صیانه القرآن من التحریف

0

القرآن هو المصدر الرئیسی والمنبع الأوّل للتشریع وعنه صدر المسلمون منذ نزوله إلى یومنا هذا ، وهو القول الفصل فی الخلاف والجدال ، إلاّ أنّ هنا نکتهً جدیره بالاهتمام ، و هی أنّ استنباط المعارف والأحکام من الذکر الحکیم فرع عدم طروء التحریف إلى آیاته بالزیاده والنقص ، وصیانته عنهما وإن کان أمراً مفروغاً منه عند جلّ طوائف المسلمین ، ولکن لأجل دحض بعض الشبه التی تُثار فی هذا الصدد ، نتناول موضوع صیانه القرآن بالبحث والدراسه على وجه الإیجاز ، فنقول :
التحریف لغهً واصطلاحاً
التحریف لغهً : تفسیر الکلام على غیر وجهه ، یقال : حرّف الشیء عن وجهه : حرّفه وأماله ، وبه یُفسّر قوله تعالى : ( یُحَرِّفُونَ الکَلِمَ عَنْ مَواضِعِه ) (۱) .
قال الطبرسی فی تفسیر الآیه : یفسّرونها على غیر ما أُنزلت ، والمراد من المواضع هی المعانی و المقاصد .
وأمّا اصطلاحاً ، فیُطلق ویُراد منه وجوه مختلفه :
۱ ـ تحریف مدلول الکلام ، أی تفسیره على وجه یوافق رأی المفسِّر ، سواء
۱ ـ النساء : ۴۶ .
الصفحه ۱۹۶
أوافق الواقع أم لا ، والتفسیر بهذا المعنى واقع فی القرآن الکریم ، ولا یمسُّ بکرامته أبداً ، فإنّ الفرق الإسلامیه ـ جمع اللّه شملهم ـ عامه یصدرون عن القرآن ویستندون إلیه ، فکلّ صاحب هوى ، یتظاهر بالأخذ بالقرآن لکن بتفسیر یدعمُ عقیدته ، فهو یأخذ بعنان الآیه ، ویمیل بها إلى جانب هواه ، ومن أوضح مصادیق هذا النوع من التفسیر ، تفاسیر الباطنیه حیث وضعوا من عند أنفسهم لکلّ ظاهر باطناً ، نِسبته إلى الثانی ، کنسبه القشر إلى اللبّ وأنّ باطنه یؤدّی إلى ترک العمل بظاهره ، فقد فسّروا الاحتلام بإفشاء سرّ من أسرارهم ، والغسلَ بتجدید العهد لمَن أفشاه من غیر قصد ، والزکاه بتزکیه النفس ، والصلاه بالرسول الناطق لقوله سبحانه : ( إِنَّ الصَّلاهَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْکَرِ ) (۱) (۲) .
۲ ـ النقص والزیاده فی الحرکه والحرف مع حفظ القرآن وصیانته ، مثاله قراءه ( یطهرن ) حیث قُرِئ بالتخفیف والتشدید ، فلو صحّ تواتر القراءات عن النبی ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) ـ و لن یصحَّ أبداً ـ وأنّ النبی هو الذی قرأ القـرآن بها ، فیکون الجمیع قرآناً بلا تحریف ، وإن قلنا : إنّه نزل بروایه واحده ، فهی القرآن وغیرها کلّها تحریف اخترعتها عقول القرّاء وزیّنوا قرآنهم بالحجج التی ذکروها بعد کلّ قراءه ، وعلى هذا ینحصر القرآن بواحده منها وغیرها لا صله لها بالقرآن .
والدلیل الواضح على أنّهما من اختراعات القرّاء إقامتهم الحجّه على قراءتهم ولو کان الجمیع من صمیم القرآن لمّا احتاجوا إلى إقامه الحجّه ، ویکفیهم ذکر سند القراءه إلى النبی .
ومع ذلک فالقرآن مصون عن هذا النوع من التحریف ؛ لأنّ القراءه المتواتره ، هی القراءه المتداوله فی کلّ عصر ، أعنی : قراءه عاصم بروایه حفص ، القراءه الموصوله إلى علی ( علیه السَّلام ) وغیرها اجتهادات مبتدعه ، لم یکن منها أثر فی عصر
۱ ـ العنکبوت : ۴۵ .
۲ ـ المواقف : ۸ / ۳۹۰ . وقد مرّ تفصیلاً ص : ۱۱۷ ـ ۱۲۴ .
الصفحه ۱۹۷
النبی ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) ؛ و لذاک صارت متروکهً لا وجود لها إلاّ فی بطون کتب القراءات ، وأحیاناً فی ألسن بعض القرّاء ؛ لغایه إظهار التبحّر فیها .
روى الکلینی عن أبی جعفر ( علیه السَّلام ) قال : ( إنّ القرآن واحد ، نزل من عند واحد ، ولکن الاختلاف یجیء من قبل الرواه ) (۱) ؛ ولذلک لا نجیز القراءه غیر المعروفه منها فی الصلاه .
۳ ـ تبدیل کلمه مکان کلمه مرادفه ، کوضع ( اسرعوا ) مکان ( امضوا ) فی قوله سبحانه : ( وَلا یَلْتَفِتْ مِنْکُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَیْثُ تُؤْمَرُونَ ) (۲) .
وقد نُسب ذلک إلى عبد اللّه بن مسعود وکان یقول : لیس الخطأ أن یقرأ مکان ( العلیم ) ، ( الحکیم ) .
لکن أُجلّ ذلک الصحابی الجلیل عن هذه التهمه ، وأی غایه عقلائیه یترتب على ذاک التبدیل ؟!
۴ ـ التحریف فی لهجه التعبیر ، إنّ لهجات القبائل کانت تختلف عند النطق بالحرف أو الکلمه من حیث الحرکات والأداء ، کما هو کذلک فی سائر اللغات ، فإنّ ( قاف ) العربیه ، یُتلفّظ بها فی إیران الإسلامیه العزیزه على أربعه أوجه ، فکیف المفردات من حیث الحرکات والحروف ؟! قال سبحانه : ( وَمَنْ أَرادَ الآخِرَهَ وَسَعَى لَها سَعْیَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِکَ کانَ سَعْیُهُمْ مَشْکُوراً ) (۳) .
فکان بعض القرّاء تبعاً لبعض اللهجات یقرأ ( وسعی ) بالیاء مکان الألف .
وهذا النوع من التحریف لم یتطرّق إلى القرآن ؛ لأنّ المسلمین فی عهد الخلیفه
۱ ـ الکافی : ۲ / ۶۳۰ ، الحدیث ۱۲ .
۲ ـ الحجر : ۶۵ .
۳ ـ الإسراء : ۱۹ .
الصفحه ۱۹۸
الثالث لمّا رأوا اختلاف المسلمین فی التلفّظ ببعض الکلمات ، مثل ما ذکرناه ( أو تغییر بعضه ببعض مع عدم التغیّر فی المعنى، مثل امضِ ، عجل ، أسرع على فرض الصحه ) قاموا بتوحید المصاحف وغسل غیر ما جمعوه ، فارتفع بذلک التحریف بالمعنى المذکور فاتفقوا على لهجه قریش .
۵ ـ التحریف بالزیاده لکنّه مجمع على خلافه ، نعم نُسب إلى ابن مسعود أنّه قال : إنّ المعوذتین لیستا من القرآن ، إنّهما تعویذان ، و إنّهما لیستا من القرآن (۱) کما نُسب إلى العجارده من الخوارج أنّهم أنکروا أن تکون سوره یوسف من القرآن ، وکانوا یرون أنّها قصه عشق لا یجوز أن یکون من الوحی (۲) ولکن النسبتین غیر ثابتتین ، ولو صحّ ما ذکره ابن مسعود لبطل تحدّی القرآن بالسوره ؛ حیث أتى الإنسان غیر الموحى إلیه بسورتین مثل سور القرآن القصار .
۶ ـ التحریف بالنقص والإسقاط عن عمد أو نسیان ، سواء کان الساقط حرفاً ، أو کلمهً ، أو جملهً ، أو آیهً ، أو سورهً ، وهذا هو الذی دعانا إلى استعراض ذلک البحث فنقول : إنّ ادّعاء النقص فی القرآن الکریم بالوجوه التی مرّ ذکرها أمر یکذّبه العقل والنقل ، وإلیک بیانهما :
۱ ـ امتناع تطرّق التحریف إلى القرآن
إنّ القرآن الکریم کان موضع عنایه المسلمین من أوّل یوم آمنوا به ، فقد کان المرجعَ الأوّل لهم ، فیهتمون به قراءهً وحفظاً ، کتابهً وضبطاً ، فتطرّق التحریف إلى مثل هذا الکتاب لا یمکن إلاّ بقدره قاهره حتى تتلاعب بالقرآن بالنقص ، ولم یکن
۱ ـ فتح الباری بشرح البخاری : ۸ / ۵۷۱ .
۲ ـ الملل والنحل للشهرستانی : ۱ / ۱۲۸ .
الصفحه ۱۹۹
للأُمویّین ولا للعباسیین تلک القدره القاهره ؛ لأنّ انتشار القرآن بین القرّاء والحفّاظ ، وانتشار نُسخه على صعید هائل قد جعل هذه الأُمنیه الخبیثه فی عداد المحال .
إنّ للسید الشریف المرتضى بیاناً فی المقام نأتی بنصِّه ، یقول : إنّ العلم بصحه نقل القرآن کالعلم بالبلدان والحوادث الکبار ، والوقائع العظام ، والکتب المشهوره ، وأشعار العرب المسطوره ، فإنّ العنایه اشتدت والدواعی توفّرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حدّ لم یبلغه ( غیره ) فیما ذکرناه ؛ لأنّ القرآن معجزه النبوّه ، ومأخذ العلوم الشرعیه ، والأحکام الدینیه ، وعلماء المسلمین قد بلغوا فی حفظه وحمایته الغایه ، حتى عرفُوا کلّ شیء اختلف فیه من إعرابه وقراءته وحروفه وآیاته ، فکیف یجوز أن یکون مغیّـراً ومنقوصاً مع العنایه الصادقه والضبط الشدید ؟! .
قال : والعلم بتفسیر القرآن وأبعاضه فی صحّه نقله کالعلم بجملته ، وجرى ذلک مجرى ما عُلم ضرورهً من الکتب المصنّفه ککتاب سیبویه والمُزَنی ، فإنّ أهل العنایه بهذا الشأن یعلمون من تفصیلهما ما یعلمونه من جملتهما ، ومعلوم أنّ العنایه بنقل القرآن وضبطه أصدق من العنایه بضبط کتاب سیبویه ودواوین الشعراء (۱) .
