت الأمّه مِن العرب الفُصحى .
۳ – إنّ الاختلاف الذی أَوجَب لعثمان أنْ یحصر القراءه فی حرفٍ واحد ، قد اتّفق فی عصر النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، وقد أقرّ النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) کلّ قارئ على قراءته ، وأمَر المسلمین بالتسلیم لجمیعها ، وأعْلمَهم بأنّ ذلک رحمه مِن الله لهم ، فکیف صحّ لعثمان ، ولتابعِیه سدّ باب الرحمه ، مع نهْیِ النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) عن المنْعِ عن قراءه القرآن ؟ .
وکیف جاز للمسلمین رفْض قول النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) ، وأخْذ قول عثمان وإمضاء عملِه ؟ أفَهَل وجَدوه أرأف بالأمّه مِن نبیِّها ؟ أو أنّه تنبّه لشیءٍ ، قد جهِلَه النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) مِن قَبل وحاشاه ؟ أو أنّ الوحی قد نزل على عثمان بنُسَخِ تلک الحروف ؟ ! .
الصفحه ۱۸۳
وخلاصه الکلام : أنّ بشاعه هذا القول تُغنی عن التکلّف عن ردِّه ، وهذه هی العُمده فی رفْض المتأخّرین مِن علماء أهل السُنّه لهذا القول . ولأجل ذلک قد التجأ بعضُهم کأبی جعفر محمّد بن سعدان النحویّ ، والحافظ جلال الدین السیوطی إلى القول بأنّ هذه الروایات مِن المُشکل والمتشابه ، ولیس یدری ما هو مفادها (۱) ، مع أنّک قد عرفت أنّ مفادها أمْرٌ ظاهر ، ولا یشکّ فیه الناظر إلیها ، کما ذهب إلیه واختاره أکثر العلماء .
۲ – الأبواب السبعه :
إنّ المراد بالأحرف السبعه هی الأبواب السبعه ، التی نزل منها القرآن وهی : زجْرٌ ، وأمْرٌ ، وحلال ، وحرام ، ومُحْکَم ، ومتشابه ، وأمثال .
واستدلّ علیه بما رواه یونس ، بإسناده عن ابن مسعود عن النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) أنّه قال :
( کان الکتاب الأوّل نزل مِن بابٍ واحد على حرفٍ واحد ، ونزل القرآن مِن سبعه أبواب ، وعلى سبعه أحرف : زجْر ، وأمْر ، وحلال ، وحرام ، ومُحْکم ، ومتشابه ، وأمثال . فأحِلّوا حلاله ، وحرِّموا حرامه ، وافعلوا ما أُمرتُم به ، وانتهوا عمّا نُهیتُم عنه ، واعتبِروا بأمثاله ، واعملوا بمُحکَمِه ، وآمِنوا بمتشابِهه ، وقولوا آمنّا به کلٌّ مِن عند ربِّنا ) (۲) .
ویَرِد على هذا الوجه :
۱ – إنّ ظاّهر الروایه کَون الأحرف السبعه التی نزل بها القرآن غیر
 
(۱) التبیان ص ۶۱ .
(۲) تفسیر الطبری ج ۱ ص ۲۳ .
الصفحه ۱۸۴
الأبواب السبعه التى نزل منها ، فلا یصحّ أنْ یُجعل تفسیراً لها ، کما یریده أصحاب هذا القول .
۲ – إنّ هذه الروایه معارضه بروایه أبی کریب ، بإسناده عن ابن مسعود . قال : إنّ الله أنزل القرآن على خمسه أحرف : حلال ، وحرام ، ومُحکم ، ومتشابه ، وأمثال (۱) .
۳ – إنّ الروایه مضطربه فی مفادها ، فإنّ الزجْر والحرام بمعنىً واحد ، فلا تکون الأبواب سبعه ، على أنّ فی القرآن أشیاء أخرى لا تدخل فی هذه الأبواب السبعه ، کذِکر المبدأ والمعاد ، والقصص ، والاحتجاجات والمعارف ، وغیر ذلک . وإذا أراد هذا القائل أنْ یُدرج جمیع هذه الأشیاء فی المُحکَم والمتشابه ، کان علیه أنْ یُدرج الأبواب المذکوره فی الروایه فیهما أیضاً ، ویحصر القرآن فی حرفَین ( المُحکم والمتشابه ) ، فإنّ جمیع ما فی القرآن لا یخلو مِن أحدهما .
