اعتقادنا بالمعاد والآخره

0

الفصل الثانی عشر
اعتقادنا بالمعاد والآخره
۱- العقل والأدیان دلت على وجود الآخره
معنى المعاد: الإعتقاد بعوده الإنسان وحیاته بعد موته .ومعنى الحیاه الآخره والدار الآخره: حیاه الإنسان الحیاه الخالده ، فی الجنه أو النار بعد موته .
وخلاصه الدلیل العقلی على المعاد: أن المتأمل فی خلق الإنسان وظروف حیاته یرى أنها بنیت على قوانین عمیقه متقنه ، وفیها دلالات عدیده على أنه لم یخلق للحیاه فی هذه الأرض فقط ، بل توجد له حیاه أخرى یُجزى فیها على عمله ، بالخیر خیراً وبالشر عقوبهً ، وتتحقق فیها العداله التی لم تتحقق فی دار الدنیا.
إن نظره واحده فی فظاعه الظلامات والمآسی فی حیاه البشریه، تدل على وجود مرحله ینصف فیها الذین وقعت علیهم المآسی والظلامات .
وکما أن غریزه الجوع فی أحدنا تدل على وجود مایؤکل ، فإن غریزه الخلود تدل على وجود حیاه خالده. وقد أجمعت الأدیان على وجود الحیاه الآخره ، وأن عدم وجودها ظلم یتنزه الخالق عنه عز وجل ، بل أجمعت الأدیان على أن الحیاه الدنیا صغیره جداً ، وضئیله جداً بالنسبه الى الحیاه الآخره .
قال تعالى: وَمَا هَذِهِ الْحَیَاهُ الدُّنْیَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَهَ لَهِیَ الْحَیَوَانُ لَوْ کَانُوا یَعْلَمُونَ . (العنکبوت:۶۴). وقال تعالى: تِلْکَ الدَّارُ الآخِرَهُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِینَ لا یُرِیدُونَ عُلُوًّا فِی الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَهُ لِلْمُتَّقِینَ.(القصص:۸۳).
وقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَکَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَمُؤْمِنٌ فَلَنُحْیِیَنَّهُ حَیَاهً طَیِّبَهً وَلَنَجْزِیَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا کَانُوا یَعْمَلُونَ . (النحل:۹۷ ).
وقال الله تعالى : وَمَا الْحَیَاهُ الدُّنْیَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَهُ خَیْرٌ لِلَّذِینَ یَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ .(الأنعام:۳۲).وقال تعالى: اللهُ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَیَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَیَاهِ الدُّنْیَا وَمَا الْحَیَاهُ الدُّنْیَا فِی الآخِرَهِ إِلا مَتَاعٌ . (الرعد:۲۶).
وقال تعالى: هَذَا کِتَابُنَا یَنْطِقُ عَلَیْکُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا کُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. فَأَمَّا الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَیُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِی رَحْمَتِهِ ذَلِکَ هُوَالْفَوْزُ الْمُبِینُ . وَأَمَّا الَّذِینَ کَفَرُوا أَفَلَمْ تَکُنْ آیَاتِى تُتْلَى عَلَیْکُمْ فَاسْتَکْبَرْتُمْ وَکُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِینَ.(الجاثیه:۲۹-۳۱ ).
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَهِ فَلَهُ خَیْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ یَوْمَئِذٍ آمِنُونَ.(النمل:۸۹ ).
وَإِنَّ الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ بِالآخِرَهِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاکِبُونَ. (المؤمنون:۷۴).
قُلْ سِیرُوا فِی الأَرْضِ فَانْظُرُوا کَیْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ یُنْشِئُ النَّشْأَهَ الآخِرَهَ إِنَّ اللهَ عَلَى کُلِّ شَئٍْ قَدِیرٌ . (العنکبوت:۲۰ ) .
وقال تعالى: مَنْ کَانَ یُرِیدُ الْعَاجِلَهَ عَجَّلْنَا لَهُ فِیهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِیدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ یَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَهَ وَسَعَى لَهَا سَعْیَهَا وَهُوَمُؤْمِنٌ فَأُولَئِکَ کَانَ سَعْیُهُمْ مَشْکُورًا کُلاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّکَ وَمَا کَانَ عَطَاءُ رَبِّکَ مَحْظُورًا أنْظُرْ کَیْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَهُ أَکْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَکْبَرُ تَفْضِیلاً(الإسراء:۱۸-۲۱)
وقال تعالى: وَإِنَّ کُلاً لَمَّا لَیُوَفِّیَنَّهُمْ رَبُّکَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا یَعْمَلُونَ خَبِیرٌ . (هود:۱۱۱). فَوَرَبِّکَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِینَ .عَمَّا کَانُوا یَعْمَلُونَ . (الحجر:-۹۲۹۳).

۲- لاحجه عند منکری المعاد إلا الإستبعاد !
لیس عند منکری المعاد والحیاه الآخره سواء من القدماء والمحدثین ، إلا استبعاد ذلک نفسیاً ، وأنه أمر یصعب علیهم الإیمان والیقین بوقوعه !
وقد ذکر ذلک القرآن وأجابهم، فقال تعالى: أَوَلَمْ یَرَ الآنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَهٍ فَإِذَا هُوَخَصِیمٌ مُبِینٌ . وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ یُحْیِى الْعِظَامَ وَهِیَ رَمِیمٌ .
قُلْ یُحْیِیهَا الَّذِی أَنْشَأَهَا أَوَلَ مَرَّهٍ وَهُوَبِکُلِّ خَلْقٍ عَلِیمٌ . الَّذِی جَعَلَ لَکُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ .أَوَلَیْسَ الَّذِی خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ یَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَالْخَلاقُ الْعَلِیمُ . إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَیْئًا أَنْ یَقُولَ لَهُ کُنْ فَیَکُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِی بِیَدِهِ مَلَکُوتُ کُلِّ شَئٍْ وَإِلَیْهِ تُرْجَعُونَ . (یس:۷۷-۸۳ ).
قَالُوا مَا هِیَ إِلا حَیَاتُنَا الدُّنْیَا نَمُوتُ وَنَحْیَا وَمَا یُهْلِکُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِکَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا یَظُنُّونَ . (الجاثیه:۲۴).
وَقَالُوا أَئِذَا کُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِیدًا . قُلْ کُونُوا حِجَارَهً أَوْ حَدِیدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا یَکْبُرُ فِی صُدُورِکُمْ فَسَیَقُولُونَ مَنْ یُعِیدُنَا قُلِ الَّذِی فَطَرَکُمْ أَوَلَ مَرَّهٍ فَسَیُنْغِضُونَ إِلَیْکَ رُؤُوسَهُمْ وَیَقُولُونَ مَتَى هُوَقُلْ عَسَى أَنْ یَکُونَ قَرِیبًا . یَوْمَ یَدْعُوکُمْ فَتَسْتَجِیبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِیلاً . (الإسراء:۴۹-۵۲).
وَقَالُوا أَئِذَا کُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِیدًا .أَوْ لَمْ یَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِی خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ یَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَیْبَ فِیهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا کُفُورًا . (الإسراء:۹۸-۹۹).
یَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِی الْحَافِرَهِ .أَئِذَا کُنَّا عِظَامًا نَخِرَهً قَالُوا تِلْکَ إِذًا کَرَّهٌ خَاسِرَهٌ . فَإِنَّمَا هِیَ زَجْرَهٌ وَاحِدَهٌ . فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَهِ . (النازعات:۱۰-۱۴).