وهناک نکته أُخرى جدیره بالإشاره ، وهی إنّ تطرّق التحریف إلى المصحف الشریف یعدُّ من أفظع الجرائم التی لا یصحّ السکوت عنها ، فکیف سکت الإمام أمیر المؤمنین ( علیه السَّلام ) وخاصّته نظیر سلمان و المقداد وأبی ذر وغیرهم مع أنّا نرى أنّ الإمام وریحانه الرسول ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) قد اعترضا على غصب فدک مع أنّه لا یبلغ عُشْرَ ما للقرآن من العظمه والأهمیه ؟!
۱ ـ مجمع البیان : ۱ / ۱۵ ، قسم الفن الخامس ، طبعه صیدا .
الصفحه ۲۰۰
ویرشدک إلى صدق المقال أنّه قد اختلف أُبیّ بن کعب والخلیفه الثالث فی قراءه قوله سبحانه : ( والّذینَ یَکْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّهَ ) (۱) فأصرّ أُبیّ أنّه سمع عن النبی ( بالواو ) وکان نظر الخلیفه إلى أنّه خالٍ منها ، فتشاجرا عند کتابه المصحف الواحد وإرساله إلى العواصم ، فهدّده أُبیّ وقال : لابد وأن تکتب الآیه بالواو وإلاّ لأضع سیفی على عاتقی فألحقوها (۲) .
کما نجد أنّ الإمام ( علیه السَّلام ) أمر بردّ قطائع عثمان إلى بیت المال ، وقال : ( واللّه لو وجدته قد تُزوِّج به النساء ، ومُلِکَ به الإماء ، لرددته ، فإنّ فی العدل سعهً ، و مَن ضاق علیه العدل ، فالجور علیه أضیق ) (۳) .
فلو کان هناک تحریف کان ردّ الآیات المزعوم حذفها من القرآن إلى محالِّها أوجب وألزم .
نرى أنّ علیاً ( علیه السَّلام ) بعدما تقلّد الخلافه الظاهریه اعترض على إقامه صلاه التراویح جماعهً کما اعترض على قراءه البسمله سرّاً فی الصلوات الجهریه إلى غیر ذلک من البدع المحدثه ، فعارضها الإمام وشدّد النکیر علیها بحماس ، فلو صدر أیّام الخلفاء شیء من هذا القبیل حول القرآن لقام الإمام بمواجهته ، وردّ ما حُذف بلا واهمه .
والحاصل : مَن قرأ سیره المسلمین فی الصدر الأوّل یقف على أنّ نظریه التحریف بصوره النقص کان أمراً ممتنعاً عادهً .
۱ ـ التوبه : ۳۴ .
۲ ـ الدر المنثور : ۴ / ۱۷۹ .
۳ ـ نهج البلاغه : الخطبه ۱۵ ، تحقیق صبحی الصالح .
الصفحه ۲۰۱
۲ ــ شهاده القرآن على عدم تحریفه :
آیه الحفظ
إنّ القرآن هو الکتاب النازل من عند اللّه سبحانه ، وهو سبحانه تکفّل صیانه القرآن وحفظه عن أیِّ تلاعب ، قال سبحانه : ( وَقالُوا یا أَیُّهَا الَّذِی نُزِّلَ عَلَیْهِ الذِّکْرُ إِنَّکَ لَمَجْنُونٌ * لَوما تَأْتِینا بِالمَلائِکَهِ إِنْ کُنْتَ مِنَ الصّادِقینَ *ما نُنَزِّلُ الْمَلائِکَهَ إِلاّ بِالحَقِّ وَما کانُوا إِذاً مُنْظَرِینَ * إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّکْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (۱) .
إنّ المراد من الذکر فی کلا الموردین هو القرآن الکریم بقرینه ( نُزِّلَ ) و( نَزَّلْنا ) والضمیر فی ( لَهُ ) یرجع إلى القرآن ، وقد أورد المشرکون اعتراضات ثلاثه على النبی ، أشار إلیها القرآن مع نقدها ، وهی :
۱ ـ إنّ محمّداً ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) یتلقّى القرآن من لدن شخص مجهول ، ویشیر إلى هذا الاعتراض قولهم : ( یا أَیُّهَا الَّذِی نُزِّلَ عَلَیْهِ الذِّکْرُ ) بصیغه المجهول .
۲ ـ إنّه ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) مختل الحواس لا اعتبار بما یتلقّاه من القرآن وینقله ، فلا نُؤمن من تصرّف مخیّلته وعقلیّته فی القرآن .
۳ ـ لو صحّ قوله : بأنّه ینزل علیه الملک ویأتی بالوحی فـ : ( لَوما تَأْتِینا بِالمَلائِکَهِ إِنْ کُنْتَ مِنَ الصّادِقینَ ) .
فقد أجاب الوحی عن الاعتراضات الثلاثه ، ونقدّم الجواب عن الثانی والثالث بوجه موجز ، ثمّ نعطف النظر إلى الاعتراض الأوّل لأهمیته .
۱ ـ الحجر : ۶ ـ ۹ .
الصفحه ۲۰۲
أمّا الثانی ، فقد ردّه بالتصریح بأنّه سبحانه هو المنزِّل دون غیره وقال : ( إِنّا نَحْنُ ) .
کما رد الثالث بأنّ نزول الملائکه موجب لهلاکهم وإبادتهم ، وهو یخالف هدف البعثه ، حیث قال : ( وَما کانُوا إِذاً مُنْظَرینَ ) .
وأمّا الأوّل ، فقد صرّح سبحانه بأنّه الحافظ لذکره عن تطرّق أیّ خلل وتحریف فیه ، وهو لا تُغلب إرادته .
وبذلک ظهر عدم تمامیه بعض الاحتمالات فی تفسیر الحفظ حیث قالوا المراد :
۱ ـ حفظه من قدح القادحین .
۲ ـ حفظه فی اللوح المحفوظ .
۳ ـ حفظه فی صدر النبی والإمام بعده .
فإنّ قدح القادحین لیس مطروحاً فی الآیه حتى تُجیب عنه الآیه ، کما أنّ حفظه فی اللوح المحفوظ أو فی صدر النبی ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) لا یرتبط باعتراض المشرکین ، فإنّ اعتراضهم کان مبنیّاً على اتهام النبی بالجنون الذی لا ینفک عن الخلط فی إبلاغ الوحی ، فالإجابه بأنّه محفوظ فی اللوح المحفوظ أو ما أشبهه لا یکون قالعاً للإشکال ، فالحقّ الذی لا ریب فیه أنّه سبحانه یُخبر عن تعهده بحفظ القرآن وصیانته فی عامّه المراحل ، فالقول بالنقصان یضاد مع تعهده سبحانه .
فإن قلت : إنّ مدّعی التحریف یدّعی التحریف فی نفس هذه الآیه ؛ لأنّها بعض القرآن ، فلا یکون الاستدلال بها صحیحاً ، لاستلزامه الدور الواضح .
قلت : إنّ مصبّ التحریف ـ على فرض طروئه ـ عباره عن الآیات الراجعه إلى الخلافه والزعامه لأئمّه أهل البیت ، أو ما یرجع إلى آیات الأحکام ، کآیه
الصفحه ۲۰۳
الرجم ، وآیه الرضعات ، وأمثالهما ، وأمّا هذه الآیه ونحوها فلم یتطرّق التحریف إلیها باتّفاق المسلمین .
آیه نفی الباطل
یصف سبحانه کتابه بأنّه المقتدر الذی لا یُغْلَب ولا یأتیه الباطل من أی جانب ، قال : ( إِنَّ الّذِینَ کَفَرُوا بِالذِّکْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَکِتابٌ عَزِیزٌ * لا یَأْتِیهِ الْباطِلُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِیلٌ مِنْ حَکِیمٍ حَمِیدٍ ) (۱) .
ودلاله الآیه رهن بیان أُمور :
الأوّل : المراد من الذکر هو القرآن ، ویشهد علیه قوله : ( وَإِنّهُ لَکتابٌ عَزیزٌ ) مضافاً إلى إطلاقه على القرآن فی غیر واحد من الآیات ، قال سبحانه : ( یا أَیُّهَا الّذِی نُزِّلَ عَلَیْهِ الذِّکْرُ إِنَّکَ لَمَجْنُونٌ ) (۲) وقال سبحانه : ( وَإِنَّهُ لَذِکْرٌ لَکَ وَلِقَوْمِکَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) (۳) .
الثانی : إنّ خبر ( إنّ ) محذوف مقدّر وهو : سوف نجزیهم وما شابهه .
الثالث : الباطل یقابل الحق ، فالحق ثابت لا یُغْلب ، والباطل له جوله ، لکنّه سوف یُغلب ، مَثَلهما کمثل الماء والزَبد ، فالماء یمکث فی الأرض والزَبد یذهب جفاء ، قال سبحانه : ( کَذلِکَ یَضْرِبُ اللّهُ الحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمّا الزَّبَدُ فَیَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما یَنْفَعُ النّاسَ فَیَمْکُثُ فِی الأَرْضِ کَذلِکَ یَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثالَ ) (۴) .
فالقرآن حقّ فی مدالیله ومفاهیمه ، وأحکامه خالده ، ومعارفه وأُصوله مطابقه للفطره ، وأخباره الغیبیه حق لا زیغ فیه ، کما أنّه نزیه عن التناقض بین
۱ ـ فصلت : ۴۱ ـ ۴۲ .
۲ ـ الحجر : ۶ .
۳ ـ الزخرف : ۴۴ .
۴ ـ الرعد : ۱۷ .
الصفحه ۲۰۴
دساتیره وأخباره ( وَلَوْ کانَ مِنْ عِنْدِ غَیْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِیهِ اخْتِلافاً کَثِیراً ) (۱) .
فکما أنّه حقّ من حیث الماده والمعنى ، حقّ من حیث الصوره واللفظ أیضاً ، فلا یتطرّق إلیه التحریف ، ونِعمَ ما قاله الطبرسی : لا تناقض فی ألفاظه ، ولا کذب فی أخباره ، ولا یعارض ، ولا یزداد ، ولا ینقص (۲) .
ویؤیّده قوله قبل هذه الآیات : ( وَإِمّا یَنْزَغَنَّکَ مِنَ الشَّیْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ ) (۳) ولعلّه إشاره إلى ما کان یدخله فی نفسه من إمکان إبطال شریعته بعد مماته ، فأمره بالاستعاذه باللّه السمیع العلیم .
و الحاصل أنّ تخصیص مفاد الآیه ( نفی الباطل ) بطروء التناقض فی أحکامه وتکاذب أخباره لا وجه له ، فالقرآن مصون عن أیّ باطل یبطله ، أو فاسد یفسده ، بل هو غضّ طریّ لا یُبْلى وَلا یُفنى .
آیه الجمع
رُوی أنّه إذا نزل القرآن ، عجّل النبی بقراءته ، حرصاً منه على ضبطه ، فوافاه الوحی ونهاه عنه ، وقال : ( لا تُحَرِّکْ بِهِ لِسانَکَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَیْنا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ علَیْنا بَیانَهُ ) (۴) ، فعلى اللّه سبحانه الجمع والحفظ والبیان ، کما ضمن فی آیه أُخرى عدم نسیانه ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) القرآن وقال : ( سَنُقْرِئُکَ فَلا تَنْسى * إِلاّ ما شاءَ اللّهُ إِنَّهُ یَعْلَمُ الجَهْرَ وَما یَخْفى ) (۵) .