۴ – إنّ اختلاف معانی القرآن على سبعه أحرف ، لا یُناسب ما دلّت علیه الأحادیث المتقدّمه مِن التوسعه على الأمّه ؛ لأنّها لا تتمکّن مِن القراءه على حرفٍ واحد .
۵ – إنّ فی الروایات المتقدّمه ما هو صریح ، فی أنّ الحروف السبعه هی الحروف التی کانت تختلف فیها القرّاء ، وهذه الروایه إذا تمّت دلالتها لا تصلح قرینه على خلافها .
۳ – الأبواب السبعه بمعنى آخر :
إنّ الحروف السبعه هی : الأمر ، والزجْر ، والترغیب ، والترهیب ، والجَدَل ،
(۱) تفسیر الطبری ج۱ ص ۲۴ .
الصفحه ۱۸۵
والقصص ، والمَثَل . واستدلّ على ذلک بروایه محمّد بن بشّار ، بإسناده عن أبی قلامه . قال :
( بلَغَنی أنّ النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) قال : أُنزل القرآن على سبعه أحرف : أمْرٌ ، وزجْرٌ ، وترغیب ، وترهیب، وجدَل ، وقصص ، ومثَل ) (۱) .
وجوابه یظهر ممّا قدّمناه فی الوجه الثانی .
۴ – اللُغات الفصیحه :
إنّ الأحرف السبعه هی اللُغات الفصیحه مِن لُغات العرب ، وإنّها متفرّقه فی القرآن فبعضه بلُغَه قریش ، وبعضه بلُغَه هُذَیل، وبعضه بلُغَه هوازن ، وبعضه بلُغه الیمَن ، وبعضه بلُغه کنانه ، وبعضه بلُغه تمیم ، وبعضه بلُغه ثقیف . ونُسب هذا القول إلى جماعه ، منهم : البیهقی ، والأبهری ، وصاحب القاموس .
ویردّه :
۱ – إنّ الروایات المتقدّمه قد عَیَّنت المراد مِن الأحرف السبعه ، فلا یُمکن حمْلَها على أمثال هذه المعانی التی لا تنطبق على موردها .
۲ – إنّ حَمْل الأحرف على اللُغات ینافی ما رُویَ عن عمر مِن قوله : نزل القرآن بلُغَه مُضَر (۲) ، وإنّه أنکَر على ابن مسعود قراءته ( عتّى حین ) أی حتّى حین ، وکتَب إلیه : أنّ القرآن لم ینزل بلُغَه هُذَیل ، فأقْرِئ الناس بلُغَه قریش ، ولا تُقرئهم بلُغه هُذَیل (۳) .
 
(۱) تفسیر الطبری ج ۱ ص ۲۴ .
(۲) التبیان ص ۶۴ .
(۳) نفس المصدر ص ۶۵ .
الصفحه ۱۸۶
وما رُوی عن عثمان أنّه قال : ( للرهْط القُرَشیّین الثلاثه ، إذا اختلفتم أنتم وزید بن ثابت فی شیء مِن القرآن ، فاکتبوه بلسانِ قریش ، فإنّما نزل بلسانهم ) (۱) .
وما رُویَ مِن : ( أنّ عُمَر وهشام بن حکیم اختلفا فی قراءه سوره الفرقان ، فقرأ هشام قراءهً ، فقال رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) هکذا أُنزلت ، وقرأ عُمَر قراءه غیر تلک القراءه ، فقال رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) هکذا أُنزلت ، ثمّ قال رسول الله ( صلّى الله علیه [وآله] وسلّم ) : إنّ هذا القرآن أُنزل على سبعه أحرف ) (۲) .
فإنّ عمر وهشام کان کِلاهما مِن قریش ، فلم یکن حینئذٍ ما یوجِب اختلافهم فی القراءه ، ویُضاف إلى جمیع ذلک أنّ حَمْل الأحرف على اللُغات قولٌ بغیر عِلم ، وتحَکُّم مِن غیر دلیل .
