التشیع الروحی والتشیع السیاسی
أحدهما ( التشیع الروحی ) ، والاخر ( التشیع السیاسی ) ویعتقد أن التشیع الروحی أقدم عهدا من التشیع السیاسی ( ۱) ، وأن أئمه الشیعه الامامیه – من أبناء الحسین ( علیه السلام ) قد اعتزلوا بعد مذبحه کربلاء السیاسه ، وانصرفوا الى الارشاد والعباده ، والانقطاع عن الدنیا . ـــــــــــــــــــــــــ( ۱) راجع : الصله بین التصوف والتشیع / الدکتور الشیبی / ج ۱ / ص ۱۲ . وراجع أیضا : مقدمه فی تاریخ صدر الاسلام / الدکتور عبد العزیز الدوری / ص ۷۲ . ( * )
والحقیقه أن ( التشیع ) لم یکن فی یوم من الایام منذ ولادته مجرد اتجاه روحی بحت ، وإنما ولد التشیع فی أحضان الاسلام بوصفه إطروحه مواصله الامام علی ( علیه السلام ) للقیاده بعد النبی فکریا واجتماعیا وسیاسیا على السواء کما اوضحنا سابقا عند استعراض الظروف التی ادت الى ولاده التشیع ولم یکن بالامکان بحکم هذه الظروف التی استعرضناها – أن یفصل الجانب الروحی عن الجانب السیاسی فی اطروحه التشیع تبعا لعدم انفصال احدهما عن الاخر فی الاسلام نفسه . فالتشیع إذن لا یمکن أن یتجزأ إلا إذا فقد معناه کاطروحه لحمایه مستقبل الدعوه بعد النبی ( صلى الله علیه وآله ) ، وهو مستقبل بحاجه الى المرجعیه الفکریه والزعامه السیاسیه للتجربه الاسلامیه معا . وقد کان هناک ولاء واسع النطاق للامام علی ( علیه السلام ) فی صفوف المسلمین باعتباره الشخص الجدیر بمواصله دور الخلفاء الثلاثه فی الحکم وهذا الولاء هو الذی جاء به الى السلطه عقیب مقتل الخلیفه عثمان ( ۲) ولکن هذا الولاء لیس تشیعا روحیا ولا سیاسیا ، لان التشیع یؤمن بعلی کبدیل عن الخلفاء الثلاثه وخلیفه مباشر للرسول ( صلى الله علیه وآله ) فالولاء الواسع للامام فی صفوف المسلمین اوسع نطاقا من التشیع الحقیقی الکامل ، وإن نما التشیع الروحی والسیاسی داخل إطار هذا الولاء فلا یمکن أن نعتبره مثالا على التشیع المجزأ . ــــــــــــــــــــــــ( ۲) راجع : تاریخ الطبری / ج ۲ / ص ۶۹۶ وما بعدها وراجع أیضا وصف الحاله فی خطبه الامام علی من قوله : ( فما راعنی إلا والناس کعرف الضبع الى ینثالون علی من کل جانب . . . مجتمعین حولی کربیضه الغنم ) نهج البلاغه / ضبط الدکتور صبحی الصالح / ص ۴۸ – الشقشقیه . ( * )
کما أن الامام علی ( علیه السلام ) یتمتع بولاء روحی وفکری من عدد من کبار الصحابه فی عهد أبی بکر وعمر من قبیل سلمان وأبی ذر وعمار وغیرهم ، ولکن هذا لا یعنی أیضا تشیعا روحیا منفصلا عن الجانب السیاسی بل إنه تعبیر عن إیمان اولئک الصحابه بقیاده الامام علی للدعوه بعد وفاه النبی فکریا وسیاسیا وقد انعکس إیمانهم بالجانب الفکری من هذه القیاده بالولاء الروحی المتقدم وانعکس إیمانهم بالجانب السیاسی منها بمعارضتهم لخلافه أبی بکر ( ۳) وللاتجاه الذی ادى الى صرف السلطه عن الامام الى غیره . ولم تنشأ فی الواقع النظره التجزیئیه الى التشیع الروحی بصوره منفصله عن التشیع السیاسی ولم تولد فی ذهن الانسان الشیعی ، إلا بعد أن استسلم الى الواقع ، وانطفات جذوه التشیع فی نفسه کصیغه محدده لمواصله القیاده الاسلامیه فی بناء الامه ، وإنجاز عملیه التغییر الکبیره التی بداها الرسول الکبیر ، وتحولت الى مجرد عقیده یطوی الانسان علیها قلبه ، ویستمد منها سلوته وأمله . ـــــــــــــــــــــــــــ( ۳) راجع ما نقله الطبرسی فی الاحتجاج / ج ۱ / ص ۷۵ . ( * )
وهنا نصل إلى ما یقال من أن أئمه أهل البیت ( علیهم السلام ) من أبناء الحسین ( علیه السلام ) اعتزلوا السیاسیه وانقطعوا عن الدنیا ، فتلاحظ أن التشیع بعد أن فهمناه کصیغه لمواصله القیاده الاسلامیه ، والقیاده الاسلامیه لا تعنی إلا ممارسه عملیه التغییر التی بدأها الرسول الکریم ( صلى الله علیه وآله ) بناء الامه على أساس الاسلام ، فلیس من الممکن أن نتصور تنازل الائمه عن الجانب السیاسی إلا إذا تنازلوا عن التشیع . غیر أن الذی ساعد على تصور اعتزال الائمه وتخلیهم من الجانب السیاسی من قیادتهم ، ما بدا من عدم إقدامهم على عمل مسلح ضد الوضع الحاکم مع إعطاء الجانب السیاسی من القیاده معن ضیقا لا ینطبق إلا على عمل مسلح من هذا القبیل . ولدینا نصوص عدیده عن الائمه ( علیهم السلام ) توضح أن إمام الوقت دائما کان مستعدا لخوض عمل مسلح إذا وجدت لدیه القناعه بوجود الانصار والقدره على تحقیق الاهداف الاسلامیه من وراء ذلک العلم المسلح ( ۴) . ـــــــــــــــــــــ( ۴) راجع : اصول الکافی / ج ۲ / ص ۱۹۰ – باب فی قله عدد المؤمنین / الطبعه الاسلامیه طهران / ۱۳۸۸ ه . ( * )