هذا بعض ما یمکن أن یُستدلّ به ، على صیانه القرآن من التحریف
۱ ـ النساء : ۸۲ .
۲ ـ مجمع البیان : ۹ / ۱۵ ، ط صیدا .
۳ ـ فصّلت : ۳۶ .
۴ ـ القیامه : ۱۶ ـ ۱۹ .
۵ ـ الأعلى : ۶ ـ ۷ .
الصفحه ۲۰۵
بالقرآن ، والاستثناء فی الآیه الأخیره نظیر الاستثناء فی قوله : ( وَأَمّا الّذِینَ سُعِدُوا فَفِی الجَنَّهِ خالِدینَ فیها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الأَْرضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّکَ عَطاءً غَیْرَ مَجْذُوذٍ ) (۱) ، و من المعلوم أنّ أهل السعاده محکومون بالخلود فی الجنه ویشهد له ذیل الآیه ، أعنی : قوله : ( عَطاءً غَیْرَ مَجْذُوذٍ ) أی غیر مقطوع ، ومع ذلک فلیس التقدیر على وجه یخرج الأمر من یده سبحانه ، فهو فی کلّ حین قادر على نقض الخلود .
وأمّا الروایات الدالّه على کونه مصوناً منه ، فنقتصر منها بما یلی :
۱ ـ أخبار العرض
قد تضافرت الروایات عن الأئمّه ( علیهم السَّلام ) بعرض الروایات على القرآن والأخذ بموافقه وردّ مخالفه ، وقد جمعها الشیخ الحر العاملی فی الباب التاسع من أبواب صفات القاضی .
روى الکلینی عن السکونی ، عن أبی عبد اللّه ( علیه السَّلام ) قال : ( قال رسول اللّه ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) : إنّ على کلّ حقّ حقیقهً ، وعلى کلّ صواب نوراً ، فما وافق کتاب اللّه فخذوه ، وما خالف کتاب اللّه فدعوه ) (۲) .
وروى أیّوب بن راشد ، عن أبی عبد اللّه ( علیه السَّلام ) قال : ( ما لم یوافق من الحدیث القرآن فهو زخرف ) (۳) .
۱ ـ هود : ۱۰۸ .
۲ ـ الوسائل : الباب ۹ من أبواب صفات القاضی ، الحدیث ۱۰ .
۳ ـ الوسائل : الجزء ۱۸ ، الباب ۹ من أبواب صفات القاضی ، ح ۱۲ ، ۱۵ وغیرها .
الصفحه ۲۰۶
وفی روایه أیوب بن الحر ، قال : سمعت أبا عبد اللّه ( علیه السَّلام ) یقول : ( کلّ شیء مردود إلى الکتاب والسنّه ، وکلّ حدیث لا یوافق کتاب اللّه فهو زخرف ) (۱) .
وجه الدلاله من وجهین :
ألف ـ إنّ المتبادر من أخبار العرض أنّ القرآن مقیاس سالم لم تنلـه ید التبدیل و التحریف والتصرّف ، والقول بالتحریف لا یلائم القول بسلامه المقیس علیه .
ب ـ إنّ الإمعان فی مجموع روایات العرض یثبت أنّ الشرط اللازم هو عدم المخالفه ، لا وجود الموافقه ؛ وإلاّ لزم ردّ أخبار کثیره لعدم تعرّض القرآن إلیها بالإثبات والنفی ، ولا تعلم المخالفه وعدمها إلاّ إذا کان المقیس ( القرآن ) بعامه سوره وأجزائه موجوداً عندنا ، وإلاّ فیمکن أن یکون الخبر مخالفاً لِما سقط وحُرّف .
۲ ـ حدیث الثقلین
إنّ حدیث الثقلین یأمر بالتمسّک بالقرآن ، مثل التمسّک بأقوال العتره ، حیث قال ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) : ( إنّی تارک فیکم الثقلین : کتاب اللّه ، وعترتی أهل بیتی ما إن تمسّکتم بهما لن تضلّوا ) ویستفاد منه عدم التحریف ، وذلک :
ألف ـ إنّ الأمر بالتمسّک بالقرآن ، فرع وجود القرآن بین المتمسّکین .
ب ـ إنّ القول بسقوط قسم من آیاته وسُوَره ، یوجب عدم الاطمئنان فیما یُستفاد من القرآن الموجود ؛ إذ من المحتمل أن یکون المحذوف قرینهً على المراد من الموجود .
۱ ـ الوسائل : الجزء ۱۸ ، الباب ۹ من أبواب صفات القاضی ، ح ۱۲ ، ۱۵ وغیرها .

أهل البیت وصیانه القرآن
إنّ الإمعان فی خطب الإمام أمیر المؤمنین ( علیه السَّلام ) وکلمات أوصیائه المعصومین ( علیهم السَّلام ) یعرب عن اعتبارهم القرآن الموجود بین ظهرانی المسلمین ، هو کتاب اللّه المنزل على رسوله بلا زیاده ولا نقیصه ، ویُعرف ذلک من تصریحاتهم تارهً ، وإشاراتهم أُخرى ، ونذکر شیئاً قلیلاً من ذلک :
الصفحه ۲۰۷
۱ ـ قال أمیر المؤمنین ( علیه السَّلام ) : ( أَنزل علیکم الکتابَ تبیاناً لکلّ شیء ، وعمّر فیکم نبیّه أزماناً ، حتى أکمل له ولکم ـ فیما أنزل من کتابه ـ دینه الذی رضی لنفسه ) (۱) .
والخطبه صریحه فی إکمال الدین تحت ظل کتابه ، فکیف یکون الدین کاملاً و مصدره محرّفاً غیر کامل ؟! ویوضّح ذلک أنّ الإمام یحثّ على التمسّک بالدین الکامل بعد رحیل الرسول ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) ، وهو فرع کمال مصدره وسنده .
۲ ـ وقال ( علیه السَّلام ) : ( وکتاب اللّه بین أظهرکم ناطق لا یعیا لسانه ، وبیت لا تُهدم أرکانه ، وعزٌّ لا تُهزم أعوانه ) (۲) .
۳ ـ وقال ( علیه السَّلام ) : ( کأنّهم أئمه الکتاب ولیس الکتاب إمامهم ) (۳) .
وفی رساله الإمام الجواد إلى سعد الخیر (۴) : ( وکان مِن نبذهم الکتاب أن أقاموا حروفه ، وحرّفوا حدوده ) (۵) .
وفی هذا تصریح ببقاء القرآن بلفظه ، وأنّ التحریف فی تطبیقه على الحیاه حیث لم یطبّقوا أحکامه فی حیاتهم ، ومن أوضح مظاهره منع بنت المصطفى ( علیها السَّلام ) من إرث والدها مع أنّه سبحانه یقول : ( یُوصِیکُمُ اللّهُ فِی أَولادِکُمْ لِلذَّکَرِ مِثْلُ حَظِّ
۱ ـ نهج البلاغه : الخطبه ۸۶ .
۲ ـ نهج البلاغه : الخطبه ۱۳۳ .
۳ ـ نهج البلاغه: الخطبه : ۱۴۷ .
۴ ـ هو من أولاد عمر بن عبد العزیز ، وقد بکى عند أبی جعفر الجواد لاعتقاده أنّه من الشجره الملعونه فی القرآن ، فقال الإمام ( علیه السَّلام ) له : ( لستَ منهم وأنت منّا ، أَما سمعت قوله تعالى : ( فَمَنْ تَبعَنی فَهُوَ مِنّی ) ) . ( لاحظ قاموس الرجال : ۵ / ۳۵ ) ومنه یُعلم وجه تسمیته بالخیر .
۵ ـ الکافی : ۸ / ۵۳ ح ۱۶ .
الصفحه ۲۰۸
الأُنْثَیَیْنِ ) (۱) .
وقال سبحانه : ( وَوَرِثَ سُلَیْمَانُ دَاوُودَ ) (۲) .
وقال سبحانه عن لسان زکریا : ( فَهَبْ لِی مِنْ لَدُنْکَ وَلِیّاً * یَرِثُنی وَیَرِثُ مِنْ آلِ یَعْقُوبَ ) (۳) .
ولعلّ فیما ذکرنا کفایه ، فلنستعرض کلمات علمائنا .
الشیعه وصیانه القرآن
إنّ التتبع فی کلمات علمائنا الکبار الذین کانوا هم القدوه والأُسوه فی جمیع الأجیال ، یُعرب عن أنّهم کانوا یتبرّأون من القول بالتحریف ، وینسبون فکره التحریف إلى روایات الآحاد ، ولا یمکننا نقل کلمات علمائنا عبر القرون ، بل نشیر إلى کلمات بعضهم :
۱ ـ قال الشیخ الأجل الفضل بن شاذان الأزدی النیسابوری ( المتوفّى ۲۶۰هـ ) ـ فی ضمن نقده مذهب أهـل السنّـه ـ : إنّ عمر بن الخطاب قال : إنّی أخاف أن یقال زاد عمر فی القرآن ثبتَ هذه الآیه ، فإنّا کنّا نقرؤها على عهد رسول اللّه : الشیخ والشیخه إذا زنیا فارجموهما البته بما قضیا من الشهوه نکالاً من اللّه واللّه عزیز حکیم (۴) .
فلو کان التحریف من عقائد الشیعه ، لَما کان له التحامل على السنّه بالقول بالتحریف ؛ لاشتراکهما فی ذلک القول .
۱ ـ النساء : ۱۱ .
۲ ـ النمل : ۱۶ .
۳ ـ مریم : ۵ ـ ۶ .
۴ ـ الإیضاح : ۲۱۷ . روى البخاری آیه الرجم فی صحیحه : ۸ / ۲۰۸ باب رجم الحُبلى .
الصفحه ۲۰۹
۲ ـ قال أبو جعفر الصدوق ( المتوفّـى۳۸۱هـ ) : اعتقادنا أنّه کلام اللّه ووحیه تنزیلاً ، وقوله فی کتابه : ( إِنَّهُ لَکتابٌ عَزیزٌ * لا یَأْتِیهِ الْباطِلُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِیلٌ مِنْ حَکیمٍ حَمیدٍ ) وأنّه القصص الحق ، وأنّه لحقّ فصل ، وما هو بالهزل ، وأنّ اللّه تبارک و تعالى مُحْدثه ومنزله وربّه وحافظه والمتکلّم به (۱) .
