الکوارث ومسؤولیه المجتمع·
( ونبلوکم ): أی نمتحنکم . (بالشر والخیر): إن الشر والخیر هو ما یعتقده الإنسان شراً أو خیراً، ولیس هو الشر والخیر بالمعنى المجرد والمحض لهما، بل ما یعتبره الإنسان کذلک. فالله جل وعلا یمتحنک بما تعتبره أنت شراً، ولکن هل هو فی الحقیقه شرٌ أم لیس کذلک، هذا بحث آخر .
فالمرض – مثلاً – ابتلاء یعتبره الإنسان شراً، ولکنه فی الحقیقه لیس کذلک بالمعنى المطلق بل هو شر نسبی. فکم مرض أورث مناعه لصاحبه، وکم من مرض صغیر قاد إلى اکتشاف مرض خطیر فی جسم حامله ولولا فحوصات أجریت لعلاج المرض الصغیر لما تم اکتشاف المرض الخطیر وتدارکه .
( فتنه ): أی أن کل ما یجری علیکم إنما هو امتحان وافتتان لکم .
الامتحان یطور الفرد والأمه
إن الامتحان یمکن تصوره على معنیین: امتحان للدنیا، وامتحان للآخره. أما امتحان الدنیا فإنه من المفروض أن یؤدی إلى تطویر قدره الإنسان على مواجهه تحدیات الحیاه، وذلک عندما یشعر الإنسان أنه أصبح فی مواجهه تحدٍ ما لا بد له من التغلب علیه، والا فکیف استطاع الإنسان أن یطور وسائل الحیاه وأسالیب المعیشه ونوع السکن ووسائل التنقل الخ .. لولا أنه وجد نفسه فی حاجه إلى التغلب على التحدیات الطبیعیه التی کان یواجهها .
إن أکثر الاکتشافات والاختراعات إنما حصل استجابه لتحدیات وحاجات، فتطور علم الطب مثلاً وخاصه ما نجده الآن من تسارع فی تقدم أبحاث الهندسه الوراثیه ما کان لیحصل لولا ما واجهه الإنسان من مشاکل الأمراض ومخاطر الإصابات وکما قیل: الحاجه أم الاختراع . وکلما أصاب الإنسان خطر أو مصیبه اهتم بالتفکیر فی تجاوز ذلک الخطر وتلافی تلک المصیبه .
إننا نتصور أن الله خلق الحیاه بمشاکلها وصعوباتها حتى یبتلی هذا الإنسان فهل یفجر طاقاته ویستشیر مواهبه من أجل مواجهتها أم لا ؟
وها أنت تجد أن لدیک نوعین من الناس فی مواجهه هذه الحقیقه :
النوع الأول: الذی لا یتصدى لحل مشاکله إلا إذا ألحت علیه المشکله إلحاحاً شدیداً . وجعلته فی حال من البأساء والضراء لا یمکن تحمله، حینئذ یفکر فی حل المشکله .
النوع الثانی : هو الذی یفکر فی حل المشکله حتى قبل أن تحدث أو تتفجر، أو قل الذی یفکر بمنهج الوقایه لا العلاج ویعتقد أن [ درهم وقایه خیر من قنطار علاج ]. إن احتمال المشکله – لا وجودها فقط – هو الذی یدفعه للتفکیر فی تخطیها .
والمعنى الآخر الذی یمکن تصوره للامتحان هو أنه امتحان لتحدید مصیر الإنسان فی الآخره، ذلک أن هذه الابتلاءات تکشف جوهر القیم والعقائد التی یحملها الإنسان فی داخله تجاه خالقه، بل وتکشف معدن المثل والقناعات التی یتحلى بها تجاه هذه الابتلاءات. هل یحمل الصبر والشکر أم الکفر والجحود، هل لدیه شیء من الرضى والتسلیم أم أنه مشحون بالضجر والسخط، هل یفوض أموره کلها لله أم تراه یبحث حتى عن الشیطان حتى یخلصه، وهل أن یقینه برحمه الله وحکمته یجعلانه مطمئناً راضیاً أم غیر ذلک .
ان الإنسان لن یخلد فی هذه الحیاه، إنما خلوده فی الحیاه الأخرى (( وإن الدار الآخره لهی الحیوان لو کانوا یعلمون ))[۲] فحتى تحصل على الخلود فی جنات النعیم لا بد من مواجهه افتتان الخیر والشر بنجاح .
وقد یساعدک أیها الإنسان فی مواجهه ضغوط الحیاه أن تعلم أن ضغوطها مؤقته ولن تستمر طویلاً ثم إلى الله ترجع الأمور أی أنها (( فتنه وإلینا ترجعون )) .
