شبهات المنکرین للمعاد

0

الشبهات التی ینقلها الذکر الحکیم عنهم تبلغ عشر شبهات ، غیر أنّ کثیراً
منها ضئیل ، لیس له دلیل سوى البواعث التی قدّمناها ، ومع ذلک لم یترکها
القرآن بلا جواب ، إمّا مقارن لذکرها أو فی مواضع أُخرى ، وفیما یلی نذکر
رؤوس الشبهات الواهیه ، ثم نتبعها بذکر الشبهات القابله للبحث ، فنطرحها
ونناقشها.

۱ ـ لا دلیل على المعاد
یقول سبحانه : { وَإِذَا قِیلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَهُ لاَ رَیْبَ فِیهَا قُلْتُمْ مَا
نَدْرِی مَا السَّاعَهُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَیْقِنِینَ} (۱).
و قائل الشبهه یتظاهر بأنّه لا دلیل على النّشأه الأُخرى وإحیاء الموتى فیها ،
ولو کان لاتّبعه . ولم یترکه القرآن بلا جواب ، فقد أقام براهین دامغه على إمکانه
وضرورته کما سیوافیک.
ولأجل کون المعاد مقروناً بالبراهین ، یتعجّب القرآن من إنکارهم ویقول:
{ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا کُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِی خَلْقٍ جَدِیدٍ } (۲).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – سوره الجاثیه : الآیه ۳۲٫
(۲) – سوره الرعد : الآیه ۵٫
________________________________________
(۱۸۴)
۲ ـ المعاد من أساطیر الأوّلین
یقول سبحانه : { قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَکُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ
وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِیرُ الأَوَّلِینَ} (۱).
و بما أنّ الشرائع السماویه ، متّحده فی الأُصول ، وإنّما اختلافها فی الشرع
والمنهاج (۲) ، کانت الدعوه إلى المعاد موجوده فی الشرائع السالفه ، فحسبها
المشرکون أسطوره من أساطیر الأوّلین.
مع أنّ الدعوه إلى عقیده قدیمه لا یکون دلیلاً على بطلانها ، کما أنّ
استحداث عقیده لا یکون دلیلاً على صحتها ، وإنّما الضابط هو الدلیل.

۳ ـ المعاد افتراء على الله أو جنون من القول
یقول سبحانه: { وَقَالَ الَّذِینَ کَفَرُوا هَلْ نَدُلُّکُمْ عَلَى رَجُلٍ یُنَبِّئُکُمْ إِذَا
مُزِّقْتُمْ کُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّکُمْ لَفِی خَلْقٍ جَدِیدٍ * أَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ کَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّهٌ } (۳).
والمنکرون لأجل التظاهر بالحریه فی القضاء ، وابتعادهم عن العصبیه ،
فسّروا الدعوه إلى المعاد بأنّ الداعی إمّا رجلٌ غیر صالح ، افترى على الله کذباً ،
أو أنّه معذور فی هذا القول وقاصر ؛ لأنّ به جنه ، وهذا نوع من الخداع ؛ إذ
کیف صار « أمینهم » مفتریاً على الله الکذب ، ومتى کان الإنسان العاقل الذی
أثبت الزمان عقله وذکاءه ودرایته وأمانته حتى قمع أُصول الشرک عن أدیم
الجزیره ، متى کان مجنوناً؟

۴ ـ إعاده الأموات سحر
یقول سبحانه: { وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّکُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَیَقُولَنَّ الَّذِینَ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – سوره المؤمنون : الآیتان ۸۲ ـ ۸۳٫
(۲) – إشاره إلى قوله سبحانه :{ لِکُلٍّ جَعَلْنَا مِنْکُمْ شِرْعَهً وَمِنْهَاجًا } ( سوره المائده: الآیه ۴۸ ).
(۳) – سوره سبأ : الآیتان ۷ ـ ۸ .
________________________________________
(۱۸۵)
کَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِینٌ} (۱).
فقد بلغ عنادهم فی إنکار الحقیقه مبلغاً لو قام النبی معه بإحیاء الموتى
أمامهم ، ورأوه بأُمّ أعینهم ، لقالوا إنّه سحر مبین ، وإنّک سحرت أعیننا ، ولا
حقیقه لما فعلت.

۵ ـ إذا کان المعاد حقّاً فأحیوا آباءنا
یقول سبحانه :{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَیْهِمْ آیَاتُنَا بَیِّنَاتٍ مَا کَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا
ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ کُنتُمْ صَادِقِینَ} (۲).
غیر أنّ طلبهم إحیاء آبائهم لم یکن إلاّ تعلّلاً أمام دعوه النبی ، فلو قام
النبی بهذا العمل ، لطلبت کل قبیله ، بل کلّ إنسان نفس ذلک العمل من
النبی ، حتى یؤمن به ، فتنقلب الدعوه لعبه فی أیدیهم . ولأجل ذلک یضرب
القرآن عن الجواب صفحاً ، ویکتفی بقوله : { قُلِ اللَّهُ یُحْیِیکُمْ ثُمَّ یُمِیتُکُمْ ثُمَّ
یَجْمَعُکُمْ إِلَى یَوْمِ الْقِیَامَهِ لاَ رَیْبَ فِیهِ وَلَکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لاَ یَعْلَمُونَ} (۳).