۳ ـ قال الشیخ المفید ( المتوفّـى۴۱۳هـ ) : وقد قال جماعه من أهل الإمامه إنّه لم ینقص من کلمه ولا من آیه ولا من سوره ، ولکن حُذف ما کان مثبتاً فی مصحف أمیر المؤمنین ( علیه السَّلام ) من تأویل وتفسیر معانیه على حقیقه تنزیله ، وذلک کان ثابتاً منزلاً ، وإن لم یکن من جمله کلام اللّه الذی هو القرآن المعجز ، وقد یُسمّى تأویل القرآن قرآناً ، وعندی أنّ هذا القول أشبه بالحقّ من مقال مَن ادّعى نقصان کلم من نفس القرآن على الحقیقه دون التأویل وإلیه أمیل (۲) .
وقال أیضاً فی أجوبه ( المسائل السرویه ) فی جواب مَن احتج على التحریف بالروایات الوارده حیث ورد فیها ( کنتم خیر أئمّه أُخرجت للناس ) مکان ( أُمّه ) ، وورد کذلک ( جعلناکم أئمهً وسطاً ) مکان ( أُمّه ) وورد ( یسألونک الأنفال ) مکان ( یسألونک عن الأنفال ) ، فأجاب : إنّ الأخبار التی جاءت بذلک أخبار آحاد لا یقطع على اللّه تعالى بصحتها ؛ فلذلک وقفنا فیها ، ولم نعدل عمّا فی المصحف الظاهر (۳) .
۴ ـ قال الشریف المرتضى ( المتوفّى۴۳۶هـ ) : مضافاً إلى مَن نقلنا عنه فی الدلیل الأوّل ، أنّ جماعهً من الصحابه ، مثل عبد اللّه بن مسعود و أُبّی بن کعب وغیرهما ختموا القرآن على النبی عدّه ختمات ، وکلّ ذلک یدلّ بأدنى تأمّل على أنّه
۱ ـ اعتقادات الصدوق : ۹۳ .
۲ ـ أوائل المقالات : ۵۳ ـ ۵۴ .
۳ ـ مجموعه الرسائل للمفید : ۳۶۶ .
الصفحه ۲۱۰
کان مجموعاً مرتّباً غیر مستور ولا مبثوث (۱) .
۵ ـ قال الشیخ الطوسی ( المتوفّـى۴۶۰هـ ) : أمّا الکلام فی زیاده القرآن ونقصه فما لا یلیق به أیضاً ؛ لأنّ الزیاده مجمع على بطلانها ، وأمّا النقصان فالظاهر أیضاً من مذهب المسلمین خلافه ، وهو الألیق بالصحیح من مذهبنا ، وهو الذی نصره المرتضى ، وهو الظاهر من الروایه ، ثمّ وصف الروایات المخالفه بالآحاد .
۶ ـ قال أبو علی الطـبرسی ( المتـوفّـى ۵۴۸هـ ) الکلام فی زیاده القـرآن ونقصانه ، أمّا الزیاده فیه فمجمع على بطلانها ، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعه من أصحابنا وقوم من حشویه العامه أنّ فی القرآن تغییراً أو نقصاناً ، والصحیح من مذهب أصحابنا خلافه (۲) .
۷ ـ قال السید علی بن طاووس الحلّی ( المتوفّى۶۶۴هـ ) : إنّ رأی الإمامیه هو عدم التحریف (۳) .
۸ ـ قال العلاّمه الحلّی ( المتوفّى۷۲۶هـ ) فی جواب السید الجلیل المهنّا : الحق أنّه لا تبدیل ولا تأخیر ولا تقدیم ، وأنّه لم یزد ولم یُنْقَص ، ونعوذ باللّه من أن یُعتقد مثل ذلک وأمثال ذلک ؛ فإنّه یوجب تطرّق الشک إلى معجزه الرسول المنقوله بالتواتر (۴) .
۹ ـ قال المحقّق الأردبیلی ( المتوفّى۹۹۳هـ ) فی مسأله لزوم تحصیل العلم : بأنّ ما یقرأه هو القرآن ، فینبغی تحصیله من التواتر الموجب للعلم ، وعدم جواز الاکتفاء بالسماع حتى من عدل واحد ـ إلى أن قال ـ ولمّا ثبت تواتره فهو مأمون
۱ ـ مجمع البیان : ۱ / ۱۰ ، نقلاً عن جواب المسائل الطرابلسیه للسید المرتضى .
۲ ـ مجمع البیان : ۱ / ۱۰ .
۳ ـ سعد السعود : ۱۴۴ .
۴ ـ أجوبه المسائل المهنائیه : ۱۲۱ .
الصفحه ۲۱۱
من الاختلال … مع أنّه مضبوط فی الکتب حتى أنّه معدود حرفاً حرفاً ، وحرکهً حرکهً ، وکذا طریق الکتابه وغیرها ممّا یفید الظن الغالب بل العلم بعدم الزیاده على ذلک والنقص (۱) .
۱۰ ـ وقال القاضی السید نور اللّه التستری ( المتوفّى۱۰۲۹هـ ) : ما نُسب إلى الشیعه الإمامیه من وقوع التحریف فی القرآن لیس ممّا یقول به جمهور الإمامیه ، إنّما قال به شرذمه قلیله منهم لا اعتداد لهم فیما بینهم (۲) .
ولو استقصینا کلمات علمائنا فی هذا المجال لطال بنا الموقف ، إلى هنا ظهر الحقّ بأجلى مظاهره فلم یبقَ إلاّ دراسه بعض الشبهات ودحضها .
۱ ـ مجمع الفائده والبرهان : ۲ / ۲۱۸ ، فی محل النقاط کلمه ( لفسقه ) فتأمل .
۲ ـ آلاء الرحمن : ۱ / ۲۵ .
الصفحه ۲۱۲
شبهات مثاره حول صیانه القرآن
اعتمد بعض الأخباریین فی قولهم بالتحریف بوجوه لا یصلح تسمیتها بشیء سوى کونها شُبهاً ، وإلیک بعض شُبهاتهم .
الشبهه الأُولى : وجود مصحف لعلی (علیه السَّلام )
روى ابن الندیم ( المتوفّى۳۸۵هـ ) فی ( فهرسته ) عن علی ( علیه السَّلام ) أنّه رأى من الناس طیرهً عند وفاه النبی ، فأقسم أن لا یضع عن ظهره رداءه حتى یجمع القرآن ، فجلس فی بیته ثلاثه أیام حتى جمع القرآن (۱) .
روى الیعقوبی ( المتوفّى۲۹۰هـ ) فی ( تاریخه ) : روى بعضهم أنّ علی بن أبی طالب ( علیه السَّلام ) کان جمعه ـ القرآن ـ لمّا قُبض رسول اللّه ، وأتى وحمله على جَمل ، فقال : ( هذا القرآن جمعته ) ، وکان قد جزّأه سبعه أجزاء ، ثمّ ذکر کلّ جزء ، والسور الوارده فیه .
یُلاحظ علیه : أنّ الإمعان فیما ذکره الیعقوبی أنّ مصحف علی لا یخالف المصحف الموجود فی سوره وآیاته ، وإنّما یختلف فی ترتیب السور ، وهذا یثبت أنّ ترتیب السور کان باجتهاد الصحابه والجامعین ، بخلاف وضع الآیات
۱ ـ فهرست ابن الندیم ، نقله الزنجانی فی تاریخ القرآن : ۷۶ .
الصفحه ۲۱۳
وترتیبها ، فإنّه کان بإشاره النبی ، وما ذکره ابن الندیم یُثبت أنّ القرآن کان مکتوباً فی عصر النبی کلّ سوره على حده وکان فاقداً للترتیب الذی رتّبه الإمام على سبعه أجزاء ، وکلّ جزء یشتمل على سور ، وقد نقل المحقّق الزنجانی ترتیب سور مصحف الإمام فی ضمن جداول تُعرب عن أنّ مصحَف علیّ ( علیه السَّلام ) کان فی سبعه أجزاء ، وکلّ جزء یحتوی على سور ، فالجزء الأوّل یُسمّى بالبقره وفیه سور ، والجزء الثانی یُسمّى جزء آل عمران وفیه سور ، والثالث جزء النساء وفیه سور ، والرابع جزء المائده وفیه سور ، والخامس جزء الأنعام وفیه سور ، والسادس جزء الأعراف وفیه سور ، والسابع جزء الأنفال وفیه سور ، والظاهر منه أنّ التنظیم لم یکن على نسق تقدیم الطوال على القصار ولا على حسب النزول ، وإلیک صورته :
الصفحه ۲۱۴
ترتیب السور فی مصحف علی ( علیه السَّلام )
الجزء الأوّل الجزء الثانی الجزء الثالث الجزء الرابع
البقره
یوسف
العنکبوت
الروم
لقمان
حمّ السجده
الذاریات
هل أتى على الإنسان
ألم تنزیل
السجده
النازعات
إذا الشمس کُوّرت
إذا السماء انفطرت
إذا السماء انشقت
سبح اسم ربّک الأعلى
لم یکن
آل عمران هود
الحج
الحجر
الأحزاب
الدُّخان
الرحمن
الحاقه
سأل سائل
عبس وتولى
والشمس وضحیها
إنا أنزلناه
إذا زلزلت
ویل لکل همزه
ألم ترَ کیف
لإیلاف قریش
النساء
النحل
المؤمنون
یس
حمعسق
الواقعه
تبارک … الملک
یا أیُّها المدثر
أرأیت
تبّت
قل هو الله أحد
والعصر
القارعه
والسماء ذات البروج
والتین والزیتون
طس
النمل
المائده
یونس
مریم
طسم
الشعراء
الزخرف
الحجرات
ق والقرآن المجید
اقتربت الساعه
الممتحنه
والسماء والطارق
لا أُقسم بهذا البلد
ألم نشرح لک
والعادیات
إنّا أعطیناک الکوثر
قل یا أیها الکافرون
فذلک جزء البقره فذلک جزء آل عمران فذلک جزء النساء فذلک جزء المائده
الصفحه ۲۱۵
الجزء الخامس الجزء السادس الجزء السابع
الأنعام
سبحان
اقترب
الفرقان
موسى
فرعون
حم
المؤمن
المجادله
الحشر
الجمعه
المنافقون
ن والقلم
إنّا أرسلنا نوحاً
قل أوحی إلیّ
المرسلات
والضحى
ألهیکم
الأعراف
إبراهیم
الکهف
النور
ص
الزمر
الشریعه
الّذین کفروا
الحدید
المزمّل
لا أُقسم بیوم القیامه
عمّ یتساءلون
الغاشیه
والفجر
واللیل إذا یغشى
إذا جاء نصر الله
الأنفال
براءه
طه
الملائکه
الصافات
الأحقاف
الفتح
الطور
النّجم
الصَّف
التغابن
الطلاق
المطفّفین
المعوذتین
فذلک جزء الأنعام فذلک جزء الأعراف فذلک جزء الأنفال
الصفحه ۲۱۶
فالإمعان فی هذا الجدول یثبت بأنّ السور الموجوده فیه ، هی نفس السور فی المصحف وإنّما الاختلاف فی ترتیبها ، وقد نقل الشهرستانی ـ حسب ما نقله المحقّق الزنجانی ـ ترتیب السور فی مصحف عبد اللّه بن عباس ، فترتیب السور فیها یخالف ترتیب المصحف ولکن السور ، نفسها .