کیف نواجه الکوارث
إن المشاکل والابتلاءات التی تصیب الناس أنواع :-
– فمنه ما تسببه الطبیعه بحسب نظامها وترکیبها .
– ومنه ما یتسبب به مستخدم الطبیعه ومستثمرها .
ومن قبیل الصنف الأول تلک الکوارث الطبیعیه التی تحدث بین آونه وأخرى، کالزلازل والبراکین والفیضانات، والانهیارات الرملیه أو الثلجیه والأعاصیر.. الخ
والزلزال الذی ضرب مدینه أزمیت واستنبول الترکیه مؤخراً هو واحد من تلک الکوارث، فقد راح ضحیه الزلزال أکثر من ۱۴ ألف إنسان أما المصابون فأکثر من أربعین ألف مصاب، وأما الخسائر المادیه فیکفی أن نعلم أن المبالغ المطلوبه لتغطیه الخسائر الناجمه عن الدمار والخلل فی الإنتاج وشلل الحرکه الاقتصادیه تزید عن ۲۵ بلیون دولار .
وکما تختلف مواجهه الإنسان الفرد لابتلاءاته، تختلف أیضاً مواجهه الشعوب لابتلاءاتها. وهکذا نجد فی هذا الزلزال مصداقاً آخر من مصادیق الفشل فی مواجهه الابتلاء . قبل وقوعه وبعد وقوعه .
فرغم أن ترکیا تقع على خط الزلزال إلا أنه لا الحکومه ولا الشعب الترکی کانوا مستعدین لمواجهه الکارثه. والمضحک المبکی أن الحکومه الترکیه تمثلت صراعها مع الحرکات الإسلامیه حتى فی أوج وذروه الهلع والفزع الذی عم الناس بعد الزلزال، فقد حالت الحکومه دون مبادره المؤسسات الأهلیه والاجتماعیه الإسلامیه فی المساعده فی تخفیف آثار الزلزال، لأن الحکومه لا ترید لهذه المؤسسات الإسلامیه أن تکسب رصیداً شعبیاً ومعنویاً یضاف إلى رصیدها المتنامی أصلاً، بل ترید أن تصفی حسابها معهم حتى فی مثل هذه الکارثه، حتى ولو کان الشعب الترکی الذی یفترض أن الطرفین یتنافسان لخدمته، أصبح فی هذه الحاله هو الضحیه.
أما الصنف الثانی من الکوارث فهی ما یتسبب به مستخدم الطبیعه، وما قد یمکن أن نسمیه بـ: الکوارث الصناعیه .
مثل حوادث السیارات، والقطارات والطائرات وغرق العبارات والحرائق، وحدوث الانفجارات فی مصانع السلاح وتسرب نفط الناقلات العملاقه فی البحار وغیر ذلک کثیر مما یکون سببه حدوث خلل ما یؤدی إلى وقوع تلک الکارثه فیسقط الضحایا، وتتضرر البیئه، وتنتشر الأمراض وکما حصل فی کارثه مصنع المبیدات الحشریه فی بلده (( بهوبال )) الهندیه فی ۱۷ دیسمبر ۱۹۸۴ م حینما حدث تسرب خطیر لغاز ( ایزوسیانات المیتیل ) نتیجه لخطأ فنی بسبب سوء المراقبه، ویعتبر هذا المصنع ثانی مصنع فی العالم لإنتاج هذا الغاز الشدید السمیه، وهو غاز سائل بلا لون سریع التبخر. وقد فقد الألوف بصرهم فی منطقه بهوبال البالغ عدد سکانها ۶۷۲,۰۰۰نسمه ، وقد توفی أکثر من ۲۵۰۰ شخص وأصیب أکثر من ۳۰۰۰ بأمراض خطیره !!
وکذلک کارثه تشرنوبل فی المفاعل النووی السوفیتی .
المنطقه والکوارث
من لطف الله تعالى فإنه جنب بلادنا الکثیر من الحوادث والکوارث، ولعل من أبرز ما أصاب المنطقه کارثتان:
الأولى: کارثه طبیعیه وهی الإعصار الشدید الذی حصل لیله الجمعه ۱۳/ ۳ /۱۳۴۴هـ أی قبل حوالی ۷۶ سنه، واستمر لمده نصف ساعه تقریباً، وأدى إلى سقوط آلاف النخیل والأشجار، وهدم الأکواخ وبعض المنازل، والأسوأ من ذلک غرق العشرات من الغواصین والبحارین الذین کانوا یعملون فی الغوص والملاحه البحریه، وأطلق على تلک السنه التی حصلت فیها الحادثه سنه الطبعه وأصبحت تاریخاً یؤرخ بها .
