النزاع والطلاق وأثرهما على الأطفال

0

یعتبر الجانب العاطفی من أعظم الجوانب فی علاقه الطفل بوالدیه، والطفل لا یمکن اعتباره فرداً عادیاً من أفراد المجتمع یمکن التعامل معه بطریقه عادیه، إنه أمانه إلهیه أودعها الله الوالدین، ولذا فإن من واجبهما قبول هذه الأمانه العظیمه وتحملهما المسؤولیه فی ذلک.

إن الزواج ومن ثم إنجاب الأطفال لا یمکن اعتباره فخراً للمرء، وإذا کان هناک ما یفتخر به فهو تربیه هؤلاء الأطفال تربیه حسنه وتقدیمها إلى المجتمع کأفراد صالحین لائقین بمقامهم کخلفاء لله فی الأرض.

ویعتبر المحیط العائلی أفضل وأعظم مدرسه لتربیه النشء حیث یتلقى فیها الأطفال أولى دروس الحیاه، فی حین یتحول سلوک الوالدین وتصرفاتهم ومواقفهم إلى نماذج ملهمه لهم ، ولذا فإن کل یوم یمر علیهم هو فی الحقیقه درس لهم ، ولذا فإن على الوالدین مراعاه هذا الجانب والابتعاد عن کل ما یسیء إلى هذا الجو ومراقبته فکریاً وأخلاقیا.

الطفوله والمحیط العائلی
یعتبر الأطفال الأسره عالمهم الکبیر ودنیاهم الواسعه حیث یسبحون فی عوالمهم الزاخره بالأمانی والأحلام الوردیه، ولذا فإن الأسره بالنسبه للطفل تعتبر القاعده الأساسیه للانطلاق نحو المستقبل، وفیها تتحدد توجهاته وترتسم ملامح شخصیته.

فإذا حصل اضطراب فی محیط الأسره انعکست آثاره مباشره فی نفس الطفل وروحه ، وما أکثر الأطفال الذین ذهبوا ضحیه للنزاعات الزوجیه، ذلک أن عدم الاستمرار والاضطراب یدمّر أول ما یدمر شعور الأطفال بالأمن ویزرع فی قلوبهم الخوف، الأمر الذی یزلزل شخصیتهم، بالتالی یعرضهم إلى الضیاع.

إن مرحله الطفوله هی أحلى وأجمل المراحل فی حیاه الإنسان، وأنه مما یدعو إلى الأسف أن یقوم الوالدان، ومن خلال نزاعاتهما، بالإساءه إلى أطفالهم والقضاء على تلک البسمات البریئه التی ترتسم على شفاههم لیحلّ محلّها القلق والخوف والضیاع.

النموذج السیئ
یتعلم الأطفال منا أولى دروس الحیاه، کما تعتبر حیاه الأسره بالنسبه لهم مدرسه یتعلمون فیها کل شیء، حیث تتراکم فی نفوسهم القیم والمواقف والمشاعر والعواطف من خلال سلوکنا وتصرفاتنا ، ولذا فإننا سنکون نماذج وأمثله یقتدون بها ویقلدونها، حتى لو حاولنا منعهم عن ذلک. وفی هذه السن الحرجه فإن الأطفال سیکونون أشبه بأجهزه تسجیل دقیقه تضبط کل أقوالنا ومواقفنا ولذا فإننا سنکون نماذج سیئه إذا أسأنا التصرف قولاً وعملاً.

إن الحیاه الزوجیه التی یسودها الاضطراب والنزاع وعدم الاستقرار ستخلق أطفالاً مضطربین ومهزوزین نفسیاً ، وفی هذه الحاله یتحمل الوالدان مسؤولیه ما ینشأ عن ذلک من أضرار فی بناء وتکوین شخصیه أبنائهم.

آلام الاضطراب
یعانی الأطفال الذین یترعرعون فی محیط مضطرب آلاماً عنیفه، فتختفی تلک النظرات البریئه والابتسامات المشرقه لیحل محلها إحساس بالحزن الممزوج بالخوف والقلق والدموع ، ولهذا یرتفع صوت الأطفال بالبکاء کلما اشتعل النزاع بین الوالدین ، إن حرکاتهم هی بمثابه استغاثه للخلاص من الخطر المحدق بهم.

إن أولى حاجات الصغار فی هذه المرحله الحساسه هی الشعور بالأمن والطمأنینه، ولهذا فهم یتلمسون خطاهم نحو المحیط الدافىء المفعم بالحنان والحب، وأن ما یثیر فزعهم ورعبهم هو رؤیتهم مظاهر العنف أو النزاع فی المنزل، الذی ینبغی أن یکون عشاً دافئاً یضمّ قلوبهم الصغیره ویلفها بالعطف والمحبه والصفاء.