وممّا یدل على أنّ الفرق بین مصحفه ( علیه السَّلام ) وسائر المصاحف کان منحصراً فی کیفیه ترتیب السور فقط ، ما رواه الشیخ المفید عن أبی جعفر الباقر ( علیه السَّلام ) قال : ( إذا قام قائم آل محمد ( علیه السَّلام ) ضرب فساطیط لمَن یعلّم الناس القرآن ، على ما أنزل اللّه ـ جلّ جلاله ـ فأصعب ما یکون على مَن حفظه الیوم ؛ لأنّه یخالف فیه التألیف ) (۱) .
 
۱ ـ الإرشاد للمفید : ۳۶۵ .

الشبهه الثانیه : تشابه مصیر الأُمّتین
روى الفریقان عن النبی ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) أنّه قال : ( والذی نفسی بیده لَترکُبنّ سنّه من قبلکم حذو النعل بالنعل ، والقُذه بالقذه لا تخطئون طریقهم ) (۲) وقد حرّفت الیهود والنصارى کتبهم ، فیلزم وقوع مثله فی الأُمّه الإسلامیه .
یُلاحظ علیه : مضافاً إلى أنّه خبر واحد لا یُحتج به فی العقائد ، بأنّ الاستدلال لا یتم إلاّ بتعیین وجه التشابه بین الأُمم السالفه والأُمّه الإسلامیه ، فهناک احتمالان :
ألف : التشابه بین الأُمّتین ، فی جوهر الحوادث وخصوصیاتها ولبّها وکیفیاتها .
۲ ـ صحیح مسلم : ۸ / ۵۷ ، باب اتّباع سُنن الیهود والنصارى ، وصحیح البخاری : ۹ / ۱۰۲ ، کتاب الاعتصام ، وسُنن الترمذی : ۵ / ۲۶ ، کتاب الإیمان .
الصفحه ۲۱۷
ب : التشابه فی أُصولها وذاتیاتها ، لا فی ألوانها وصورها .
أمّا الأوّل ، فهو ممّا لا یمکن القول به ؛ إذ لم تواجه الأُمّه الإسلامیه ، ما واجهت الیهود فی حیاتهم ، وذلک :
۱ ـ إنّهم عاندوا أنبیاءهم فابتلوا بالتیه فی وادی سیناء ، لمّا أمرهم موسى بدخول الأرض المقدّسه واعتذروا بأنّ فیها قوماً جبارین ، و أنّهم لن یدخلوها حتى یخرجوا منها ، فوافاه الخطاب بأنّها ( مُحَرَّمَهٌ عَلَیْهِمْ أَرْبَعینَ سَنَهً یَتِیهُونَ فِی الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَومِ الْفاسِقینَ ) (۱) مع أنّ المسلمین لم یبتلوا بالتیه .
۲ ـ إنّهم عبدوا العجل فی غیاب موسى ـ اتّخذوه إلهاً ـ قال سبحانه : ( ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ) (۲) والمسلمون ـ بفضل اللّه سبحانه ـ استمروا على نهج التوحید ولم یعبدوا وثناً ولا صنماً .
۳ ـ عاش بنو إسرائیل فی عصر عجّ بالحوادث ، أشار إلیها القرآن ولم یُرَ أثر منها فی حیاه المسلمین ، کلّ ذلک یدلّ على أنّ لیس المراد التشابه فی الصور والخصوصیات .
مثلاً أنّ بنی إسرائیل ظُلّلوا بالغمام ونُزّل علیهم المنُّ والسلوى ، ولم یُرَ ذلک فی المسلمین .
وأمّا الثانی ، فهو المراد ـ إذا صحّت هذه الأخبار ولم نقل أنّها أخبار آحاد غیر مرویه فی الکتب المعتبره ولا یُحتج بخبر الواحد فی باب العقائد ـ و یشهد التاریخ بابتلاء المسلمین بنفس ما ابتلیت به الأُمم السالفه فی الجوهر والذات .
ألف ـ فقد دبّ فیهم دبیبُ الاختلاف بعد رحیله ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) ، وتفرّقوا إلى فِرق مختلفه کاختلاف الأُمم السالفه ، ولو أنّهم افترقوا إلى إحدى وسبعین أو اثنین وسبعین
۱ ـ المائده : ۲۶ .
۲ ـ البقره : ۵۱ .
الصفحه ۲۱۸
فرقه ، فالمسلمون افترقوا إلى ثلاث وسبعین فرقه .
ب ـ ظهرت بین الأُمّه الإسلامیه ظاهره الارتداد ، مثلما ارتدّ بعض أصحاب المسیح ودلّ الیهودَ على مکانه ، وهذا هو البخاری یروی فی حدیث أنّ أصحاب النبی یُمنعون من الحوض ، ویقول النبی : لماذا یمنعون ، مع أنّهم أصحابی ، فیُجاب أنّهم لیسوا من أصحابک ، إنّک لا تدری ما أحدثوا بعدک ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى (۱) .
ج ـ إنّهم خصّوا العقوبات بالفقراء دون الأغنیاء ، فإذا سرق الفقیر منهم أجروا علیه الحد ، وإذا سرق الغنی ، امتنعوا منه ـ على ما رواه مسلم فی صحیحه (۲) ـ فقد ابتلت الأُمّه بهذه الظاهره منذ رحیل النبی ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) ، فقد عُطِّلَت الحدود فی خلافه عثمان ، کما نطق به التاریخ .
د ـ إنّهم حرّفوا کتبهم ، بتفسیرها على غیر وجهه ، ویکفی فی التشابه هذا المقدار من التحریف ، وقد رُوی عن الإمام الجواد ( علیه السَّلام ) أنّه قال : ( المسلمون : أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده ، فهم یروونَه ولا یرعونه ) (۳) .
فقد ورد فی العهدین أوصاف النبی على وجه یعرفون بها النبی کما یعرفون أبناءهم قال سبحانه : ( الّذِینَ آتَیْناهُمُ الکِتابَ یَعْرِفُونَهُ کَما یَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ) (۴) وقال سبحانه : ( الّذینَ یَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ الأُمِّیَّ الَّذِی یَجِدُونَهُ مَکْتُوباً عِنْدَهُمْ فِی التَّوراهِ وَالإِنْجِیلِ ) (۵) ومع ذلک کانوا یؤوّلون البشائر ویفسّـرونها على غیر
۱ ـ جامع الأُصول : ۱۱ / ۱۱۹ ـ ۱۲۱ .
۲ ـ صحیح مسلم : ج۵ ، باب قطع السارق ص ۱۱۴ .
۳ ـ الکافی : ۸ /۵۳ ح ۱۶ .
۴ ـ البقره : ۱۴۶ .
۵ ـ الأعراف : ۱۵۷ .
الصفحه ۲۱۹
واقعها ، ومَن قرأ تاریخ النبی مع الیهود المعاصرین له یقف على أنّهم کیف کانوا یضلّلون الناس بتحریف کتبهم ، بتفسیرها على غیر وجهها ؟
ولعلّ وجه التشابه ما أوردناه فی الوجه الثانی ، ومعه لا یصحّ لأحد أن یقول : إنّ التشابه بین الفریقین ، هو أنّ التحریف قد مسّ جوهر الکتاب المقدّس ، فإنّ ما بأیدی الیهود إنّما کُتب بعد رحیل موسى بخمسه قرون ، ومثلها الإنجیل فإنّه أشبه بکتاب روائیّ یتکفّل ببیان حیاه المسیح إلى أن صُلِب وقُبر ، وأین هو من الکتاب السماوی ؟!
نعوذ باللّه من الزلل فی الرأی والقول والعمل .

الشبهه الثالثه : عدم الانسجام بین الآیات والجمل
وهذه الشبهه أبدعها الملاحده حول آیات القرآن الکریم ، واتّخذها القائلون بالتحریف ذریعهً لعقیدتهم وقد کتب ( سایل الإنجلیزی ) کتاباً فی هذا الصدد ، ونقله إلى العربیه هاشم العربی ـ وکأنّ الاسم اسم مستعار ـ و ردّ علیه المحقّق البلاغی بکتاب أسماه ( الهدى إلى دین المصطفى ) ولنذکر نماذج :
۱ ـ آیه الکرسی وتقدیم السِنه على النوم
قال سبحانه : ( لا تَأْخُذُهُ سِنَهٌ وَلا نَومٌ ) (۱) مع أنّ الصحیح أن یقول لا تأخذه نوم ولا سِنه ، فإنّ الرائج فی هذه الموارد هو التدرّج من العالی إلى الدانی کما یقال : لا یأخذنی عند المطالعه ، نوم ولا سِنه .
والجواب : إنّ الأخذ فی الآیه بمعنى الغلبه واللازم عندئذ هو التدرّج من الدانی إلى العالی کما هو واضح ، والآیه بصدد تنزیهه سبحانه عن کلّ ما یوجب
۱ ـ البقره : ۲۵۵ .
الصفحه ۲۲۰
الغفله ، مثلاً لو فرضنا أنّ زیداً أشجع من عمرو وأراد المتکلِّم أن یصف شجاعته الفائقه یقول ما غلبنی عمرو ولا زید فیقدّم الضعیف على الشجاع ، ولو عکس یکون مستهجناً ویکون ذکر الضعیف زائداً .
۲ ـ آیه الخوف عن إقامه القسط
قال سبحانه : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِی الْیَتَامَى فَانْکِحُوا مَا طَابَ لَکُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَهً ) (۱) .
وجه الاستدلال : أنّه لا صله بین الشرط و الجزاء ، فکیف یترتّب الإذن فی نکاح النساء ( مَثنى وثلاثَ وَ رُباع ) على الخوف من عدم إقامه القسط فی الیتامى ؟
یُلاحظ علیه : أنّ القرآن یعتمد فی إفهام مقاصده على القرائن الحالیه بلا إیجاز مخلّ ، وقد ذکر أمر الیتامى فی نفس السوره فی الآیات التالیه :
۱ ـ ( وَآتُوا الیَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِیثَ بالطَّیِّبِ ) (۲) .
۲ ـ ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِی الیَتامى فَانْکِحُوا ما طابَ لَکُمْ … ) (۳) .
۳ ـ ( إِنَّ الّذِینَ یَأْکُلُونَ أَموالَ الْیَتامى ظُلْماً إِنَّما یَأْکُلُونَ فِی بُطُونِهِمْ ناراً ) (۴) .
۴ ـ ( وَیَسْتَفْتُونَکَ فِی النِّساءِ قُلِ اللّهُ یُفْتِیکُمْ فِیهنَّ وَما یُتْلى عَلَیْکُمْ فِی الکِتابِ فی یَتامَى النِّساءِ اللاّتی لا تُؤْتُونَهُنَّ ما کُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْکِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِینَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلیَتامى بِالقِسْطِ ) (۵) .