۳- باب الإعتقاد فی الموت
قال الصدوق(قدس سره)تحت هذا العنوان: «قیل لأمیر المؤمنین علی (ع)صف لنا الموت ؟فقال (ع):على الخبیر سقطتم ، هو أحد ثلاثه أمور ترد علیه: إما بشاره بنعیم الأبد ، وإما بشاره بعذاب الأبد ، وإما بتحزین وتهویل وأمر مبهم لا یدری من أی الفرق هو! أما ولینا والمطیع لأمرنا فهو المبشر بنعیم الأبد ، وأما عدونا والمخالف لأمرنا فهو المبشر بعذاب الأبد، وأما المبهم أمره الذی لا یدری ما حاله ، فهو المؤمن المسرف على نفسه لایدری ما یؤول حاله ، یأتیه الخبر مبهماً مخوفاً ، ثم لن یسویه الله بأعدائنا، ویخرجه من النار بشفاعتنا.
فاعملوا وأطعیوا ولا تتکلوا ولا تستصغروا عقوبه الله ، فإن من المسرفین من لا تلحقه شفاعتنا إلا بعد عذاب ثلاث مائه ألف سنه .
وسئل الحسن بن علی (علیهما السلام) ما الموت الذی جهلوه؟ فقال(ع): أعظم سرور یرد على المؤمنین ، إذ نقلوا عن دار النکد إلى نعیم الأبد ، وأعظم ثبور یرد على الکافرین ، إذ نقلوا عن جنتهم إلى نار ، لا تبید ولا تنفد .
ولما اشتد الأمر بالحسین بن علی بن أبی طالب (علیهما السلام) : نظر إلیه من کان معه فإذا هو بخلافهم ، لأنهم إذا اشتد بهم الأمر تغیرت ألوانهم وارتعدت فرائصهم ووجلت قلوبهم ووجبت جنوبهم، وکان الحسین (ع)وبعض من معه من خواصه ، تشرق ألوانهم ، وتهدأ جوارحهم ، وتسکن نفوسهم! فقال بعضهم لبعض: أنظروا إلیه لا یبالی بالموت ! فقال لهم الحسین(ع): صبراً بنی الکرام ، فما الموت إلا قنطره تعبر بکم عن البؤس والضر إلى الجنان الواسعه والنعم الدائمه ، فأیکم یکره أن ینتقل من سجن إلى قصر ، وهؤلاء أعداؤکم کمن ینتقل من قصر إلى سجن وعذاب ألیم! إن أبی حدثنی عن رسول الله: إن الدنیا سجن المؤمن وجنه الکافر ، والموت جسر هؤلاء إلى جناتهم ، وجسر هؤلاء إلى جحیمهم ، ما کذبت ولا کُذِّبت.
وقیل لعلی بن الحسین(ع): ما الموت ؟ فقال: للمؤمن کنزع ثیاب وسخه قَمِله وفک قیود وأغلال ثقیله ، والإستبدال بأفخر الثیاب وأطیبها روائح ، وأوطأ المراکب ، وآنس المنازل . وللکافر کخلع ثیاب فاخره ، والنقل عن منازل أنیسه والإستبدال بأوسخ الثیاب وأخشنها ، وأوحش المنازل ، وأعظم العذاب !
وقیل لمحمد بن علی (ع): ما الموت ؟ فقال: هو النوم الذی یأتیکم فی کل لیله إلا أنه طویل مدته ، لا ینتبه منه إلا یوم القیامه، فمنهم من رأى فی منامه من أصناف الفرح ما لا یقدر قدره، ومنهم من رأى فی نومه من أصناف الأهوال ما لا یقدر قدره ، فکیف حال من فرح فی الموت ووجل فیه ! هذا هو الموت فاستعدوا له .
وقیل للصادق (ع): صف لنا الموت ؟ فقال : هو للمؤمنین کأطیب ریح یشمه فینعس لطیبه ، فینقطع التعب والألم کله عنه.وللکافر کلسع الأفاعی وکلدغ العقارب وأشد ! قیل: فإن قوماً یقولون هو أشد من نشر بالمناشیر وقرض بالمقاریض ورضخ بالحجاره، وتدویر قطب الأرحیه فی الأحداق؟ فقال: کذلک هو على بعض الکافرین والفاجرین ، ألا ترون منهم من یعاین تلک الشدائد ، فذلک الذی هو أشد من هذا إلا من عذاب الآخره ، فإنه أشد من عذاب الدنیا ! قیل: فما لنا نرى کافراً یسهل علیه النزع فینطفئ وهو یتحدث ویضحک ویتکلم ، وفی المؤمنین من یکون أیضاً کذلک ، وفی المؤمنین والکافرین من یقاسی عند سکرات الموت هذه الشدائد ؟
قال (ع): ما کان من راحه هناک للمؤمنین فهو عاجل ثوابه ، وما کان من شده فهو تمحیصه من ذنوبه ، لیرد إلى الآخره نقیاً نظیفاً ، مستحقاً لثواب الله لیس له مانع دونه. وما کان من سهوله هناک على الکافرین فلیوفى أجر حسناته فی الدنیا لیرد الآخره ولیس له إلا ما یوجب علیه العذاب.وما کان من شده على الکافر هناک فهو ابتداء عقاب الله عند نفاد حسناته.ذلکم بأن الله عدل لا یجور.
ودخل موسى بن جعفر(ع)على رجل قد غرق فی سکرات الموت وهو لا یجیب داعیاً ، فقالوا له: یا ابن رسول الله وددنا لو عرفنا کیف حال صاحبنا وکیف یموت؟ فقال: إن الموت هو المصفاه، یصفی المؤمنین من ذنوبهم ، فیکون آخر ألم یصیبهم کفاره آخر وزر علیهم، ویصفی الکافرین من حسناتهم فتکون آخر لذه أو نعمه أو رحمه تلحقهم هو آخر ثواب حسنه تکون لهم .
أما صاحبکم فقد نُخل من الذنوب نخلاً ، وصُفِّیَ من الآثام تصفیهً ، وخَلُص حتى نقی کما ینقى ثوب من الوسخ ، وصَلُح لمعاشرتنا أهل البیت فی دارنا دار الأبد .
ومرض رجل من أصحاب الرضا(ع)فعاده فقال: کیف تجدک ؟ فقال: لقیت الموت بعدک ، یرید به ما لقی من شده مرضه. فقال:کیف لقیته؟ فقال: ألیماً شدیداً ! فقال : مالقیته ، لکن لقیت ما ینذرک به ویعرفک بعض حاله! إنما الناس رجلان:مستریح بالموت ومستراح منه ، فجدد الإیمان بالله وبالولایه تکن مستریحاً . ففعل الرجل ذلک..والحدیث طویل أخذنا منه موضع الحاجه .
وقیل لمحمد بن علی بن موسى (علیهم السلام) : ما بال هؤلاء المسلمین یکرهون الموت ؟ فقال: لأنهم جهلوه فکرهوه ، ولو عرفوه وکانوا من أولیاء الله حقاً لأحبوه، ولعلموا أن الآخره خیر لهم من الدنیا! ثم قال: یا عبد الله ، ما بال الصبی والمجنون یمتنع من الدواء المنقی لبدنه والنافی للألم عنه؟فقال : لجهلهم بنفع الدواء. فقال: والذی بعث محمداً بالحق نبیاً ، إن من قد استعد للموت حق الإستعداد فهوأنفع لهم من هذا الدواء لهذا المتعالج ، أما إنهم لو علموا ما یؤدی إلیه الموت من النعم ، لاستدعوه وأحبوه أشد مما یستدعی العاقل الحازم الدواء لدفع الآفات واجتلاب السلامات .
ودخل علی بن محمد (علیهما السلام) على مریض من أصحابه وهو یبکی ویجزع من الموت ، فقال له:یا عبد الله تخاف من الموت لأنک لا تعرفه، أرأیتک إذا اتسخت ثیابک وتقذرت ، وتأذیت بما علیک من الوسخ والقذره ، وأصابک قروح وجرب ، وعلمت أن الغسل فی حمام یزیل عنک ذلک کله ، أما ترید أن تدخله فتغسل فیزول ذلک عنک ، أو ما تکره أن لا تدخله فیبقى ذلک علیک؟
قال : بلى یا ابن رسول الله. قال: فذلک الموت هو ذلک الحمام، وهو آخر ما بقی علیک من تمحیص ذنوبک وتنقیتک من سیئاتک ، فإذا أنت وردت علیه وجاوزته،فقد نجوت من کل غم وهم وأذى ، ووصلت إلى سرور وفرح. فسکن الرجل ونشط واستسلم ، وغمض عین نفسه ومضى لسبیله .
وسئل الحسن بن علی (علیهما السلام) عن الموت ما هو ؟ فقال: هو التصدیق بما لا یکون! إن أبی حدثنی عن أبیه عن جده عن الصادق(ع)أنه قال : إن المؤمن إذا مات لم یکن میتاً ، وإن الکافر هو المیت ، إن الله عز وجل یقول: یُخْرِجُ الْحیَّ مِنَ الْمَیِّتِ وَیُخْرِجُ الْمَیِّتَ مِنَ الْحَیِّ ، یعنی المؤمن من الکافر ، والکافر من المؤمن .
وجاء رجل إلی النبی(ص) فقال: یا رسول الله ما بالی لا أحب الموت؟ قال: ألک مال؟ قال : نعم قال: قدمته ؟ قال: لا . قال:فمن ثَمَّ لا تحب الموت !
وقال رجل لأبی ذر (رحمه الله) : ما لنا نکره الموت ؟ فقال : لأنکم عمرتم الدنیا وخربتم الآخره ، فتکرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب ! وقیل له : کیف ترى قدومنا على الله؟ قال : أما المحسن فکالغائب یقدم على أهله ، وأما المسئ فکالآبق یقدم على مولاه !قیل: فیکف ترى حالنا عند الله؟ فقال: أعرضوا أعمالکم على کتاب الله ، یقول الله تعالى : إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِی نَعِیمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِی جَحِیمٍ . قال الرجل:فأین رحمه الله؟ قال : إِنَّ رَحْمَهَ اللهِ قَرِیبٌ مِنَ الْمُحْسِنِینَ ».