۳ – إنّ القائلین بهذا القول إنْ أرادوا أنّ القرآن اشتمل على لُغات أخرى ، کانت لُغه قریش خالیه منها ، فهذا المعنى خلاف التسهیل على الأمّه ، الذی هو الحکمه فی نزول القرآن على سبعه أحرف ، على ما نطقت الروایات بذلک ، بل هو خلاف الواقع، فإنّ لُغه قریش هی المهیمنه على سائر لُغات العرب ، وقد جمَعت مِن هذه اللغات ما هو أفصحها ؛ ولذلک استحقّت أنْ توزَن بها العربیه ، وأنْ یُرجع إلیها فی قواعدها .
وإنْ أرادوا أنّ القرآن مشتمل على لُغات أخرى ، ولکنّها تتّحد مع لُغه قریش ، فلا وجه للحصر بلُغات سبع ، فإنّ فی القرآن ما یقرب مِن خمسین لًُغه . فعن أبی بکر الواسطی : فی القرآن مِن اللُغات خمسون لُغه ، وهی لُغات قریش ، وهُذَیل ، وکنانه ، وخثعم ، والخزرج ، وأشعر ، ونمیر . . . (۳)
 
(۱) صحیح البخاری باب نزل القرآن بلسان قریش ص ۱۵۶ .
(۲) أشرنا إلى هذه الروایه فی ما تقدّم مِن هذا الکتاب .
(۳) راجع الإتقان ج ۱ النوع ۳۷ ص ۲۳۰ ، ۲۰۴ .
الصفحه ۱۸۷
۵ – لغات مُضَر :
إنّ الأحرف السبعه هی سبع لُغات مِن لُغات مُضَر خاصّه ، وإنّها متفرّقه فی القرآن ، وهی لُغات قریش ، وأسد ، وکنانه ، وهُذَیل ، وتمیم ، وضبّه ، وقیس . ویرِد علیه جمیع ما أوردناه على الوجه الرابع .
۶ – الاختلاف فی القراءات :
إنّ الأحرف السبعه هی وجوه الاختلاف فی القراءات . قال بعضهم : إنّی تدبّرت وجوه الاختلاف فی القراءه فوجدتُها سبعاً، فمنها : ما تتغیّر حرکته ، ولا یزول معناه ولا صورته مثل : ( هنّ أطهَرُ لکُم ) بضمّ أطهر وفتحه .
ومنها : ما تتغیّر صورته ، ویتغیّر معناه بالإعراب مثل : ( ربَّنا باعِد بین أسفارِنا ) بصیغه الأمر والماضی .
ومنها : ما تبقى صورته ، ویتغیّر معناه باختلاف الحروف مثل : ( کالعِهن المنفوش وکالصوف المنفوش ) .
ومنها : ما تتغیّر صورته ومعناه مثل : ( وطَلحٍ منضود وطلعٍ منضود ) .
ومنها : بالتقدیم والتأخیر مثل : ( وجاءت سکرهُ الموت بالحقّ ، وجاءت سکرهُ الحقّ بالموت ) .
ومنها بالزیاده والنقصان : ( تِسعٌ وتسعون نعجه أُنثى . وأمّا الغلام فکان کافراً ، وکان أبَواه مؤمنَین . فإنّ الله مِن بعد إکراههنّ لهن غفور رحیم ) .
ویردّه :
۱ – إنّ ذلک قولٌ لا دلیل علیه ، ولا سیّما أنّ المخاطَبین فی تلک الروایات ، لم یکونوا یعرفون مِن ذلک شیئاً .
الصفحه ۱۸۸
۲ – إنّ مِن وجوه الاختلاف المذکوره ما یتغیّر فیه المعنى وما لا یتغیّر ، ومِن الواضح أنّ تغیّر المعنى وعدمه لا یوجب الانقسام إلى وجهَین ؛ لأنّ حال اللفظ والقراءه لا تختلف بذلک ، ونسبه الاختلاف إلى اللفظ فی ذلک مِن قبیل وصف الشیء بحال متعلّقِهِ ؛ ولذلک یکون الاختلاف فی ( طلحٍ منضود . وکالعِهن المنفوش ) قسماً واحداً .