۱ ـ النساء : ۳ .
۲ ـ النساء : ۲ .
۳ ـ النساء : ۳ .
۴ ـ النساء : ۱۰ .
۵ ـ النساء : ۱۲۷ .
الصفحه ۲۲۱
فقد بیّن سبحانه فی الآیه الأخیره أحکام موضوعات ثلاثه :
۱ ـ النساء الکبار .
۲ ـ یتامى النساء ، أی النساء الیتامى والصغار اللاتی لا یُؤتون ما کُتب لهنّ ویرغبون أن ینکحوهنّ .
۳ ـ المستضعفون من الوِلدان ، أی الوِلدان الصغار .
فقد أفتى فی النساء بما جاء فی هذه السوره من الأحکام .
وأمّا البنات الیتامى والوِلدان الصغار فقد أفتى فیهم بقوله : ( وَأَنْ تَقُومُوا لِلْیَتامى بِالْقِسْطِ ) .
إذا عرفت ذلک فاعلم أنّه یظهر من الآیه الرابعه أنّ القوم کانوا راغبین فی نکاح النساء الیتامى لجمالهنّ أو أموالهنّ أو لکلیهما ، من دون أن یقوموا فی حقّهم بالقسط ، فأمر سبحانه بإقامه القسط لهم حیث قال : ( وَأَنْ تَقُومُوا لِلْیَتامى بِالْقِسْطِ ) .
وبذلک تظهر صله الجزاء بالشرط حیث إنّ اللام فی قوله : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تُقْسِطُوا فِی الْیَتامى ) للعهد ، إشاره إلى یتامى النساء اللاّتی لا یُؤتونَ ما کتب لهنّ ، ویرغبون أن ینکحوهنّ ، فحثّ على أنّهم إذا خافوا من عدم القیام بوظائفهم عند تزوّجهنّ ، فعلیهم تزویج غیرهنّ ، واللّه سبحانه إذا أقفل باباً ( تزویج النساء الیتامى ) ، یفتح باباً آخر ، وهو تزویج غیرهنّ ، فأی صله أوضح من هذه الصله ؟
۳ ـ آیه التطهیر ومشکله السیاق
قوله سبحانه : ( إِنَّما یُرِیدُ اللّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرکُمْ
الصفحه ۲۲۲
تَطْهِیراً ) (۱) .
حیث وقعت بین قوله : ( وَقَرْنَ فِی بُیُوتِکُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِیه الأُولى وَأَقِمْنَ الصلاهَ وَآتینَ الزَّکاهَ وأَطِعنَ اللّهَ وَرَسُولَه … ) (۲) وقوله : ( وَاذْکُرْنَ ما یُتْلى فِی بُیُوتِکُنَّ مِنْ آیاتِ اللّهِ وَالحِکْمَهِ ) (۳) ، فهذا النوع من التعبیر آیه طروء التحریف على ترتیب الآیات .
یُلاحظ علیه :
إنّ القول بنزول الآیه فی آل الکساء لا توجد أی مشکله فی سیاقها ، شریطه الوقوف على أُسلوب البلغاء فی کلامهم وعباراتهم ، فإنّ من عادتهم الانتقال من خطاب إلى غیره ثمّ العود إلیه مرّه أُخرى .
قال صاحب المنار : إنّ من عاده القرآن أن ینتقل بالإنسان من شأن إلى شأن ثمّ یعود إلى مباحث المقصد الواحد المره بعد المره (۴) .
وقد اعترف بعض أهل السنّه بهذه الحقیقه أیضاً عند بحثه فی آیه الولایه ، حیث قال ما هذا نصه :
الأصل عند أهل السنّه أنّ الآیه تُعتبر جزءً من سیاقها إلاّ إذا وردت القرینه على أنّها جمله اعتراضیه تتعلّق بموضوع آخر على سبیل الاستثناء وهو أُسلوب من أسالیب البلاغه عند العرب جاءت فی القرآن على مستوى الإعجاز .
وقال الإمام جعفر الصادق ( علیه السَّلام ) : ( إنّ الآیه من القرآن یکون أوّلها فی شیء وآخرها فی شیء ) (۵) .
۱ ـ الأحزاب : ۳۳ ـ ۳۴ .
۲ ـ الأحزاب : ۳۳ ـ ۳۴ .
۳ ـ الأحزاب : ۳۳ ـ ۳۴ .
۴ ـ تفسیر المنار : ۲ / ۴۵۱ .
۵ ـ الکاشف : ۶ / ۲۱۷ .
الصفحه ۲۲۳
فعلى سبیل المثال ، أنّه سبحانه یقول فی سوره یوسف حاکیاً عن العزیز إنّه بعدما واجه الواقعه فی بیته قال : ( إِنَّهُ مِنْ کَیْدِکُنَّ إِنَّ کَیْدَکُنَّ عَظِیمٌ * یُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِی لِذَنْبِکِ إِنَّکِ کُنْتِ مِنَ الخاطِئینَ ) (۱) .
ترى أنّ العزیز یخاطب زوجته بقوله : ( إِنّه مِنْ کَیدِکُنَّ ) وقبل أن یفرغ من کلامه معها یخاطب یوسف بقوله : ( یُوسُفُُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ) ثمّ یرجع إلى الموضوع الأوّل ، ویخاطب زوجته بقوله : ( وَاسْتَغْفِری لِذَنْبِکِ ) فقوله : ( یُوسُفُُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ) جمله معترضه ، وقعت بین الخطابین ، والمسوِّغ لوقوعها بینهما کون المخاطب الثانی أحد المتخاصمین وکانت له صله تامه بالواقعه التی رُفعت إلى العزیز .
والضابطه الکلیه لهذا النوع من الخطاب هو وجود التناسب المقتضی للعدول من الأوّل إلى الثانی ثمّ منه إلى الأوّل ، وهی موجوده فی الآیه ، فإنّه سبحانه یخاطب نساء النبی بالعبارات التالیه :
۱ ـ ( یا نِساءَ النَّبِیّ مَنْ یَأْتِ مِنْکُنَّ بِفاحِشَه مُبَیِّنَه یُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَیْنِ ) (۲) .
۲ ـ ( یا نِساءَ النَّبِیّ لَسْتُنَّ کَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَیَتُنَّ ) (۳) .
۳ ـ ( وَقَرْنَ فِی بُیُوتِکُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلیَّهِ الأُولى ) (۴) .
فعند ذلک صحّ أن ینتقل إلى الکلام عن أهل البیت الذین أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهیراً ، وذلک لوجهین :
۱ ـ تعریفهنّ بجماعه بلغوا القمه فی الورع والتقى ، وفی النزاهه عن الرذائل
۱ ـ یوسف : ۲۸ ـ ۲۹ .
۲ ـ الأحزاب : ۳۰ و۳۲ و ۳۳ .
۳ ـ الأحزاب : ۳۰ و۳۲ و ۳۳ .
۴ ـ الأحزاب : ۳۰ و۳۲ و ۳۳ .
الصفحه ۲۲۴
والمساوئ ؛ وبذلک استحقوا أن یکونوا أُسوهً فی الحیاه وقدوهً فی العمل ، فیلزم علیهنَّ أن یقتدینَّ بهم ، ویستضیئنَّ بنورهم .
۲ ـ یعد النبی الأکرم ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) محوراً لطائفتین مجتمعتینِ حوله ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) .
الأُولى : أزواجه ونساؤه .
الثانیه : ابنته وبعلها وبنوها .
فالنبی ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) هو الرابط الذی تنتهی إلیه هاتان الطائفتان ، فإذا نظرنا إلى کلّ طائفه مجرّده عن الأُخرى ، فسوف ینقطع السیاق .
ولکن لمّا کان المحور هو النبی ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) ، واللّه سبحانه یتحدّث عمّن له صله بالنبی ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) ، فعند ذلک تتراءى الطائفتان کمجموعه واحده ، فیعطی لکلّ منها حکمها ، فیتحدّث عن نساء النبیّ ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) بقوله : ( یا أَیُّهَا النَّبِیُّ قُلْ لأَزواجِکَ ) ، ( یا نِساءَ النَّبِیُّ مَنْ یَأْتِ ) ، ( یا نساءَ النبیّ لَسْتُنَّ ) الخ .
کما أنّه تعالى یتحدّث عن الطائفه الأُخرى وهم أهل البیت بقوله : ( إِنّما یُرِیدُ اللّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُم الرجسَ ) .
فالباعث للجمع بین الطائفتین فی ثنایا آیه واحده ، إنّما هو انتساب الجمیع إلى النبی ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) وحضورهما حوله ، ولیس هناک أیّ مخالفه للسیاق .
إکمال
أثبت ما قدّمنا من الأدلّه الناصعه أنّ کتاب اللّه العزیز مصون من التحریف لم تمسّ کرامتَه یدُ التغییر ، کما ظهر ضعف ما استند إلیه القائل به ، بقی الکلام فیما ورد فی الصحاح والمسانید من سقوط آیات من الکتاب وقد تبنّاها عمر بن الخطاب وعائشه ، ففی زعم الأوّل سقطت آیات أربع ، وعلى زعم الثانیه
الصفحه ۲۲۵
سقطت واحده وهی آیه الرضاع .
والعجب أنّ أهل السنّه یتّهمون الشیعه بالقول بالتحریف ویشنّون الغاره علیهم ، وهم یروون أحادیثه فی أصح صحاحهم ومسانیدهم .
والحقّ أنّ أکابر الفریقین بریئون عن هذه الوصمه ، غیر أنّ لفیفاً من حشویه أهل السنّه ، وأخباریه الشیعه یدّعون التحریف وهم یستندون إلى روایات لا قیمه لها فی سوق الاعتبار ، ولنذکر ما رواه أهل السنّه فی کتبهم .
الآیات غیر المکتوبه
یرى ابن الخطاب أنّ آیات أربع سقطت من القرآن وهی : آیه الرجم ، وآیه الفراش ، وآیه الرغبه ، وآیه الجهاد ، والعجب أنّ الصحاح والمسانید احتفلت بنقلها ، مع أنّ نصوصها تشهد على أنّها لیست من القرآن وإن کانت مضامینها مطابقهً للشریعه ، وإلیک الآیات الأربع المزعومه :
۱ ـ آیه الرجم
خطب عمر عند منصرفه من الحج وقال : إیّاکم أن تهلکوا عن آیه الرجم یقول قائل لا نجد حدّین فی کتاب اللّه ، فقد رجم رسول اللّه ورجمنا ، والذی نفسی بیده لولا أن یقول الناس : زاد عمر فی کتاب اللّه تعالى لکتبتها : ( الشیخ والشیخه إذا زنیا فارجموهما ألبته ) فإنّا قد قرأناها (۱) .