۴- ما یجری على المؤمن فی حال الإحتضار
«قال الصادق(ع): ما یخرج مؤمن عن الدنیا إلا برضى منه ، وذلک أن الله تبارک وتعالى یکشف له الغطاء حتى ینظر إلى مکانه من الجنه وما أعد الله له فیها وتنصب له الدنیا کأحسن ما کانت له ، ثم یخیر فیختار ما عند الله عز وجل ویقول: ما أصنع بالدنیا وبلائها ! فلقنوا موتاکم کلمات الفرج».(الفقیه:۱/۱۳۴).
«وقال أبو جعفر (الإمام الباقر(ع)): إن آیه المؤمن إذا حضره الموت أن یبیض وجهه أشد من بیاض لونه ، ویَرْشُح جبینه ، ویسیل من عینیه کهیئه الدموع فیکون ذلک آیه خروج روحه . وإن الکافر تخرج روحه سلّا من شدقه کزبد البعیر ، کما تخرج نفس الحمار ».(الفقیه:۱/۱۳۵).
عن الإمام الصادق(ع)قال: «حضر رجلاً الموت فقیل یا رسول الله إن فلاناً قد حضره الموت ، فنهض رسول الله(ص) ومعه ناس من أصحابه حتى أتاه وهو مغمى علیه، قال فقال : یا ملک الموت کف عن الرجل حتى أسأله ، فأفاق الرجل فقال له النبی(ص) : ما رأیت؟ قال ، رأیت بیاضاً کثیراً وسواداً کثیراً ، قال: فأیهما کان أقرب إلیک ؟ فقال: السواد ، فقال النبی(ص) : قل: اللهم اغفر لی الکثیر من معاصیک واقبل منى الیسیر من طاعتک، فقال: ثم أغمی علیه فقال(ص) :یا ملک الموت خفف عنه حتى أسأله ، فأفاق الرجل فقال:ما رأیت؟قال: رأیت بیاضاً کثیراً وسواداً کثیراً ، قال: فأیهما أقرب إلیک؟ فقال: البیاض ، فقال رسول الله(ص) : غفر الله لصاحبکم !
فقال أبو عبد الله (ع):إذا حضرتم میتاً فقولوا له هذا الکلام لیقوله». (الکافی:۳/۱۲۴).
وعن الإمام الصادق(ع)قال: « قال رسول الله(ص) : قال الله عز وجل: وعزتی وجلالی لا أخرج عبداً من الدنیا وأنا أرید أن أرحمه حتى أستوفی منه کل خطیئه عملها ، إما بسقم فی جسده ، وإما بضیق فی رزقه ، وإما بخوف فی دنیاه ، فإن بقیت علیه بقیه شددت علیه عند الموت !
وعزتی وجلالی لا أخرج عبداً من الدنیا وأنا أرید أن أعذبه حتى أوفیه کل حسنه عملها ، إما بسعه فی رزقه ، وإما بصحه فی جسمه ، وإما بأمن فی دنیاه فإن بقیت علیه بقیه هونت علیه بها الموت».(الکافی:۲/۴۴۴).
وعن الإمام الصادق(ع)قال: «إذا حیل بینه وبین الکلام أتاه رسول الله(ص) ومن شاء الله ، فجلس رسول الله عن یمینه والآخر عن یساره ، فیقول له رسول الله: أما ما کنت ترجو فهوذا أمامک ، وأما ما کنت تخاف منه فقد أمنت منه ، ثم یفتح له باب إلى الجنه فیقول: هذا منزلک من الجنه فإن شئت رددناک إلى الدنیا ولک فیها ذهب وفضه ، فیقول : لا حاجه لی فی الدنیا ! فعند ذلک یبیضُّ لونه ویرشح جبینه وتقلص شفتاه وتنتشر منخراه وتدمع عینه الیسرى ، فأی هذه العلامات رأیت فاکتف بها .
فإذا خرجت النفس من الجسد فیعرض علیها کما عرض علیه وهی فی الجسد فتختار الآخره ، فتُغَسِّلُه فیمن یغسله وتُقلبه فیمن یقلبه ، فإذا أدرج فی أکفانه ووضع على سریره ، خرجت روحه تمشی بین أیدی القوم قدماً ! وتلقاه أرواح المؤمنین یسلمون علیه ویبشرونه بما أعد الله له جل ثناؤه من النعیم .
فإذا وضع فی قبره رد إلیه الروح إلى ورکیه ثم یسأل عما یعلم ، فإذا جاء بما یعلم فتح له ذلک الباب الذی أراه رسول الله(ص) فیدخل علیه من نورها وضوئها وبردها وطیب ریحها.
قال قلت: جعلت فداک فأین ضغطه القبر ؟ فقال: هیهات ماعلى المؤمنین منها شئ، والله إن هذه الأرض لتفتخر على هذه فتقول: وطأ على ظهری مؤمن ولم یطأ على ظهرک مؤمن وتقول له الأرض:والله لقد کنت أحبک وأنت تمشی على ظهری فأما إذا ولیتک فستعلم ماذا أصنع بک، فتفسح له مد بصره » (الکافی:۳ /۱۲۹).
«وقال أمیر المؤمنین(ع): إن المؤمن إذا حضره الموت وثقه ملک الموت فلولا ذلک لم یستقر! وما من أحد یحضره الموت إلا مثل له النبی(ص) والحجج صلوات الله علیهم أجمعین حتى یراهم ، فإن کان مؤمناً یراهم بحیث یحب، وإن کان غیر مؤمن یراهم بحیث یکره. قال الله تبارک وتعالى: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِینَئِذٍ تَنْظُرُونَ.وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَیْهِ مِنْکُمْ وَلَکِنْ لا تُبْصِرُونَ (الفقیه:۱/۱۳۵).
وقال المفید(قدس سره)فی أوائل المقالات/۷۳: «القول فی رؤیه المحتضرین رسول الله(ص) وأمیر المؤمنین(ع)عند الوفاه: هذا باب قد أجمع علیه أهل الإمامه وتواتر الخبر به عن الصادقین من الأئمه (علیهم السلام) وجاء عن أمیر المؤمنین(ع)أنه قال للحارث الهمدانی:
یا حارِ همدان من یمتْ یَرَنی**** من مؤمنٍ أو منافقٍ قُبَلا
«قال جمیل بن صالح: وأنشدنی أبو هاشم السید الحمیری (رحمه الله) فیما تضمنه هذا الخبر:
قول علیٍّ لحارثٍ عجبٌ**** کم ثَمَّ أعجوبهٌ لهُ حملا
یا حارِ همدان من یمتْ یَرَنی**** من مؤمنٍ أو منافقٍ قُبَلا
یعرفنی طرفُه وأعرفه**** بنعْتِهِ واسمه وما عملا
وأنت عند الصراط تعرفنی**** فلا تخفْ عثرهً ولا زللا
أسقیک من بارد على ظمأ**** تخاله فی الحلاوه العسلا
أقول للنار حین توقف للعرض**** دعیه لا تقربی الرجلا
دعیه لا تقربیه إن له**** حبلاً بحبل الوصی متصلا ».
وأمالی الطوسی/۶۲۷، ومناقب آل أبی طالب:۳/۳۴