۶ ـ حشر الإنسان عسیر
إنّ هذا الاعتراض وإن لم ینقل عنهم صریحاً ، ولکن یعلم من الآیات الوارده
حول المعاد ، أنّه کان أحد شبهاتهم.
یقول سبحانه فی أمر المعاد : { ذَلِکَ حَشْرٌ عَلَیْنَا یَسِیرٌ} (۴) . ویقول : { وَذَلِکَ
عَلَى اللَّهِ یَسِیرٌ} (۵). ویقول : { وَمَا أَمْرُ السَّاعَهِ إِلاَّ کَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – سوره هود : الآیه ۷٫
(۲) – سوره الجاثیه : الآیه ۲۵٫
(۳) – سوره الجاثیه : الآیه ۲۶٫
(۴) – سوره ق : الآیه ۴۴٫
(۵) – سوره التغابن : الآیه ۷٫
________________________________________
(۱۸۶)
أَقْرَبُ } (۱) .ویقول :{ وَهُوَ الَّذِی یَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ یُعِیدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَیْهِ } (۲).
وهذه الشبهه صوره خفیفه للشبهه السابعه الآتیه التی سیوافیک الجواب عنها
تفصیلاً . والإجابه عن تلک یغنی عن الإجابه عن هذه . قال أمیر المؤمنین
ـ علیه السَّلام ـ : « و ما الجلیل واللّطیف ، والثّقیل والخفیف ، والقویّ والضّعیف فی
خلقه إلاّ سواء » (3).
هذه هی شبهاتهم الضئیله الواهیه التی لا یخفى بطلانها ، وکانت لهم معها
شبهات أخرى أجدر بالبحث والتحلیل ، وهی أربع ، نذکرها أوّلاً ثم نجیب عنها
بالتفصیل.

۷ ـ إحیاء الموتى خارجٌ عن إطار القدره
یظهر من الذکر الحکیم أنّهم کانوا یعتمدون على هذه الشبهه ، ویحکیها
سبحانه بقوله : { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِیَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ یُحْیِ الْعِظَامَ وَهِیَ
رَمِیمٌ} (۴).

۸ ـ التعرف على الأجزاء الرمیمه غیر ممکن
إنّ إعاده الموتى بأعیانهم یتوقف على التعرف على أجزاء أبدانهم الرمیمه
المبعثره ، على أدیم الأرض وفی جوفها ، وفی أعماق البحار ، لیعاد جزء کل إنسان
إلى بدنه ، وهذا أمر محال.
وهذه الشبهه وإن لم یصرّح بها القرآن ، ولکن یستنبط من إجابه القرآن
علیها أنّهم کانوا یعتمدون علیها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – سوره النحل : الآیه ۷۷٫
(۲) – سوره الروم : الآیه ۲۷٫
(۳) – نهج البلاغه : الخطبه ۱۸۰٫
(۴) – سوره یس : الآیه ۷۸٫
________________________________________
(۱۸۷)
یقول سبحانه: { وَقَالَ الَّذِینَ کَفَرُوا لاَ تَأْتِینَا السَّاعَهُ قُلْ بَلَى وَرَبِّی
لَتَأْتِیَنَّکُمْ عَالِمِ الْغَیْبِ لاَ یَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّهٍ فِی السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِی الأَرْضِ وَلاَ
أَصْغَرُ مِنْ ذَلِکَ وَلاَ أَکْبَرُ إِلاَّ فِی کِتَابٍ مُبِینٍ} (۱).
فإنّ قوله : { عَالِمِ الْغَیْبِ لاَ یَعْزُبُ عَنْهُ … } یکشف عن أنّ شبهتهم
فی إمکان المعاد ، هی عدم إمکان التعرّف على أجزاء الموتى المبعثره.

۹ ـ الموت بطلان للشخصیه
وممّا کانوا یعتمدون علیه فی إنکارهم للمعاد ، هو أنّ الموت وصیروره
الإنسان عظاماً ، ثمّ تراباً ، یلازم بطلان شخصیته وانعدامها ، والمعدم لا یعاد.
ولعلّه إلى تلک الشبهه یشیر قوله تعالى : { وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِی الْأَرْضِ
أَئِنَّا لَفِی خَلْقٍ جَدِیدٍ } (۲). ویحتمل کونه إشاره إلى الشبهه التالیه.

۱۰ ـ فقدان الصله بین المبتدأ والمعاد
إذا کان الموت وصیروره الإنسان تراباً ، إعداماً للشخصیه ، فالشخصیه
المحیاه فی النشأه الأُخرى ، لاتمت إلى الأُولى بصله ، فکیف تکون إحیاء لها ؟ فإنّ
المقصود من المعاد ، إحیاء الناس لإثابتهم أو معاقبتهم ، وهو فرع وحده المعاد
والمبتدأ ، واتّحادهما ، وهو منتف ، ولعلّ الآیه السابقه ، تشیر إلى هذه الشبهه.
هذه هی شبهاتهم التی تستحق البحث ، وإلیک فیما یلی مناقشتها:
الإجابه التفصیلیه عن شبهاتهم
الاعتقاد بالمعاد اعتقاد بالغیب وإیمان به ، وهو فرع معرفه الله سبحانه ،
ومعرفه أسمائه وصفاته ، وأفعاله ، ولولا تلک المعرفه ، لما حصل الإیمان بشیء من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – سوره سبأ : الآیه ۳٫
(۲) – سوره السجده : الآیه ۱۰٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.