ولفظها ینادی بأنّها لیست من القرآن ، والمضمون غیر خالٍ من الإشکال ؛ لأنّ الموضوع للرجم هو المحصن والمحصنه سواء کانا شابین أو شیخین أو مختلفین .
۱ ـ البخاری : الصحیح: ۸ / ۲۰۸ ـ ۲۱۱ .
الصفحه ۲۲۶
۲ ـ آیه الفراش
قال عمر بن الخطاب مخاطباً لأُبیَّ بن کعب : أو لیس کنّا نقرأ ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) فیما فقدنا من کتاب اللّه ، فقال أُبیّ : بلى (۱) واللفظ مع فصاحته أیضاً یأبى أن یکون من القرآن ، لکن الخلیفه زعم أنّ العباره من القرآن .
۳ ـ آیه الرغبه
روى البخاری أنّ عمر قال : ( إنّا کنّا نقرأ فیما نقرأ من کتاب اللّه أن لا ترغبوا عن آبائکم فإنّه کفر بکم أن ترغبوا عن آبائکم أو أنّ کفراً بکم أن ترغبوا عن آبائکم ) (۲) .
۴ ـ آیه الجهاد
روى السیوطی أنّ عمر قال لابن عوف : ( ألم تجد فیما أُنزل علینا وإن جاهدوا کما جاهدتم أوّل مره ؟ قال : أُسقطت فیما أُسقط من القرآن ) (۳) .
۵ ـ آیه الرضعات
روى مالک ـ فی الموطأ ـ عن عائشه کانت فیما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات یُحرّمنَ ثمّ نُسخن بـ ( خمس معلومات ) فتوفّـی رسول اللّه وهنّ فیما یقرأ من القرآن (۴) .
۱ ـ الدر المنثور : ۱ / ۱۰۶ .
۲ ـ البخاری : الصحیح : ۸ / ۲۰۸ ـ ۲۱۱ ، مسلم : الصحیح : ۴ / ۱۶۷ و ج۵/ ۱۱۶ .
۳ ـ الدر المنثور : ۱ / ۱۰۶ .
۴ ـ تنویر الحوالک : ۲ /۱۱۸ ، آخر کتاب الرضاع .
الصفحه ۲۲۷
إنّ آیتها نظیر آیات الخلیفه تأبى أن تکون من صمیم القرآن ، ولو کان لکتب فی المصاحف ، ولا وجه لإسقاطها .
روایات التحریف فی کتب الحدیث
وقد جمعها المحدّث النوری فی کتابه ( فصل الخطاب فی تحریف الکتاب ) ، والاستدلال بهذه الروایات موهون من جهات :
الأُولى : أنّها لیست متواترهً ، ولیست الکثره آیه التواتر إلاّ إذا اشترکت فی أحد المدالیل الثلاثه من المطابقه ، والتضمّن ، والالتزام ، وهذه الروایات فاقده لهذه الجهه ، ولا تهدف إلى جهه خاصه ، فتاره ناظره إلى بیان تنزیلها ، وأُخرى إلى بیان تأویلها ، وثالثه إلى بیان قراءتها ، ورابعه إلى تفسیرها ، وهذا هو الکثیر ، فحسب البعض أنّه جزء من الآیه ، مثلاً قال سبحانه : ( وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ کانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِیراً ) (۱) رواه فی ( الکافی ) أنّه قال : وإن تَلووا ( الأمر ) أو تُعرضوا ( عمّا أُمرتم به ) .
روى علی بن إبراهیم بسند صحیح عن أبی عبد اللّه ( علیه السَّلام ) قال : وقرأت عند أبی عبد اللّه ( علیه السَّلام ) : ( کُنْتُمْ خَیْرَ أُمَّه أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ) (۲) فقال أبو عبد اللّه ( علیه السَّلام ) : ( خیر أُمّه تقتلون أمیر المؤمنین والحسن والحسین ابنی علی ( علیهم السَّلام ) ؟! فقال القارئ : جُعلت فداک کیف ؟ قال : نزلت ( کُنْتُمْ خَیْرَ أئمَّه أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ) أَلا ترى مدح اللّه لهم ( تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) ) (۳) .
والاستدلال دلّ على أنّ المراد لیس کلّ الأُمّه بل بعضها بشهاده قوله
۱ ـ النساء : ۱۳۵ .
۲ ـ آل عمران : ۱۱۰ .
۳ ـ آل عمران : ۱۱۰ .
الصفحه ۲۲۸
سبحانه : ( ولْتَکُنْ مِنْکُمْ أُمَّهٌ یَدْعُونَ إِلَى الْخَیْرِ وَیَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ ) (۱) وأراد الإمام تنبیه القارئ على أن لا یغتر بإطلاق الآیه ، بل یتدبّر ویقف على مصادیقها الواقعیه ، وأنّ خیر الأُمّه هم الأئمّه وهم الأُسوه ، وأولیاء الدین ، والمخلصون من العلماء الأتقیاء ، لا کلّ الأُمّه بشهاده أنّ کثیراً منهم ارتکبوا أعمالاً إجرامیهً مشهودهً .
ویقرب من ذلک قوله سبحانه : ( وَکَذلِکَ جَعَلْناکُمْ أُمَّهً وَسَطاً لِتَکُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَیَکُونَ الرَّسُولُ عَلَیْکُمْ شَهِیداً ) (۲) ، فإنّ ظاهر الآیه أنّ کلّ الأُمّه : هم الأُمّه الوسطى ، والشعب الأمثل ، مع أنّا نجد بین الأُمّه مَن لا تُقبل شهادته على باقه بقل فی الدنیا ، فکیف تُقبل شهادته فی الآخره على سائر الأُمم ؟! وهذا یهدینا إلى أن نتأمل فی الآیه ، ونقف على أنّ الإسناد إلى الکل مجاز بعلاقه کونها راجعهً إلى أصفیاء الأُمّه وکاملیها .
یقول الإمام الصادق ( علیه السَّلام ) فی هذا الشأن : ( فإن ظننت أنّ اللّه عنى بهذه الآیه ، جمیع أهل القبله من الموحّدین ، أَفترى أنّ مَن لا تجوز شهادته فی الدنیا على صاع من تمر ، یطلب اللّهُ شهادته یوم القیامه ویقبلها منه بحضره الأُمم الماضیه ؟! کلا : لم یعنِ اللّه مثل هذا من خلقه ) (۳) .
وأنت إذا تدبّرت کتاب ( فصل الخطاب ) الذی جمع هذه الروایات ، تقف على أنّ الأکثر فالأکثر من قبیل التفسیر .
مثلاً روى العیاشی عن الإمام الصادق ( علیه السَّلام ) قال : ( نزل جبرئیل على رسول
۱ ـ آل عمران : ۱۰۴ .
۲ ـ البقره : ۱۴۳ .
۳ ـ تفسیر العیاشی : ۱ / ۶۳ ویؤیّد ذلک أنّه سبحانه قال فی حقّ بنی إسرائیل : ( وَجَعَلَکُمْ مُلُوکاً ) ( المائده / ۲۰ ) مع أنّ بعضهم کانوا ملوکاً لا کلّهم .
الصفحه ۲۲۹
اللّه ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) بعرفات یوم الجمعه فقال له : یا محمد إنّ اللّه یقرؤک السلام ، ویقول لک : ( اَلْیَومَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دینَکُمْ ـ بولایه علی بن أبی طالب ـ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتی وَرَضِیتُ لَکُمُ الإِسْلامَ دِیناً ) ) (۱) (۲) فلا شکّ أنّه بیان لسبب إکمال الدین وإتمام النعمه لا أنّه جزء من القرآن .
مع أنّ قسماً کبیراً منها یرجع إلى الاختلاف فی القراءه ، المنقوله إمّا من الأئمّه بالآحاد لا بالتواتر ، فلا حجیه فیها أوّلاً ولا مساس لها بالتحریف ثانیاً ، أو من غیرهم من القرّاء وقد أخذ قراءتهم المختلفه من مجمع البیان وهو أخذها من کتب أهل السنّه فی القراءه ، وکلّها مراسیل أوّلاً ، و الاختلاف فی القراءه غیر التحریف ثانیاً ؛ لِما عرفت من أنّها على وجه ، غیر موصوله إلى النبی ، وعلى فرض صحّه النسبه ، لا صله لها بالقرآن .
وهناک روایات ناظره إلى تأویلها وبیان مصادیقها الواقعیه ، وهی أیضاً کثیره ، أو ناظره إلى بیان شأن نزولها ، إلى غیر ذلک وبعد إخراج هذه الأقسام ، تبقى روایات آحاد لا تفید العلم ولا العمل .
الثانیه : أنّ أکثر هذه الروایات التی یبلغ عددها ۱۱۲۲حدیثاً منقول من کتب ثلاثه :
۱ ـ کتاب ( القراءات ) لأحمد بن محمد السیاری ( المتوفّـى ۲۸۶هـ ) ، الذی اتّفق الرجالیون على فساد مذهبه .
قال الشیخ : أحمد بن محمد السیاری الکاتب کان من کُتّاب آل طاهر ،
۱ ـ المائده : ۳ .
۲ ـ المصدر نفسه : ۱ / ۲۹۳ برقم ۲۱ .
الصفحه ۲۳۰
ضعیف الحدیث ، فاسد المذهب ، مجفو الروایه ، کثیر المراسیل (۱) .
۲ ـ کتاب علی بن أحمد الکوفی ( المتوفّـى ۳۵۲هـ ) الذی نص الرجالیون بأنّه کذّاب مبطل .
قال النجاشی : رجل من أهل الکوفه کان یقول : إنّه من آل أبی طالب ، وغلا فی آخر أمره وفسد مذهبه وصنّف کتباً کثیرهً ، أکثرها على الفساد ، ثمّ یقول : هذا الرجل ، تدّعی له الغلاه منازل عظیمه (۲) .
۳ ـ کتاب ( تفسیر القمی ) الذی أوضحنا حاله فی محلّه ، وقلنا : إنّه لیس للقمی ، بل قسم منه من إملاءاته على تلمیذه أبی الفضل العباس بن محمد بن العلوی ، وقسم منه مأخوذ من تفسیر أبی الجارود ، ضمّه إلیها تلمیذه ، (۳) وهو من المجاهیل ؛ لأنّ العباس بن محمد غیر معنون فی الکتب الرجالیه فهو مجهول ، کما أنّ الراوی عنه فی أوّل الکتاب یقول : ( حدّثنی أبو الفضل بن العباس ، مجهول أیضاً ، وأسوأ حالاً منهما أبو الجارود المعروف بـ ( زیاد المنذر ) فهو زیدی بتری وردت الروایه فی ذمّه فی رجال الکشی ، (۴) أَفیمکن الاعتماد على روایات هذا الکتاب ؟!
وقس على ذلک ، سائر مصادره ومنابعه التی لا یعبأ ولا یعتمد علیه .