۵- غیر الشیعه وغیر المسلمین قد یدخلون الجنه
تحصر بعض المذاهب دخول الجنه بأتباعها ، بینما یعتقد الشیعه أن الله تعالى یحاسب کل إنسان على قدر ما آتاه من العقل والمعرفه والقدرات: لا یُکَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا..لا یُکَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا کَسَبَتْ وَعَلَیْهَا مَا اکْتَسَبَتْ .
وبهذا المیزان یحاسب الخلق یوم القیامه ، کلٌّ حسب مستوى عقله ومعرفته وما وصله من هدى ربه . فلا یُجعل العالم کالجاهل ، ولا المقصر کالقاصر، ولا من عرف الحق وحجده، کالذی لم یعرفه وتصور أن رأیه صحیح وعمله صحیح . ولا یُجعل من أذنب فی حق نفسه أو حق ربه ، کمن أذنب فی حق الناس وظلمهم.. الى آخر قوانین العدل الإلهی المفصله الدقیقه .
ولذا ورد فی دعاء أمیر المؤمنین(ع)الذی علمه لکمیل بن زیاد (رحمه الله) أن الخلود فی النار للمعاندین الجاحدین للحق . (مصباح المتهجد/۸۴۸) .
وعلیه فقد یدخل الشیعی النار إذا کان ظالماً مجرماً ، فلا یتوفق لأن یموت على ولایه النبی(ص) وأهل بیته (علیهم السلام) ، فتسلب منه لمعاصیه .
وقد ید خل غیره الجنه إذا لم یبلغه الهدى ولم یجحده ، لکنه عمل بما وصل الیه عقله وإدراکه ! قال الإمام موسى بن جعفر(ع): « إن لله على الناس حجتین: حجه ظاهره وحجه باطنه ، فأما الظاهره فالرسل والأنبیاء والأئمه (علیهم السلام) ، وأما الباطنه فالعقول».(الکافی:۱ /۱۶).