إن الطفل لیشعر بالألم یعتصر قلبه لدى رؤیه والده وهو یصرخ أو لدى رؤیه أمّه وهی تنتحب ، وکم رأینا بعضهم یشکو ذلک بالرغم من سنّه الصغیره التی قد لا تتجاوز الأربع أو الخمس سنوات، ومع ذلک فهو یتمتم: لیتنی لم أکن موجوداً.. لیتنی کنت ابناً لفلان.. وغیر ذلک.

إن النزاع فی الحیاه الزوجیه هو بمثابه خنجر مسموم یطعن قلب الطفل ویسبب له آلاماً مبرحه، وعندها تنطفىء آماله وتنتهی أحلامه.

مسأله الإنفصال
قد تصل الأمور فی نظر أحد الزوجین أو کلاهما إلى الطریق المسدود ویحدث الطلاق، وعندما ینفرط عقد الأسره ویذهب کلّ فی طریقه فی حین یقف الأطفال فی مفترق الطریق لا یعرفون أین ستکون وجهتهم ومع من یذهبون ! عیونهم على الأب وقلوبهم مع الأم، وفی تلک اللحظه المشؤومه، لحظه الطلاق، یحدث ذلک التمزق العاطفی فی أعماق الأطفال.

ولا یقتصر الطلاق والانفصال بین الزوجین فقط، بل إن الأمر یتعدى إلى الأطفال أیضاً، فلا بد أن یعرف الوالدان بأن شیئاً قد مسّ العلاقه بینهما وبین أبنائهما، ولا بد أن یشعر الأب أو الأم بأن أطفالهما لم یعودا ملکاً خاصاً بهما فلکلٍّ نصیبه فی ذلک. أما الأطفال فإنهم ینتظرون لقاءهم مع الوالدین کما لو کانوا فی مهمه رسمیه، حیث تتولى المحاکم ترتیب هکذا لقاءات. ولا ینبغی أن نعتبر ذلک أمراً طبیعیاً لدى الطفل یمر دون أن یحدث آثاره فی نفسیته، بل لا بد وأن تظهر فی المستقبل.

الآثار النفسیه
لیس من الإنصاف أن یحترق الأطفال بنار نزاعاتکم، ولیس من العدل أبداً أن یشعروا بالمراره والحرمان وهم فی هذه السنّ المبکّره حیث کل شیء بالنسبه لهم هو مجرد عالم وردی جمیل وأطیاف ملوّنه.
إن الأطفال الذین ینشأون فی أسره مضطربه قلقه یسودها النزاع لا بد وأن یشبّوا مهزوزین نفسیاً، یطل من عیونهم البریئه إحساس بالرعب وشعور بالحرمان حتى لو حاول الوالدان تقدیم النصائح لهم فإن ذلک سوف یکون عدیم الجدوى.

الابتعاد عن الأم
ربما یتحمل الطفل بُعده عن والده، أما أن یجد نفسه بعیداً عن أمّه، ذلک الحضن الدافىء والصدر الحنون، فإن ذلک سیکون بالنسبه له کارثه لا یمکن تحملها أبداً ، ذلک أن الطفل یهرع إلى أحضان أمّه لدى أقل إحساس بالخطر وعندها یشعر بالأمن والطمأنینه تغمران قلبه. وعندما یواجه الطفل عدواناً ما فإنه یسرع باللجوء إلى والدته وتقدیم شکواه ضد ذلک الظلم الذی حاق به ، إذن لا یمکن للطفل أن یتحمل بُعده عن أمّه وافتقاده لحنانها ، ولو حصل ذلک جرّاء حادث ما فإنه سوف یعکس فی نفسه آثاراً وتراکمات ومضاعفات تؤثر تأثیراً بالغاً فی تکوینه الأخلاقی والروحی.

ولقد أثبتت الدراسات بأن أکثر من ۸۰% من الاضطرابات العاطفیه والنفسیه لدى الأطفال انما نشأت بسبب بعدهم أو فقدهم لأمهاتهم سواء أکان موتاً أو طلاقاً بل وحتى سفراً طویلاً.
نعم. إن المشکله الکبرى هی الطلاق، ذلک أنها تحرم الطفل من ذلک النبع الفیاض بالحب والحنان.

وإنه لنوع من الأنانیه أن یسعى کل من الزوجین إلى حل مشکلاتهما عن طریق الطلاق دون أن یحسبا أی حساب للمشاکل المعقده التی سوف تواجه أطفالهما من جرّاء ذلک.