حریق القدیح الدامی
أما الکارثه الثانیه التی منیت بها المنطقه، وهی من الصنف الثانی من الکوارث فهی الحریق الدامی والمؤلم فی القدیح بتاریخ ۱۶/۴/۱۴۲۰هـ ولعله أسوأ وآلم حادث مر على المنطقه فقد وصل عدد الضحایا إلى ۷۰ شخصاً حتى الآن، أما المصابون فأکثر من ۱۵۴ شخصاً بینهم حوالی ۸۰ شخصاً إصاباتهم خطیره.
وإذا کان الذین غرقوا فی سنه الطبعه من الرجال الأشداء الأقویاء المستعدین لمکافحه الأهوال والأخطار فإن الذین قضوا نحبهم فی حریق القدیح لم یکونوا سوى نساء ضعیفات وأطفال صغار وشابات یافعات فی عمر الورود.
ولا یستطیع الإنسان فی مثل هذا المصاب الجلل إلا أن یفوض أمره إلى الله ویردد قوله تعالى ( إنا لله و إنا إلیه راجعون ) .
دروس من الکارثه
ومع هول المصاب وعظم الکارثه فلا ینبغی لنا أن نتعامل مع ما جرى فی حدود التعامل العاطفی، بل یجب علینا أخذ الدروس والعبر وأن نتعاطى مع آثار هذه الحادثه ونتائجها، بحیث نضیف إلى رصیدنا التربوی والإیمانی، ولنستفید من هذا المصاب فی مختلف الصعد والجوانب .
لقد تجلت هذه الحادثه عن الکثیر من نقاط القوه ، کما أنها لا بد وقد کشفت بعضاً من نقاط الضعف وعلینا أن نستجلی هذه النقاط حتى نتعرف على مواطن قوتنا ومواقع ضعفنا، فننمی نقاط القوه فینا ونطورها، ونعالج نقاط الضعف ونتجاوز آثارها .
تعاطف إیمانی لا یعترف بالحدود
إن أول الدروس التی کشفت عنها هذه الحادثه هو أن هناک حاله من التعاطف الإیمانی الذی یتجاوز کل حدود التجزئه السیاسیه والجغرافیه .
لقد وقعت الحادثه فی قریه من قرى المنطقه غیر أن المؤمنین فی کل مکان من الذین وصل إلیهم هذا الخبر تفاعلوا وتعاطفوا معه، وکأن الفاجعه قد ألمت بهم مباشره، فراحوا یتابعون تفاصیل الحادث لحظه بلحظه، وتوالت برقیات العلماء الکبار والمراجع العظام لأهالی القدیح ولعلماء المنطقه فی الداخل والخارج، تعزیهم فی المصاب وتعرب عن الأسى والحزن للفاجعه الألیمه.
وانهالت أیضاً برقیات العزاء وبیانات المواساه من سائر المؤمنین فی مختلف أقطار العالم، کما أقیمت مجالس العزاء والتأبین فی مناطق عدیده من العالم، و قصدت المنطقه وفود للتعزیه من البحرین والکویت وغیرهما من المناطق، فما الذی جعل کل هؤلاء الناس فی سوریا وإیران وفی لبنان وباکستان والهند وفی کل مکان من العالم، ما الذی جعلهم یتعاطفون معنا فی هذه الحادثه؟
أو لیس هو الإیمان الذی یوحد مشاعر الجمیع، أو لیس هو شعورهم بأن هؤلاء مؤمنین یماثلونهم فی العقیده والمبدأ ؟
لقد کان کل ذلک أکبر دلیل على التعاطف الإیمانی، والشعور الواحد، کما ورد فی الحدیث عن رسول الله (صلى الله علیه وآله وصحبه وسلم) : (مثل المؤمنین فی توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتکى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى)[۳].
التلاحم الوطنی
و أبرزت هذه الحادثه الألیمه تلاحماً وطنیاً رائعاً، فالمسؤولون فی الحکومه وعلى رأسهم ولی العهد الأمیر عبد الله بن عبد العزیز والذی بادر إلى تعزیه أهالی المنطقه ببیان رائع یفیض محبه وعطفاً وأصبح کالبلسم الذی آسى جراح المصابین والمنکوبین، کما أمر باتخاذ إجراءات عاجله لمعالجه المصابین، ثم توج کل تلک الألطاف الکریمه بقرار إنشاء صاله للأفراح لأهالی القدیح وتحت إشراف جمعیتهم الخیریه فجزاه الله خیراً وجعله ذخراً للشعب والوطن .