۶- المساءله فی القبر وحیاه البرزخ
قال الشیخ الصدوق(قدس سره)فی الإعتقادات: «اعتقادنا فی المسأله فی القبر أنها حق لا بد منها ، فمن أجاب بالصواب فازَ بِرَوْحٍ وَرَیْحانٍ فی قبره ، وبجنه نعیمٍ فی الآخره ، ومن لم یأت بالصواب فله نُزُلٌ من حمیم فی قبره ، وتَصْلِیَهُ جحیم فی الآخره . وأکثر ما یکون عذاب القبر من النمیمه وسوء الخلق والإستخفاف بالبول ، وأشد ما یکون عذاب القبر على المؤمن مثل اختلاج العین أو شرطه حجام ، ویکون ذلک کفاره لما بقی علیه من الذنوب ، التی لم تکفرها الهموم والغموم والأمراض ، وشده النزع عند الموت ».
«عن أبی بکر الحضرمی قال: قلت لأبی جعفر (الباقر(ع)): أصلحک الله من المسؤولون فی قبورهم؟ قال: من محض الإیمان ومن محض الکفر. قال قلت: فبقیه هذا الخلق؟ قال : یُلْهَى والله عنهم ما یُعبأ بهم! قال قلت: وعم یسألون ؟ قال: عن الحجه القائمه بین أظهرکم فیقال للمؤمن: ما تقول فی فلان بن فلان؟ فیقول: ذاک إمامی ، فیقال: نم أنام الله عینک، ویفتح له باب من الجنه فما یزال یتحفه من روحها إلى یوم القیامه . ویقال للکافر: ما تقول فی فلان بن فلان؟ قال فیقول: قد سمعت به وما أدری ما هو ، فیقال له: لا دریت !قال:ویفتح له باب من النار ، فلا یزال یتحفه من حرها إلى یوم القیامه ».(الکافی:۳/۲۳۷).
فهذا عقاب الجاحد الذی عاصر الإمام(ع)ولم یؤمن به ، أو قصر فی البحث عنه .
وعن الإمام الصادق(ع)قال: « یسأل المیت فی قبره عن خمس ، عن صلاته وزکاته وحجه وصیامه وولایته إیانا أهل البیت، فتقول الولایه من جانب القبر للأربع: ما دخل فیکن من نقص فعلیَّ تمامه ».(الکافی:۳/۲۴۱).
أقول:ورد عن أهل البیت (علیهم السلام) أن الروح تکون فی شکل الجسد ، تتنعم فی الجنه أو تتعذب فی النار ، وأن الجسد یبلى إلا ذرهٌ منه ، تُزرع فی الأرض یوم المحشر ویخلق منها بدن الإنسان حسب عمله ، وتعود الیه روحه .
ففی الکافی:۳/۲۵۲، أن الإمام الصادق(ع): « سئل عن المیت یبلى جسده؟ قال: نعم حتى لا یبقى له لحم ولا عظم إلا طینته التی خلق منها فإنها لا تبلى ، تبقی فی القبر مستدیره حتى یخلق منها کما خلق أول مره »!

۷- البعث والحشر بعد الموت
قال النبی(ص) : «یا بنی عبد المطلب ، إن الرائد لا یکذب أهله. والذی بعثنی بالحق نبیاً لتموتُنَّ کما تنامون ، ولتُبْعَثُنَّ کما تستیقظون ، وما بعد الموت دار إلا جنه أو نار ». (الإعتقادات للصدوق).
وقال الله تعالى:وَنُفِخَ فِی الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِی السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِی الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِیهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِیَامٌ یَنْظُرُونَ. وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْکِتَابُ وَجِئَ بِالنَّبِیِّنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِیَ بَیْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا یُظْلَمُونَ. وَوُفِّیَتْ کُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَأَعْلَمُ بِمَا یَفْعَلُونَ.
وَسِیقَ الَّذِینَ کَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ یَأْتِکُمْ رُسُلٌ مِنْکُمْ یَتْلُونَ عَلَیْکُمْ آیَاتِ رَبِّکُمْ وَیُنْذِرُونَکُمْ لِقَاءَ یَوْمِکُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَکِنْ حَقَّتْ کَلِمَهُ الْعَذَابِ عَلَى الْکَافِرِینَ قِیلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِینَ فِیهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَکَبِّرِینَ وَسِیقَ الَّذِینَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّهِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَیْکُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِینَ.
وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِی صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّهِ حَیْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِینَ وَتَرَى الْمَلائِکَهَ حَافِّینَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ یُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِىَ بَیْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِیلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ . (الزمر:۶۸-۷۵ ).
وَنُفِخَ فِی الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ یَنْسِلُونَ.قَالُوا یَا وَیْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ کَانَتْ إِلا صَیْحَهً وَاحِدَهً فَإِذَا هُمْ جَمِیعٌ لَدَیْنَا مُحْضَرُونَ.فَالْیَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَیْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. (یس:۵۱-۵۴).
 
وفی تفسیر القمی:۲/۲۱۶، عن الإمام الباقر(ع): «فإن القوم کانوا فی القبورفلما قاموا حسبوا أنهم کانوا نیاماً، قَالُوا یَاوَیْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا، قالت الملائکه: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ».
ومعنى قوله تعالى : إِلَى رَبِّهِمْ یَنْسِلُونَ: أی یهرولون ویسرعون .(کتاب العین:۷/۲۵۷).
~ ~»

۸- الإعتقاد فی الحساب والمیزان
قال الصدوق(قدس سره)فی الإعتقادات: «اعتقادنا فیهما أنهما حق . منه ما یتولاه الله تعالى ، ومنه ما یتولاه حججه (علیهم السلام) . فحساب الأنبیاء والرسل والأئمه (علیهم السلام) یتولاه الله عز وجل، ویتولى کل نبی حساب أوصیائه ، ویتولى الأوصیاء حساب الأمم، والله تعالى هو الشهید على الأنبیاء والرسل وهم الشهداء على الأوصیاء ، والأئمه شهداء على الناس ، وذلک قوله عز وجل: ِتَکُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَیَکُونَ الرَّسُولُ عَلَیْکُمْ شَهِیدًا.وقوله عز وجل : فَکَیْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ کُلِّ أُمَّهٍ بِشَهِیدٍ وَجِئْنَا بِکَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِیدًا .
وقال عز وجل: أَفَمَنْ کَانَ عَلَى بَیِّنَهٍ مِنْ رَبِّهِ وَیَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ . والشاهد أمیر المؤمنین .وقال عز وجل: إِنَّ إِلَیْنَا إِیَابَهُمْ .ثُمَّ إِنَّ عَلَیْنَا حِسَابَهُمْ .
وسئل الصادق (ع)عن قول الله: وَنَضَعُ الْمَوَازِینَ الْقِسْطَ لِیَوْمِ الْقِیَامَهِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَیْئًا ؟ قال: الموازین الأنبیاء والأوصیاء (علیهم السلام) .
ومن الخلق من یدخل الجنه بغیر حساب، فأما السؤال فهو واقع على جمیع الخلق لقوله تعالى : فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِینَ أُرْسِلَ إِلَیْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِینَ.یعنی عن الدین.
وأما الذنب فلا یسأل عنه إلا من یحاسب، قال تعالى: فَیَوْمَئِذٍ لا یُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ، یعنی من شیعه النبی والأئمه (علیهم السلام) دون غیرهم ، کما ورد فی التفسیر . وکل محاسب معذب ، ولو بطول الوقوف، ولا ینجو من النار ولا یدخل الجنه أحد بعمله ، إلا برحمه الله تعالى.
والله تعالى یخاطب عباده من الأولین والآخرین بمجمل حساب عملهم مخاطبه واحده ، یسمع منها کل واحد قضیته دون غیرها ، ویظن أنه المخاطب دون غیره ، ولا تشغله تعالى مخاطبه عن مخاطبه ، ویفرغ من حساب الأولین والآخرین فی مقدار ساعه من ساعات الدنیا!
ویخرج الله لکل إنسان کتاباً یلقاه منشوراً ، ینطق علیه بجمیع أعماله لا یغادر صغیره ولا کبیره إلا أحصاها ، فیجعله الله حسیب نفسه والحاکم علیها ، بأن یقال له: إِقْرَأْ کِتَابَکَ کَفَى بِنَفْسِکَ الْیَوْمَ عَلَیْکَ حَسِیبًا ».
أقول: لا تنافی بین إکمال حساب البشر فی ساعه من ساعات الدنیا ، وبین مانص على طول الحساب ومواقفه وعقباته الخمسین .
قال الصدوق(قدس سره)فی الإعتقادات: «باب الإعتقاد فی العقبات التی على طریق المحشر:إعتقادنا فی ذلک أن هذه العقبات إسم کل عقبه منها على حده اسم فرض، أو أمر ، أو نهی. فمتى انتهى الإنسان إلى عقبه إسمها فرض، وکان قد قصر فی ذلک الفرض ، حبس عندها وطولب بحق الله فیها. فإن خرج منه بعمل صالح قدمه أو برحمه تدارکه ، نجا منها إلى عقبه أخرى !
فلا یزال یدفع من عقبه إلى عقبه ، ویحبس عند کل عقبه ، فیسأل عما قصر فیه من معنى اسمها، فإن سلم من جمیعها انتهى إلى دار البقاء ، فحییَ حیاه لا موت فیها أبداً ، وسعد سعاده لا شقاوه معها أبداً ، وسکن جوار الله مع أنبیائه وحججه والصدیقین والشهداء والصالحین من عباده (علیهم السلام) .
وإن حبس على عقبه فطولب بحق قصر فیه ، فلم ینجه عمل صالح قدمه ، ولا أدرکته من الله عز وجل رحمه ، زلت قدمه عن العقبه فهوى فی جهنم نعوذ بالله منها !
وهذه العقبات کلها على الصراط ، إسم عقبه منها الولایه ، یوقف جمیع الخلائق عندها فیسألون عن ولایه أمیر المؤمنین والأئمه من بعده (علیهم السلام) فمن أتى بها نجا وجاز ، ومن لم یأت بها بقی فهوى وذلک قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ . واسم عقبه منها: المرصاد ، وذلک قوله تعالى: إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصَادِ ویقول تعالى: وعزتی وجلالی لا یجوز بی ظلم ظالم!
وإسم عقبه منها: الرحم واسم عقبه منها: الأمانه. وإسم عقبه منها الصلاه . وباسم کل فرض أو أمر أو نهی عقبه یحبس عندها العبد فیسأل ».