۳ – إنّ مِن وجوه الاختلاف المذکور ، بقاء الصوره للّفظ ، وعدم بقائها ، ومِن الواضح أیضاً ، أنّ ذلک لا یکون سبباً للانقسام ؛ لأنّ بقاء الصوره إنّما هو فی المکتوب لا فی المقروء ، والقرآن اسمٌ للمقروء لا للمکتوب ، والمُنزَل مِن السماء إنّما کان لفظاً لا کتابهً . وعلى هذا یکون الاختلاف فی ( وطلحٍ . ونُنشِزُها ) وجهاً واحداً لا وجهَین .
۴ – إنّ صریح الروایات المتقدّمه ، أنّ القرآن نزل فی ابتداء الأمر على حرفٍ واحد . ومِن البیِّن أنّ المراد بهذا الحرف الواحد لیس هو أحد الاختلافات المذکوره ، فکیف یمکن أنْ یُراد بالسبعه مجموعها ؟! .
۵ – إنّ کثیراً مِن القرآن موضع اتّفاق بین القرّاء ، ولیس مورداً للاختلاف ، فإذا أضفنا موضع الاتّفاق إلى موارد الاختلاف بلَغ ثمانیه . ومعنى هذا أنّ القرآن نزل على ثمانیه أحرف .
۶ – إنّ مَورد الروایات المتقدّمه هو اختلاف القرّاء فی الکلمات ، وقد ذُکر ذلک فی قصّه عُمَر وغیرها . وعلى ما تقدّم ، فهذا الاختلاف حرفٌ واحد مِن السبعه ، ولا یحتاج رسول الله ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) فی رفْع خصومتهم إلى الاعتذار ، بأنّ القرآن نزل على الأحرف السبعه ، وهل یمکن أنْ یُحمَل نزول جبریل بحرف ، ثمّ بحرفَین ، ثمّ بثلاثه ، ثمّ بسبعه ، على هذه الاختلافات ؟ ! وقد أنصف الجزائرى فی قوله : ( والأقوال فی هذه المسأله کثیره ، وغالبُها بعیدٌ عن الصواب ) . وکأنّ القائلین
الصفحه ۱۸۹
بذلک ذهلوا عن مَورد حدیث : أُنزل القرآن على سبعه أحرف ، فقالوا ما قالوا (۱) .
۷ – اختلاف القراءات بمعنىً آخر :
إنّ الأحرف السبعه هی وجوه الاختلاف فی القراءه ، ولکن بنحوٍ آخر غیر ما تقدّم ، وهذا القول اختاره الزرقانی ، وحکاه عن أبی الفضل الرازی فی اللوائح ، فقال : الکلام لا یخرج عن سبعه أحرف فی الاختلاف :
الأوّل : اختلاف الأسماء مِن إفرادٍ ، وتثنیهٍ ، وجمعِ ، وتذکیر ، وتأنیث .
الثانی : اختلاف تصریف الأفعال مِن ماضٍ ، ومضارع ، وأمْر .
الثالث : اختلاف الوجوه فی الإعراب .
الرابع : الاختلاف بالنقص والزیاده .
الخامس : الاختلاف بالتقدیم والتأخیر .
السادس : الاختلاف بالإبدال .
السابع : اختلاف اللُغات ( اللهْجات ) کالفتح ، والإماله ، والترقیق ، والتفخیم ، والإظهار ، والإدغام ، ونحو ذلک .
ویرِد علیه :
ما أَوردْناه على الوجه السادس فی الإشکال الأوّل والرابع والخامس منه ، ویردّه أیضاً : أنّ الاختلاف فی الأسماء یشترک مع الاختلاف فی الأفعال فی کَونِها اختلافاً فی الهیئه ، فلا معنى لجعلِه قِسماً آخر مقابلاً له . ولو راعَینا الخصوصیّات فی هذا التقسیم ، لوَجَب علینا أنْ نَعدّ کلَّ واحدٍ مِن الاختلاف فی التثنیه ، والجمع ، والتذکیر ، والتأنیث ، والماضی ، والمضارع ، والأمر ، قسماً مستقلاًّ . ویُضاف إلى ذلک أنّ الاختلاف فی الإدغام ، والإظهار ، والرَوم ، والإشمام ، والتخفیف
 
(۱) التبیان ص ۵۹ .