ونحن إذا تتبعنا سیر الحرکه الشیعیه ، نلاحظ أن القیاده الشیعیه المتمثله فی أئمه أهل البیت ، کانت تؤمن بأن تسلم السلطه وحده لا یکفی ، ولا یمکن من تحقیق عملیه التغییر إسلامیا ، ما لم تکن هذه السلطه مدعمه بقواعد شعبیه واعیه تعی أهداف تلک السلطه وتؤمن بنظریتها فی الحکم ، وتعمل فی سبیل حمایتها ، وتفسیر مواقفها للجماهیر ، وتصمد فی وجه الاعاصیر : وفی نصف القرن الاولى بعد وفاه النبی ( صلى الله علیه وآله ) کانت القیاده الشیعیه بعد إقصائها عن الحکم ، تحاول باستمرار استعاده الحکم بالطرق التی تؤمن بها ، لانها کانت تؤمن بوجود قواعد شعبیه واعیه ، أو فی طریق التوعیه من المهاجرین والانصار والتابعین باحسان ولکن بعد نصف قرن وبعد أن لم یبق من هذه القواعد الشعبیه شیء مذکور ونشأت أجبال مائعه ( ۵) فی ظل الانحراف ، لم یعد تسلم الحرکه الشیعیه للسلطه محققا للهدف الکبیر لعدم وجود القواعد الشعبیه المسانده بوعی وتضحیه وأمام هذا الواقع کان لابد من عملین : أحدهما : العمل من أجل بناء هذه القواعد الشعبیه الواعیه التی تهئ ارضیه صالحه لتسلم السلطه . وثانیهما : تحریک ضمیر الامه الاسلامیه وإرادتها والاحتفاظ للضمیر الاسلامی والاراده الاسلامیه بدرجه من الحیاه والصلابه تحصن الامه ضد التنازل المطلق عن شخصیتها وکرامتها للحکام المنحرفین . ـــــــــــــــــــــــ( ۵) راجع ما احدثته السیاسه الامویه فی اوساط الامه من نشر اللهو وإشاعه المجون وشرب الخمر ثم استخدام سیاسیه البطش والقمح ضد کل المناوئین . راجع فی هذه القضیه مروج الذهب / المعسودی / ج ۳ / ص ۲۱۴ وما بعدها . وراجع : العقد الفرید / ابن عبد ربه / ج ۵ / ص ۲۰۰ – ۲۰۲ . وراجع : الاغانی / أبی الفرج الاصفهانی / ج ۷ / ص ۶ وما بعدها طبعه دار الفکر بیروت / ط ۱ / ۱۴۰۷ ه وراجع : حول عبث الامویین فی الاموال : العداله الاجتماعیه فی الاسلام / سید قطب . ( * )
والعمل الاول هو الذی مارسه الائمه ( علیهم السلام ) بانفسهم ، والعمل الثانی ، هو الذی مارسه ثائرون علویون کانوا بحاولون بتضحیاتهم الباسله أن یحافظوا على الضمیر الاسلامی والاراده الاسلامیه وکان الائمه ( علیهم السلام ) یسندون المخلصین منهم . قال الامام علی بن موسى الرضا للمأمون وهو یحدثه عن زید ابن علی الشهید : ( أنه کان من علماء آل محمد ، غضب لله تعالى فجاهد أعداءه ، حتى قتل فی سبیله ، ولقد حدثنی ابی موسى بن جعفر أنه سمع أباه جعفر بن محمد یقول : رحم الله عمی زیدا ، إنه دعا الى الرضا من آل محمد ، ولو ظفر لو فی بما دعا إلیه . . . إن زید بن علی لم یدع ما لیس له بحق ، وإنه کان أتقى لله من ذلک ، انه قال : ادعوکم الى الرضا من آل محمد ( صلى الله علیه وآله ) ( ۶) . وفی روایه انه ذکر بین یدی الامام الصادق من خرج من آل محمد ، فقال : ( لا أزال أنا وشیعتی بخیر ما خرج الخارجی من آل محمد ، ولوددت أن الخارجی من آل محمد خرج وعلی نفقه عیاله ) ( ۷) . ـــــــــــــــــــــــ( ۶) وسائل الشیعه / للحر العاملی / تحقیق عبد الکریم الشیرازی / ج ۱۱ / ص ۳۹ / ط ۵ / المکتبه الاسلامیه – طهران / ۱۴۰۱ ه ( الشهید ) . وراجع الطبعه المحققه / موسسه آل البیت / قم ج ۱۵ / ص ۵۴ کتاب الجهاد . ( ۷) السرائر / لابن ادریس / ج ۳ / ص ۵۶۹ الروایه عن أبی عبد الله السیاری عن رجل من الاصحاب / مؤسسه النشر الاسلامی / قم ( الشهید ) . ( * )
فترک الائمه إذن العمل المسلح بصوره مباشره ضد الحکام المنحرفین لم یکن یعنی تخلیهم عن الجانب السیاسی من قیادتهم وانصرفهم الى العباده ، وإنما یعبر عن اختلاف صیغه العمل الاجتماعی التی تحددها الظروف الموضوعیه ، وعن إدراک معمق لطبیعه العمل التغییری وأسلوب تحقیقه .