۹- نبینا(ص) رئیس المحشر وصاحب لواء الحمد
قال الله تعالى:وَنُفِخَ فِی الصُّورِ ذَلِکَ یَوْمُ الْوَعِیدِ وَجَاءَتْ کُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِیدٌ
وَیَسْأَلُونَکَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ یَنْسِفُهَا رَبِّی نَسْفًا فَیَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا. لا تَرَى فِیهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا.یَوْمَئِذٍ یَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَ لاعِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا یَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَهُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً (طَهَ:۱۰۵-۱۰۹).
وقد وصفت الأحادیث تنظیم صفوف المحشر العظیمه ، وأن صفوف أهل الجنه منها مئه وعشرین (الإحتجاج:۱/۵۷، مجمع البیان:۷/۱۲۶، ومسند أحمد:۱/۴۵۳).
واتفقت الروایه على أن رئاسه المحشر لنبینا(ص) .
ففی الخصال/۴۱۵: «عن زید بن أرقم: قال رسول الله(ص) لعلی(ع): أعطیت فیک یا علی تسع خصال: ثلاث فی الدنیا وثلاث فی الآخره واثنتان لک وواحده أخافها علیک ، فأما الثلاثه التی فی الدنیا فإنک وصیی وخلیفتی فی أهلی وقاضی دینی ، وأما الثلاث التی فی الآخره فإنی أعطى لواء الحمد فأجعله فی یدک ، وآدم وذریته تحت لوائی ، وتعیننی على مفاتیح الجنه ، وأحکمک فی شفاعتی لمن أحببت ، وأما اللتان لک فإنک لن ترجع بعدی کافراً ولا ضالاً. وأما التی أخافها علیک فغدره قریش بک بعدی ».ونحوه أمالی الصدوق(قدس سره)/ ۴۰۳
وفی تفسیر فرات/۴۳۷، عن الإمام الصادق(ع): «قال النبی(ص) إن الله تبارک وتعالى إذا جمع الناس یوم القیامه وعدنی المقام المحمود وهو وافٍ لی به. إذا کان یوم القیامه نُصب لی منبر له ألف درجه لا کمراقیکم ، فأصعد حتى أعلو فوقه ، فیأتینی جبرئیل بلواء الحمد فیضعه فی یدی ویقول: یا محمد هذا المقام المحمود الذی وعدک الله ، فأقول لعلی: إصعد ، فیکون أسفل منی بدرجه ، فأضع لواء الحمد فی یده .ثم یأتی رضوان بمفاتیح الجنه فیقول: یا محمد هذا المقام المحمود الذی وعدک الله فیضعها فی یدی فأضعها فی حجر علی بن أبی طالب .
ثم یأتی مالک خازن النار فیقول:یا محمد هذا المقام المحمود الذی وعدک الله هذه مفاتیح النار، أدخل عدوک وعدو ذریتک وعدو أمتک النار ، فآخذها وأضعها فی حجر علی بن أبی طالب. فالنار والجنه یومئذ أسمع لی ولعلی من العروس لزوجها ، فهو قول الله تبارک وتعالى فی کتابه: أَلْقِیَا فِی جَهَنَّمَ کُلَّ کَفَّارٍ عَنِیدٍ ، ألق یا محمد ویا علی عدوکما فی النار.
ثم أقوم فأثنی على الله ثناء لم یُثْنِ علیه أحد قبلی، ثم أثنی على الملائکه المقربین ثم أثنی على الأنبیاء والمرسلین ثم أنثى على الأمم الصالحین ، ثم أجلس ، فیثنی الله ویثنی علیَّ ملائکته ، ویثنی علی أنبیاءه ورسله ، ویثنی علیَّ الأمم الصالحه . ثم ینادی مناد من بطنان العرش: یا معشر الخلائق غضوا أبصارکم حتى تمر بنت حبیب الله إلى قصرها ، فتمر فاطمه بنتی علیها ریطتان خضراوان ، حولها سبعون ألف حوراء » !