والمواطنون على مستوى المملکه کلها وباختلاف مناطقهم وقبائلهم ومذاهبهم، أبدوا تعاطفهم الکبیر، وقدموا دعمهم المادی والمعنوی للقریه المنکوبه، وقد عبر الکتاب والأدباء والصحفیون السعودیون من مختلف المناطق والتوجهات عن هذه الروح الوطنیه الوحدویه، فی کتاباتهم وقصائدهم وتحقیقاتهم الصحفیه ومتابعتهم الخبریه .
هذا التلاحم الوطنی الواسع رصید معنوی هام، یجب الحفاظ علیه وتنمیته وتطویره إلى حاله تواصل دائم یتجاوز المناطقیه والقبلیه والمذهبیه .
التکافل الاجتماعی والمؤسسات الأهلیه
وتجلى من خلال الحدث الألیم مستوى عال من التکافل الاجتماعی، حیث هب أهالی القدیح بالدرجه الأولى لیتعاملوا مع الحدث کعائله واحده، ولتصبح القریه بمختلف أسرها وطبقات ساکنیها بیتاً واحداً، وکان تعاطیهم مع مجریات الحدث واستیعابهم لمضاعفاته وإدارتهم لآثاره على درجه طیبه من التنسیق والأداء، فمحاوله الإنقاذ للمصابین ونقلهم إلى المستشفیات والتشییع الحاشد الذی حصل للضحایا ومجلس العزاء الضخم الذی أقیم فی القدیح ثم التفاف کل أبناء المنطقه حولهم واندفاعهم إلیهم منذ اللحظات الأولى للحادث وتعاون الجمیع من صفوى إلى سیهات وکل المنطقه معهم کل ذلک کشف عن درجه عالیه من التکافل الاجتماعی تنبع من عمق الإیمان، وصدق العاطفه ، ووحده المجتمع .
وکان لجمعیه مضر الخیریه[۴] فی القدیح الدور الریادی فی إداره الوضع، حیث شکلت الواجهه لأهالی القدیح، والإطار الذی تلتف حوله الجهود، وتلتقی فیه المساعی، وتنسق فیه الأعمال والخدمات، وساعد الجمعیه على القیام بأعباء هذه الأزمه وقوف سائر الجمعیات الخیریه فی المنطقه معها ووضع إمکانیاتها تحت تصرفها .
وهذا یؤکد أهمیه دور الجمعیات الخیریه کمؤسسات أهلیه رسمیه، تستطیع أن تلعب دوراً کبیراً فی خدمه المجتمع، ومواجهه مشاکل الحیاه، وأحداث الزمن.
وهنا لابد لنا أن نوجه دعوه لکل أفراد المجتمع حتى یلتفوا أکثر حول الجمعیات الخیریه الاجتماعیه فی مناطقهم ویدعمونها بالمال الرأی والدعم المعنوی .
ومن المؤسف أن تتکرر شکاوى الجمعیات بسبب انصراف الناس عن المشارکه الفاعله والجاده فی انتخابات الجمعیه، وتحمل مسؤولیاتها، وانصرافهم عن الدعم المادی، وقله عائد الاشتراکات، ومن المؤسف أیضاً أن تکون الجمعیه والنادی والمؤسسات الاجتماعیه الأخرى ماده للأحادیث السلبیه والمجالس "السوداویه" التی لا هم لها إلا البحث عن السلبیات ونقاط الضعف والأخطاء وتضخیمها والتشهیر بالأشخاص الذین یتحملون المسؤولیه فی هذه المؤسسات .
إن من یبحث عن أخطاء هذه المؤسسات ویتلمس نواقصها، علیه أن یعلم أن طبیعه العمل البشری أن ترافقه أخطاء، لأن الذین یؤدونه بشر لا ملائکه ، معرضون للخطأ ولیسوا معصومین ومعالجه أی خطأ ینبغی أن تتناسب مع مکان حدوثه ووقته وظرفه المعین، ومن کان حریصاً على تصحیح أخطاء هذه المؤسسات فذلک إنما یتم عبر التفاعل الإیجابی والمشارکه بالحضور وبالرأی وتحمل المسؤولیه ولیس بالتجریح والتهریج .
إن هذه المؤسسات ملک لنا جمیعاً، فلنسع للحفاظ علیها قویه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[۱] / سوره الأنبیاء – آیه ۳۵
[۲] / سوره العنکبوت – آیه ۶۴
[۳] / الهندی : على المتقی بن حسام الدین / کنز العمال فی سنن الاقوال والافعال / الطبعه الخامسه ۱۹۸۵م / مؤسسه الرساله – بیروت / ج۱ ص۱۴۹ حدیث رقم ۷۳۷
[۴] /تأسست جمیعه مضر الخیریه فی القدیح سنه ۱۳۸۷هـ وسجلت رسمیاً بوزاره العمل والشئون الإجتماعیه برقم (۹) لعام ۱۳۸۹هـ