الثالثه : أنّ هذه الروایات معارضه بأکثر منها وأوضح منها ، من حدیث الثقلین وأخبار العرض وما عن رسول اللّه ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) : ( إذا التبست علیکم الفتن فعلیکم
۱ ـ فهرست الشیخ : ۴۷ برقم ۷۰ ، رجال النجاشی : ۱ / ۲۱۱ برقم ۱۹۰ .
۲ ـ رجال النجاشی : ۲ / ۹۶ برقم ۶۸۹ .
۳ ـ لاحظ کتاب ( کلیات فی علم الرجال ) حول تقییم تفسیر القمی .
۴ ـ رجال الکشی : ۱۹۹ .
الصفحه ۲۳۱
بالقرآن فإنّه شافع مشفّع ، وماحل مصدّق ، ومَن جعله أمامه قاده إلى الجنه ، و مَن جعله خلفه ساقه إلى النار ) (۱) .
وما فی النهج (۲) حول القرآن من کلمات بدیعه لا تصدر إلاّ من سید البشر أو وصیه ، وعند التعارض یُؤخذ بالموافق لکتابه والمطابق للذکر الحکیم ، وهی الطائفه الثانیه .
الصفحه ۲۳۲

ختامه مسک
لمّا وقع کتاب ( فصل الخطاب ) ذریعهً لکل مَن یحاول اتّـهام الشیعه الإمامیه بالتحریف ، وهم منه بُرآء براءه یوسف ممّا اتُّهم به ، استدعیت من فضیله شیخنا الجلیل ( محمد هادی معرفه ) (۱) أمدَّ اللّه فی حیاته الکریمه ، أن یوضِّح لنا واقع هذا الکتاب وقیمتـه فی سوق العلم ، و المصـادر التی اعتمد المؤلّف علیها ، فتفضّل بمقال قیّم ننشره على صفحـات کتابنـا مشفوعاً بالشکر والتقدیر .
مع المحدّث النوری
فی کتابه ( فصل الخطاب )
هو : الشیخ الحسین بن محمد تقی النوری ، وُلد فی قریه ( نور ) من ضواحی بلده ( آمل ) فی مقاطعه ( مازندران ) ، فی ۱۸ ، شوال سنه ۱۲۵۴، وهاجر إلى العراق سنه ۱۲۷۸ ؛ لیواصل دراسته العلمیه فی حوزه النجف الأشرف حتى سنه ۱۲۸۴ فرجع إلى إیران ، ولم یلبث أن عاد إلى العراق عام ۱۲۸۶ وتشرّف بزیاره بیت اللّه الحرام ، وبعد مدّه ارتحل إلى سامّراء ، حیث کان محطّ رحل زعیم الأُمّه المیرزا محمد حسن الشیرازی ، الذی توفّی سنه ۱۳۱۲ وبعده بمده وفی سنه ۱۳۱۴ قفل محدّثنا النوری من سامراء ، لیأخذ من النجف الأشرف مقرّه الأخیر ، حتى
۱ ـ وشیخنا العلاّمه ( معرفه ) أحد العلماء المحقّقین فی علوم القرآن تشهد بذلک موسوعته ( التمهید فی علوم القرآن ) و قد خرجت منها سبعه أجزاء ، وله کتاب ( التفسیر والمفسّـرون ) ، نسأله سبحانه أن یمدَّ فی حیاته الکریمه .
 
الصفحه ۲۳۳
توفّاه اللّه سنه ۱۳۲۰هـ . ق .
کان محدّثنا النوری مولَعاً بجمع الأخبار وتتبّع الآثار ، وله فی ذلک مواقف مشهوده ، ومصنّفاته فی هذا الشأن معروفه .
غیر أنّ شغفه بذلک ، ربّما حاد به عن منهج الإتقان فی النقل والتحدیث ، ممّا أوجب سلبَ الثقه به أحیاناً و فی بعض ما یرویه ، ولا سیّما عند أهل التحقیق وأرباب النظر من فقهائنا الأعلام والعلماء العظام .
یقول عنه الإمام الخمینی ( قدَّس سرَّه ) : ( وهو ـ أی الشیخ النوری ـ شخص صالح متتبّع ، إلاّ أنّ اشتیاقه بجمع الضعاف والغرائب و العجائب ، وما لا یقبله العقل السلیم والرأی المستقیم ، أکثر من الکلام النافع … ) (۱) .
ویقول عنه العلاّمه البلاغی ـ شیخ العَلَمَین السید الطباطبائی صاحب تفسیر المیزان ، و الإمام الخوئی صاحب کتاب البیان ـ : ( وإنّ صاحب فصل الخطاب من المحدّثین المکثرین المجدّین فی التتبّع للشواذّ … ) (۲) .
وتساهله هذا فی جمع شوارد الأخبار ، قد حطّ من قیمه تتبّعاته الواسعه واضطلاعه بمعرفه أحادیث آل البیت ( علیهم السَّلام ) والتی کان مشغوفاً بها طیله حیاته العلمیّه .
وقد غرّته ظواهر بعض النقول غیر المعتمده ، المأثوره عن طرق الفریقین ، ممّا حسبها تعنی تحریفاً فی کتاب اللّه العزیز الحمید ، فکان ذلک ممّا أثار رغبته فی جمعها وترصیفها ، غیر مکترث بضعف الأسانید ، أو نکاره المتون ، على غِرار أهل الحشو فی الحدیث .
۱ ـ راجع : تعلیقته الکریمه على کفایه الأُصول ( أنوار الهدایه ) ، ج۱ ، ص ۲۴۵ .
۲ ـ راجع : مقدمه تفسیره آلاء الرحمن ، ص ۲۵ .
الصفحه ۲۳۴
أضف إلى ذلک زعمه : أنّه لابدّ من تنویه الکتاب بشأن الولایه صریحاً ، التی هی أهم الفرائض متغافلاً عن تصریح الإمام الصادق ( علیه السَّلام ) بأنّ ذلک قد تُرک إلى تبیین الرسول ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) کما فی سائر الفرائض وغیره من أحادیث تنفی وجود أیّ تصریح فی کتاب اللّه باسم الأئمّه ( علیهم السَّلام ) (۱) .
لکن محدّثنا النوری لم یُعر سمعه لأمثال هذه الأحادیث المضیئه ، التی تنزّه ساحه قدس القرآن عن شبهه احتمال التحریف ، وذهب فی غیاهب أوهامه ، راکضاً وراء شوارد الأخبار وغرائب الآثار ، ناشداً عن وثائق تربطه بمزعومته الکاسده .
وقد وصف الإمام البلاغی، مساعی المحدّث النوری هذه بأنّه جَهَد فی جمع الروایات وکثّر أعداد مسانیدها بأعداد المراسیل وفی جمله ما أورده ما لا یتیسّـر احتمال صدقه ، ومنها ما یؤول إلى التنافی والتعارض ، وإنّ قسماً وافراً منها ترجع إلى عده أنفار ، وقد وصف علماء الرجال کلاً منهم ، إمّا بأنّه ضعیف الحدیث فاسد المذهب مجفوّ الروایه ، وإمّا بأنّه مضطرب الحدیث والمذهب ، یُعرف حدیثه وینکر و یروی عن الضعفاء ، وإمّا بأنّه کذّاب متّهم لا یستحل أن یُروى من تفسیره حدیث و احد ، وربّما کان معروفاً بالوقف شدید العداوه للإمام علی بن موسى الرضا ( علیهما السَّلام ) ، و إمّا بأنّه کان غالیاً کذّاباً ، و إمّا بأنّه ضعیف لا یلتفت إلیه ولا یعوّل علیه و من الکذّابین ، وإمّا بأنّه فاسد الروایه یُرمى بالغلوّ .
قال ( رحمه الله ) : ومن الواضح أنّ أمثال هؤلاء لا تجدی کثرتهم شیئاً (۲) .
وهکذا تشبّث محدّثنا النوری بکل حشیش ، ونسج منواله نسجَ العنکبوت .
۱ ـ راجع صحیحه أبی بصیر( أصول الکافی : ج۱ ، ص ۲۸۶ ) .
۲ ـ مقدّمه تفسیره ( آلاء الرحمن ) ، ج۱ ، ص ۲۶ .
الصفحه ۲۳۵
أمّا کتابه الذی جمع فیه هذه الشوارد والغرائب ، وأسماه : ( فصل الخطاب فی إثبات تحریف کتاب ربّ الأرباب ) ، فقد وضعه على مقدّمات ثلاث ، واثنی عشر فصلاً ، وخاتمه .
ذکر فی المقدّمه الأُولى ، ما ورد بشأن جمع القرآن و نظمه وتألیفه ، ممّا یشیر ـ بزعمه ـ على ورود نقص أو تغییر فی نصّه الکریم .
وفی الثانیه : بیّن أنحاء التغییر الممکن حصوله فی المصحف الشریف .
وفی الثالثه : فی سرد أقوال العلماء فی ذلک ، إثباتاً أو رفضاً .
أمّا الفصول الاثنا عشر ، فقد جعلها دلائل على وقوع التحریف ، بالترتیب التالی :
۱ ـ قد وقع التحریف فی کتب السالفین ، فلابدّ أن یقع مثله فی الإسلام ، حیث تشابه الأحداث فی الغابر والحاضر .
۲ ـ إنّ أسالیب جمع القرآن فی عهد متأخر عن حیاه الرسول ، لتستدعی بطبیعه الحال أن یقع تغییر فی نصّه الشریف .
۳ ـ محاوله علماء السنَّه توجیه روایات التحریف لدیهم ، بالإنساء أو نسخ التلاوه غیر سدیده .
۴ ـ مغایره مصحف الإمام أمیر المؤمنین ( علیه السَّلام ) مع المصحف الحاضر .
۵ ـ مغایره مصحف الصحابی عبد اللّه بن مسعود مع المصحف الراهن .
۶ ـ مغایره مصحف الصحابی أُبیّ بن کعب مع المصحف الرائج .
۷ ـ تلاعب عثمان بنصوص الآیات عند جمع المصاحف وتوحیدها .
۸ ـ روایات عامّیّه رواها أهل الحشو من محدثی العامّه ، ناصّه على التحریف .
الصفحه ۲۳۶
۹ ـ إنّ أسامی أوصیاء النبی ( صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ) کانت مذکورهً فی التوراه ـ على ما رواه کعب الأحبار الیهودی ـ فلابدّ أنّها کانت مذکورهً فی القرآن ، لمسیس الحاجه إلى ذکرها فی القرآن ، أکثر ممّا فی کتب السالفین .
۱۰ ـ إنّ اختلاف القراءات ، خیر شاهد على التلاعب بنصوص الکتاب .
۱۱ ـ روایات خاصّه ، تدل دلاله بالعموم على وقوع التحریف .
۱۲ ـ روایات ناصّه على مواضع التحریف فی الکتاب .
أمّا الخاتمه ، فجعلها ردّاً على دلائل القائلین بصیانه القرآن من التحریف .

Leave A Reply

Your email address will not be published.