۱۰- نبینا(ص) صاحب حوض الکوثر
قال الصدوق(قدس سره): «إعتقادنا فی الحوض أنه حق ، وأن عرضه ما بین أیله وصنعاء ، وهو حوض النبی (علیهما السلام) وأن فیه من الأباریق عدد نجوم السماء ، وأن الوالی علیه یوم القیامه أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ، یسقی منه أولیاءه ، ویذود عنه أعداءه ، ومن شرب منه شربه لم یظمأ بعدها أبداً . وقال النبی(ص) :لیختلجن قوم من أصحابی دونی وأنا على الحوض ،فیؤخذ بهم ذات الشمال ، فأنادی : یا رب أصحابی! فیقال لی: إنک لا تدری ما أحدثوا بعدک».
وفی الخصال/۶۲۴، فی حدیث أمیر المؤمنین(ع)بأربع مئه باب مما یصلح للمسلم فی دینه ودنیاه :«ومن شرب منه شربه لم یظمأ بعدها أبداً ، حوضنا مترع فیه مثعبان ینصبَّان من الجنه: أحدهما من تسنیم والآخر من معین ، على حافتیه الزعفران وحصاه اللؤلؤ والیاقوت، وهو الکوثر» ونحوه أحمد:۵/۲۵۰٫

۱۱- نبینا(ص) صاحب الشفاعه فی المحشر
قال الصدوق(قدس سره)فی الإعتقادات: «اعتقادنا فی الشفاعه أنها لمن ارتضى الله دینه من أهل الکبائر والصغائر ، فأما التائبون من الذنوب فغیر محتاجین إلى الشفاعه .
وقال النبی(ص) : من لم یؤمن بشفاعتی فلا أناله الله شفاعتی.وقال (ع): لا شفیع أنجح من التوبه.والشفاعه للأنبیاء والأوصیاء (علیهم السلام) والمؤمنین والملائکه. وفی المؤمنین من یشفع فی مثل ربیعه ومضر ، وأقل المؤمنین شفاعه من یشفع لثلاثین إنساناً. والشفاعه لا تکون لأهل الشک والشرک ، ولأهل الکفر والجحود ، بل تکون للمذنبین من أهل التوحید ».
أقول: یمکن وصف الشفاعه بأنها: قاعده الإستفاده من الدرجات الإضافیه ، فالإنسان یحتاج لدخول الجنه الى ۵۱درجه مثلاً ، أی أن تغلب حسناته سیئاته ، فإذا جمع درجات إضافیه کان له حق إعطائها إلى أصدقائه الأقرب فالأقرب من النجاح، لتحقیق أفضل استفاده وأوسعها من الدرجات الإضافیه .
فشفاعه المؤمن تکون «على قدر عمله » (المناقب:۲/۱۵) وتکون لمن ارتضى الله تعالى حسب قوانین الشفاعه الحکیمه ، ولیست کالوساطات والمحسوبیات الدنیویه ، کما تصور بعض المستشرقین والمسلمین .
وکل الشفاعه یوم المحشر تکون لنبینا(ص) ، ومنه یأخذ الأنبیاء (علیهم السلام) حق الشفاعه لأممهم، ویکون المسؤول عنها الأئمه من أهل بیته(ص) .

۱۲- نصب الصراط فوق جهنم والعبور الى الجنه
روى الجمیع فی تفسیر قوله تعالى: « وَإِنْ مِنْکُمْ إِلا وَارِدُهَا کَانَ عَلَى رَبِّکَ حَتْمًا مَقْضِیًّا . ثُمَّ نُنَجِّى الَّذِینَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِینَ فِیهَا جِثِیًّا .(مریم:۷۱-۷۲) أن جسراً ینصب من أرض المحشر الى الجنه ، ویؤمر الناس بالعبور علیه ، فیعبر المؤمنون الى الجنه ، ویتساقط المجرمون من الجسر الى أماکنهم من جهنم .
«عن ابن عباس وأنس ، عن النبی(ص) قال: إذا کان یوم القیامه ونُصب الصراط على جهنم ، لم یَجُزْ علیه إلا من معه جواز فیه ولایه علی بن أبی طالب ، وذلک قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ».(المناقب:۲/۷، وأمالی الطوسی/۲۹۰).
 
وقد أورد السید المیلانی فی نفحات الأزهار(۲۰/۳۸۲) مصادر هذا الحدیث عن البیهقی والحاکم وأبی نعیم وغیرهم ، وصححه ورد نقد بعضهم لسنده ومتنه .