ولا یمکن للطفل أبداً أن یغفر لوالدیه ما سبباه له من بؤس وحرمان.

الضیاع
ینشد الأطفال بطبعهم وفطرتهم المکان الآمن المفعم بالاستقرار لکی ینموا ویکبروا ، فهناک إحساس فطری بالخطر، ولذا فإنهم یجدوا الطمأنینه فی أحضان والدیهم.
أما عندما یحدث الطلاق وینفرط عقد الأسره فإنه یغمرهم إحساس بالضیاع، یجتاح تلک القلوب الصغیره، وعندها یجد الأطفال أنفسهم بلا معین وتملىء نفوسهم بمشاعر المهانه والإذلال، ذلک أن أیّاً کان من الناس لا یمکن أن یحل مکان الأم أو الأب فی رعایتهم والعطف علیهم وتربیتهم التربیه اللائقه.

وإنه نوع من القسوه عندما یقدم الزوجان على الطلاق وتدمیر ذلک العش الدافىء الذی ینعم به أطفالهم وتشریدهم هنا وهناک وتعریضهم إلى خطر الضیاع والانحراف.
إن على المرء أن لا یکون أنانیاً فی بحثه عن الراحه والاستقرار فیحل مشاکله بطریقه مدمرّه تنشأ عنها مشکلات عدیده له ولغیره ممن لم یرتکبوا ذنباً فی ذلک.

الأبوّه
ما الذی حدا بک ـ أیها الأب المحترم ـ لکی تفقد صبرک وتحملک فتقدم على الطلاق ؟ هل تظن بأن مشاکلک قد انتهت أو أنک وجدت الحلّ الجذری والنهائی لکل متاعبک ؟ أما تفکر فی المستقبل ؟ وهل أن هذه الدنیا تستأهل کل ذلک ؟ تستأهل التضحیه بأطفالک الذین تترکهم یتلقون تلک الصدمه حیارى ینظرون إلى المستقبل بعیون قلقه وقلوب خائفه.

إن الرجوله لتتناقض مع هکذا عمل، کما أن الأبوه المخلصه الحقه تتنافى معه. إنها تفترض العکس ، تفترض التضحیه والصبر من أجل حمایه الصغار وتربیتهم لکی ینشأوا رجالاً صالحین.

وأنت أیتها الأم
هل تنسجم أمومتک مع ترکک أطفالاً هم فی أمس الحاجه إلیک وإلى عطفک وحبّک. إن سمو الأمومه وعلوّ مقام الأم هو أکبر من ذلک، أکبر من جمیع الآلام والمصائب، من جمیع المحن والمتاعب ، فالأطفال ینظرون إلى أمهم کحضن دافىء ینشدون فیه کل ما ینشدونه من المحبه والعطف والحنان.

فالأم لا تغذی أطفالها اللبن فقط بل تغذیهم الحب والعاطفه، وهی مسأله تحتل الأولویه فی ذلک. وفی مقابل هذه الأهمیه وهذه المسؤولیه فإن على المرأه أن تنهض بدورها متجاوزه جمیع المشاکل والعقبات. وعلى الأم أن یکون همها الأول هو مستقبل أطفالها، فالأمومه هی المدرسه الأولى والمهمه فی تربیه الطفل وتعلیمه المبادىء والأسس التی ینطلق منها نحو المستقبل المشرق.

حدیث أخیر
وحدیثنا الأخیر هنا هو مع أولئک الذین أدّت ظروف الطلاق إلى أن یحلّوا مکان الأب أو الأم فی رعایه الصغار. علیهم ألاّ یعتبروا هؤلاء الضحایا مجرد مزاحمین.. علیهم ألاّ یفرّقوا فی معاملتهم أسوه بأبنائهم.. إنهم فی الحقیقه أمانه إلهیه فی أعناقهم.. إنهم أطفالهم، فقدوا عشهم فلجأوا إلیکم ینشدون ما افتقدوه من الدفء والحنان.
إن الله سبحانه قد أمرنا بالإحسان إلى أسرانا فی الحروب فکیف بهؤلاء الأطفال الأبریاء ؟!
إن ضربهم أو إهانتهم ستکون عمیقه الأثر فی نفوسهم الغضه وقلوبهم الطریه إنهم أمانه الله فی أعناقکم وأنتم مسؤولون عنها یوم القیامه، فأدّوا إلیهم حقوقهم فی المحبه والعطف والأمان.

Leave A Reply

Your email address will not be published.