الصفحه ۱۹۰
والتسهیل فی اللفظ الواحد لا یُخرجه عن کونه لفظاً واحداً . وقد صرّح بذلک ابن قتیبه على ما حکاه الزرقانی عنه (۱) .
والصحیح أنّ وجوه الاختلاف فی القراءه ترجع إلى ستّه أقسام :
الأوّل : الاختلاف فی هیئه الکلمه دون مادّتها ، کالاختلاف فی لفظه ( باعِد ) بین صیغه الماضی والأمر ، وفی کلمه ( أمانتهم ) بین الجمْع والإفراد .
الثانی : الاختلاف فی مادّه الکلمه دون هیئتها ، کالاختلاف فی لفظه ( ننشرها ) بین الراء والزای .
الثالث : الاختلاف فی المادّه والهیئه ، کالاختلاف فی ( العِهن والصوف ) .
الرابع : الاختلاف فی هیئه الجمله بالإعراب ، کالاختلاف ( وأرجلکم ) بین النصْبِ والجرّ .
الخامس : الاختلاف بالتقدیم والتأخیر ، وقد تقدّم مثال ذلک .
السادس : الاختلاف بالزیاده والنقیصه ، وقد تقدّم مثاله أیضاً .
۸ – الکثره فی الآحاد :
إنّ لفظ السبعه یُراد منه الکثره فی الآحاد ، کما یُراد مِن لفْظ السبعین والسبعمئه ، الکثره فی العَشَرات أو المئات ، ونُسب هذا القول إلى القاضی عیاض ومَن تبِعَه .
ویردّه :
إنّ هذا خلاف ظاهر الروایات ، بل خلاف صریح بعضها . على أنّ هذا لا
 
(۱) مناهل العرفان ۱۵۴ .
الصفحه ۱۹۱
یُعدّ قولاً مستقلاًّ عن الوجوه الأخرى ؛ لأنّه لم یُعیّن معنى الحروف فیه ، فلا بدّ وأنْ یُراد مِن الحروف أحد المعانی المذکوره فی الوجوه المتقدّمه ، ویرِد علیه ما یرِد مِن الإشکال على تلک الوجوه .
۹ – سبع قراءات :
ومِن تلک الوجوه أنّ الأحرف السبعه ( موضوعه البحث ) هی سبع قراءات .
ویردّه :
أنّ هذه القراءات السبع إنْ أُرید بها السبع المشهوره ، فقد أوضحنا للقارئ بطلان هذا الاحتمال ، فی البحث عن تواتر القراءات – وقد تقدّم ذلک – فی باب ( نظره فی القراءات ) .
وإنْ أُرید بها قراءات سبعٍ على إطلاقها ، فمِن الواضح أنّ عدد القراءات أکثر مِن ذلک بکثیر ، ولا یمکن أنْ یوجّه ذلک : بأنّ غایه ما ینتهی إلیه اختلاف القراءات أکثر مِن ذلک بکثیر ، الواحده هی السبع ؛ لأنّه :
إنْ أُرید أنّ الغالب فی کلمات القرآن أنْ تقرأ على سبعه وجوه ، فهذا باطل ؛ لأنّ الکلمات التی تُقرأ على سبعه وجوه قلیله جدّاً .
وإنْ أُرید أنّ ذلک موجود فی بعض الکلمات ، وعلى سبیل الإیجاب الجزئی ، فمِن الواضح أنّ فی کلمات القرآن ما یُقرأ بأکثر مِن ذلک ، فقد قُرأت کلمه ( وعَبَدَ الطاغوت ) باثنین وعشرین وجهاً ، وفی کلمه ( أُفٍّ ) أکثر مِن ثلاثین وجهاً .
ویُضاف إلى ما تقدّم أنّ هذا القول لا ینطبق على مَورد الروایات ، ومثله أکثر الأقوال فی المسأله .
۱۰ – اللهجات المختلفه :
إنّ الأحرف السبع یُراد بها اللهجات المختلفه فی لفظٍ واحد ، اختاره الرافعی فی کتابه (۱) .
 
(۱) إعجاز القرآن ۷۰ .