۱۳- مراسم دخول المؤمنین الى الجنه
یظهر أن ماء حوض الکوثر یؤثر تغییراً فی ترکیب بدن الإنسان ، ویجعله صالحاً للعبور الى الجنه ، فإذا عبر الصراط کَمَّلوا إعداده لدخول الجنه بأن یغتسل بماء عین الحیاه وغیرها من العیون التی تجعله من أهل السلامه والخلود .
وقد ورد فی تفسیر قوله تعالى: َیوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِینَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ، أن هذه الآیه لنوع خاص من الناس .
ففی الکافی(۸/۹۵) أن رسول الله(ص) سئل عن الآیه فقال:« یا علی إن الوفد لا یکون إلا رکباناً ، أولئک رجال اتقوا الله ، فأحبهم الله واختصهم ورضی أعمالهم فسماهم المتقین .ثم قال له : یا علی أما والذی فلق الحبه وبرأ النسمه إنهم لیخرجون من قبورهم ، وإن الملائکه لتستقبلهم بنوق من نوق العز ، علیها رحائل الذهب ، مکلله بالدر والیاقوت ، وجلائلها الإستبرق والسندس ، وخطمها جدل الأرجوان ، تطیر بهم إلى المحشر، مع کل رجل منهم ألف ملک من قدامه وعن یمینه وعن شماله ، یزفونهم زفاً ، حتى ینتهوا بهم إلى باب الجنه الأعظم ، وعلى باب الجنه شجره ، إن الورقه منها لیستظل تحتها ألف رجل من الناس ، وعن یمین الشجره عین مطهره مزکاه .قال: فیُسقون منها شربه فیطهر الله بها قلوبهم من الحسد ، ویسقط من أبشارهم الشعر ، وذلک قول الله عز وجل: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ، من تلک العین المطهره .
قال: ثم ینصرفون إلى عین أخرى ، عن یسار الشجره فیغتسلون فیها ، وهی عین الحیاه ، فلا یموتون أبداً !
قال: ثم یوقف بهم قدام العرش وقد سلموا من الآفات والأسقام والحر والبرد أبداً ، قال: فیقول الجبار جل ذکره للملائکه الذین معهم: أحشروا أولیائی إلى الجنه ، ولا توقفوهم مع الخلائق ، فقد سبق رضای عنهم ، ووجبت رحمتی لهم ، وکیف أرید أن أوقفهم مع أصحاب الحسنات والسیئات .
قال: فتسوقهم الملائکه إلى الجنه ، فإذا انتهوا بهم إلى باب الجنه الأعظم ضرب الملائکه الحلقه ضربه ، فتصر صریراً یبلغ صوت صریرها کل حوراء أعدها الله عز وجل لأولیائه فی الجنان ، فیتباشرون بهم إذا سمعوا صریر الحلقه ، فیقول بعضهن لبعض: قد جاءنا أولیاء الله ، فیفتح لهم الباب ، فیدخلون الجنه وتشرف علیهم أزواجهم من الحور العین والآدمیین ، فیقلن :مرحباً بکم ، فما کان أشد شوقنا إلیکم ، ویقول لهن أولیاء الله مثل ذلک !
فقال علی(ع): یا ر سول الله أخبرنا عن قول الله عز وجل: غرف مبنیه من فوقها غرف ، بماذا بنیت یا رسول الله ؟
فقال:یا علی تلک غرف بناها الله عز وجل لأولیائه بالدر والیاقوت والزبرجد، سقوفها الذهب محبوکه بالفضه ، لکل غرفه منها ألف باب من ذهب ، على کل باب منها ملک موکل به ، فیها فرش مرفوعه بعضها فوق بعض، من الحریر والدیباج بألوان مختلفه ، وحشوها المسک والکافور والعنبر ، وذلک قول الله عز وجل: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَهٍ ..
ثم وصف(ع)مجئ الملائکه رسلاً من الله تعالى لتهنئه ولی الله بدخوله الجنه ثم قال: والأنهار تجری من تحت مساکنهم ، وذلک قول الله عز وجل:تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ ، والثمار دانیه منهم وهو قوله عز وجل: وَدَانِیَهً عَلَیْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِیلاً ، من قربها منهم یتناول المؤمن من النوع الذی یشتهیه من الثمار بفیه وهو متکئ ، وإن الأنواع من الفاکهه لیقلن لولی الله : یا ولی الله کلنی قبل أن تأکل هذا قبلی!
قال:ولیس من مؤمن فی الجنه إلا وله جنان کثیره ، معروشات وغیر معروشات ، وأنهار من خمر ، وأنهار من ماء ، وأنهار من لبن ، وأنهار من عسل فإذا دعا ولی الله بغذائه أتی بما تشتهی نفسه عند طلبه الغذاء ، من غیر أن یسمى شهوته ! قال: ثم یتخلى مع إخوانه ، ویزور بعضهم بعضاً ، ویتنعمون فی جناتهم ، فی ظل ممدود فی مثل ما بین طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وأطیب من ذلک ، لکل مؤمن سبعون زوجه حوراء ، و أربع نسوه من الآدمیین . والمؤمن ساعه مع الحوراء وساعه مع الآدمیه ، وساعه یخلو بنفسه على الأرائک متکئاً ، ینظر بعضهم إلى بعض
ثم قال أبو جعفر(ع): أما الجنان المذکوره فی الکتاب فإنهن جنه عدن وجنه الفردوس وجنه نعیم وجنه المأوى ، قال: وإن لله عز وجل جناناً محفوفهً بهذه الجنان، وإن المؤمن لیکون له من الجنان ما أحب واشتهى.الخ.».وتفسیر القمی:۲/۵۳٫
وقد استفاضت أحادیث الطرفین فی وصف شجره طوبى العظیمه التی أصلها فی دار النبی وعلی وفاطمه (علیهم السلام) وفی ملک کل مؤمن غصن من طوبى هو أعز علیه من کل ما یملک ، لأنه ممیز بثماره ، وطیوره ، وأنغام حفیف أوراقه ، والثیاب التی تنبت علیه ، وکل ذلک فوق ما تشتهی الأنفس وتلذ الأعین !
ففی الکافی(۲/۲۳۹) «قال أمیر المؤمنین(ع): إن لأهل الدین علامات یعرفون بها: صدق الحدیث وأداء الأمانه ووفاء العهد وصله الأرحام ورحمه الضعفاء وقله المواتاه للنساء، وبذل المعروف وحسن الخلق وسعه الخلق واتباع العلم وما یقرب إلى الله عز وجل زلفى ، طوبى لهم وحسن مآب . وطوبى شجره فی الجنه أصلها فی دار النبی محمد(ص) ولیس من مؤمن إلا وفی داره غصن منها ، لا یخطر على قلبه شهوه شئ إلا أتاه به ، ولو أن راکبا مجداً سار فی ظلها مائه عام ما خرج منه »! والخصال/۴۸۳ ، والبحار:۸ /۱۵۱،
وفی تفسیر القمی:۲/۳۳۶ ، بسنده عن النبی(ص) : « رأیت فی الجنه شجره طوبى أصلها فی دارعلی ، وما فی الجنه قصر ولا منزل إلا وفیها فرع منها ».
وفی تفسیر فرات/۲۱۲: « ورقها وبُسْرُها برودٌ خضر ، وزهرها ریاض صفر ، وأفناءها سندس وإستبرق ، وثمرها حلل خضر ، وطعمها زنجبیل وعسل ، وبطحاءها یاقوت أحمر وزمرد أخضر ، وترابها مسک وعنبر وکافور أصفر ، وحشیشها زعفران . یتفجر من أصلها السلسبیل والرحیق و المعین.». ونحوه من مصادر السنه: الدر المنثور:۴/۶۰، وفتح الباری:۱۱/۳۶۶٫

۱۴-النعیم والخلود فی الجنه ، والخلود فی النار
قال الصدوق(قدس سره)فی الإعتقادات: «إعتقادنا فی الجنه أنها دار البقاء ودار السلامه لا موت فیها ولا هرم ، ولا سقم ، ولا مرض ، ولا آفه ، ولا زوال ، ولازمانه، ولا غم ، ولا هم ، ولا حاجه ، ولا فقر .وأنها دار الغنى ، والسعاده ، ودار المقامه والکرامه ، ولا یمس أهلها فیها نصب ، ولا یمسهم فیها لغوب ، لهم فیها ما تشتهی الأنفس وتلذ الأعین ، وهم فیها خالدون .
وأنها دارٌ أهلها جیران الله ، وأولیاؤه ، وأحباؤه ، وأهل کرامته . وهم أنواع ومراتب: منهم المتنعمون بتقدیس الله وتسبیحه وتکبیره فی جمله ملائکته.
ومنهم المتنعمون بأنواع المآکل والمشارب والفواکه والأرائک والحور العین ، واستخدام الولدان المخلدین ، والجلوس على النمارق والزرابی ، ولباس السندس والحریر. کل منهم إنما یتلذذ بما یشتهی ویرید ، على حسب ما تعلقت علیه همته ، ویعطى ما عبد الله من أجله..
واعتقادنا فی النار أنها دار الهوان ، ودار الإنتقام من أهل الکفر والعصیان ، ولا یخلد فیها إلا أهل الکفر والشرک ، وأما المذنبون من أهل التوحید فإنهم یخرجون منها بالرحمه التی تدرکهم ، والشفاعه التی تنالهم .
وروی أنه لا یصیب أحداً من أهل التوحید ألم فی النار إذا دخلوها ، وإنما تصیبهم الآلام عند الخروج منها ، فتکون تلک الآلام جزاء بما کسبت أیدیهم ، وما الله بظلام للعبید..
واعتقادنا فی الجنه والنار أنهما مخلوقتان ، وأن النبی(ص) قد دخل الجنه ، ورأى النار حین عرج به . واعتقادنا أنه لا یخرج أحد من الدنیا حتى یرى مکانه من الجنه أو من النار ، وأن المؤمن لا یخرج من الدنیا حتى ترفع له الدنیا کأحسن ما رآها ویرى، مکانه فی الآخره ، ثم یخیر فیختار الآخره ، فحینئذ تقبض روحه»
________________________________________________________________________________
المصدر :کتاب عصر الشیعه
المؤلف :الشیخ علی الکورانی

Leave A Reply

Your email address will not be published.