الصفحه ۱۹۲
وتوضیح القول : أنّ لکلّ قَوم مِن العرب لهجه خاصّه فی تأدِیَه بعض الکلمات ؛ ولذلک نرى العرب یختلفون فی تأدِیَه الکلمه الواحده حسب اختلاف لهجاتهم ، فالقاف فی کلمه ( یقول ) مثلاً یُبدلها العراقیّ بالکاف الفارسیه ، ویُبدلها الشامیّ بالهمزه ، وقد أُنزل القرآن على جمیع هذه اللهجات للتوسِعه على الأمّه ؛ لأنّ الالتزام بلهجه خاصّه مِن هذه اللهجات فیه تضییق على القبائل الأخرى ، التی لم تأْلَف هذه اللهجه ، والتعبیر بالسَبْع إنّما هو رمزٌ إلى ما أَلِفوه مِن معنى الکمال فی هذه اللفظه ، فلا ینافی ذلک کثره اللهجات العربیه ، وزیادتها على السبع .
الردّ :
وهذا الوجه – على أنّه أحسن الوجوه التی قیلت فی هذا المقام – غیر تامّ أیضاً :
۱ – لأنّه ینافی ما ورَد عن عُمَر وعثمان ، مِن أنّ القرآن نزل بلُغه قریش ، وأنّ عمر منع ابن مسعود مِن قراءه ( عتّى حین ) .
۲ – ولأنّه ینافی مخاصمه عُمَر مع هشام بن حکیم فی القراءه ، مع أنّ کِلَیهما مِن قریش .
۳ – ولأنّه ینافی مَورد الروایات ، بل وصراحه بعضها ، فی أنّ الاختلاف کان فی جوهر اللفظ ، لا فی کیفیه أدائه ، وأنّ هذا مِن الأحرف التی نزل بها القرآن .
۴ – ولأنّ حَمْل لفظ السبع – على ما ذکره خلاف – ظاهر الروایات ، بل وخلاف صریح بعضها .
۵ – ولأنّ لازم هذا القول جواز القراءه فِعلاً باللهجات المتعدّده ، وهو خلاف السیره القطعیه مِن جمیع المسلمین ، ولا یمکن أنْ یدَّعی نَسْخ جواز القراءه بغیر اللهجه الواحده المتعارفه ؛ لأنّه قول بغیر دلیل .
ولا یمکن لقائله أنْ یستدلّ على النَسْخ بالإجماع القطعیّ على ذلک ؛ لأنّ مدرک الإجماع إنّما هو عدم ثبوت نزول القرآن على اللهجات المختلفه ، فإذا فرضنا ثبوت ذلک، کما یقوله أصحاب هذا القول ، فکیف یمکن تحصیل الإجماع على ذلک ؟ مع أنّ إصرار
الصفحه ۱۹۳
النبیّ ( صلّى الله علیه وآله وسلّم ) على نزول القرآن على سبعه أحرف ، إنّما کان للتوسعه على الأمّه ، فکیف یمکن أنْ یختصّ ذلک بزمان قلیل بعد نزول القرآن ، وکیف یصحّ أنْ یقوم على ذلک إجماع أو غیره مِن الأدلّه ؟ !
ومِن الواضح أنّ الأمّه – بعد ذلک – أکثر احتیاجاً إلى التوسعه ؛ لأنّ المعتنقین للإسلام فی ذلک الزمان قلیلون ، فیمکنهم أنْ یجتمعوا فی قراءه القرآن على لهجه واحده ، وهذا بخلاف المسلمین فی الأزمنه المتأخّره ، ولنقتصر على ما ذکرنا مِن الأقوال ، فإنّ فیه کفایه عن ذِکر البقیّه والتعرّض لجوابها وردّها .
وحاصل ما قدّمناه : أنّ نزول القرآن على سبعه أحرف ، لا یرجع إلى معنىً صحیح ، فلا بدّ مِن طرح الروایات الدالّه علیه ، ولا سیّما بعد أنْ دلّت أحادیث الصادقین – ع – على تکذیبها ، وأنّ القرآن إنّما نزل على حرفٍ واحد ، وأنّ الاختلاف قد جاء مِن قِبَل الرواه .

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.