السر فی انتشار المذاهب السنیه
وعلى سبیل المثال ، فإن لیث بن سعد کان صدیق مالک بن أنس وکان أعلم منه وأفقه کما اعترف بذلک الشافعی (۱) .
ولکن مذهبه انقرض وفقهه ذاب واندرس لأن السلطه لم تکن عنه راضیه.
وقال أحمد بن حنبل : کان ابن أبی ذؤیب أفضل من مالک بن أنس إلا أنآ مالکاً أشد تنقیه للرجال (۲) .
____________
(۱) مناقب الشافعی ص ۵۲۴ .
(2) تذکره الحفاظ ج ۱ ص ۱۷۶ .
وإذا راجعنا التاریخ ، فإننا نجد مالکاً صاحب المذهب قد تقرب إلى السلطه والحکام وسالمهم ومشى فی رکابهم ، فأصبح بذلک الرجل المهاب والعالم المشهور ، وانتشر مذهبه بوسائل الترهیب والترغیب خصوصاً فی الأندلس حیث عمل تلمیذه یحیى بن یحیى على موالاه حاکم الأندلس ، فأصبح من المقربین وأعطاه الحاکم مسؤولیه تعیین القضاه فکان لا یولی على القضاء إلا أصحابه من المالکیه فقط .
کذلک نجد أن سبب انتشار مذهب أبی حنیفه بعد موته هو أن أبا یوسف والشیبانی وهما من أتباع أبی حنیفه ومن أخلص تلامیذه ، کانا فی نفس الوقت من أقرب المقربین لهارون « الرشید » الخلیفه العباسی ، وقد کان لهما الدور الکبیر فی تثبیت ملکه وتأییده ومناصرته ، فلم یسمح هارون « الجواری والمجون » لأحد أن یتولى القضاء والفتیا إلا بعد موافقتهما .
فلم ینصبا قاضیاً إلا إذا کان على مذهب أبی حنیفه ، فصار أبو حنیفه أعظم العلماء ومذهبه أعظم المذاهب الفقهیه المتبعه ، رغم أن علماء عصره کفروه وأعتبروه زندیقاً ، ومن هؤلاء الإمام أ؛مد بن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعری .
کما أن المذهب الشافعی انتشر وقوی بعدما کاد یندرس ، وذلک عندما أیدته السلطه الغاشمه ، وبعدما کانت مصر کلها شیعه فاطمیه ، انقلبت إلى شافعیه فی عهد صلاح الدین الأیوبی الذی قتل الشیعه وذبحهم ذبح النعاج .
کما أن المذهب الحنبلی ما کان لیعرف لولا تأیید السلطات العباسیه فی عصر المعتصم عندما تراجع ابن حنبل عن قوله بخلق القرآن ولمع نجمه فی عهد المتوکل « الناصبی » .
وقوی وانتشر عندما أبدت السلطات الاستعماریه الشیخ محمد بن عبد الوهاب فی القرن الماضی وتعامل هذا الأخیر مع آل سعود فأیدوه فوراً وناصروه وعملوا على نشر مذهبه فی الحجاز والحزیره العربیه.
وأصبح المذهب الحنبلی یعود إلى ثلاثه أئمه أولهم أحمد بن حنبل الذی لم یکن یدعی بأنه فقیهاً ، وإنما کان من أهل الحدیث ، ثم ابن تیمیه الذی لقبوه بشیخ الإسلام ومجدد « السنه » والذی کفره علماء عصره لأنه حکم على کل المسلمین بالشرک لأنهم یتبرکون ویتوسلون بالنبی (صلى الله علیه وآله) ، ثم جاء فی القرن الماضی محمد بن عبد الوهاب صنیعه الاستعمار البریطانی فی الشرق الأوسط ، فعمل هو الآخر على تجدید المذهب الحنبلی بما أخذه من فتاوى ابن تیمیه ، وأصبح أحمد بن حنبل فی خبر کان إذ أن المذهب عندهم الیوم یسمى المذهب الوهابی .
ومما لا شک فیه أن أنتشار تلک المذاهب وشهرتها وعلو شأنها کان بتأیید ومبارکه الحکام .
ومما لا شک فیه أیضاً بأن أولئک الحکام کلهم بدون استثناء کانوا یعادون الائمه من أهل البیت لشعورهم الدائم بأن هؤلاء یهددون کیانهم وزوال ملکهم ، فکانوا یعملون دائماً على عزلهم عن الأمه وتصغیر شأنهم وقتل من یتشیع لهم .
فبدیهی أن ینصب أولئک الحکام بعض العلماء المتزلفین إلیهم والذین یفتونهم بما یتلاءم مع حکمهم ووجودهم ، وذلک لحاجه الناس المستمره لوجود الحلول فی المسائل الشرعیه .
ولما کان الحکام فی کل العصور لا یعرفون من الشریعه شیئاً ولا یفهمون الفقه ، فکان لابد أن ینصبوا عالماً باسمهم یفتی ، ویموهون على الناس بأن السیاسه شیء والدین شیء آخر .
فکان الخلیفه الحاکم هو رجل السیاسه والفقیه رجل الدین کما یفعل ذلک الیوم رئیس الجمهوریه فی کل البلاد الإسلامیه ، فتراه یعین أحد العلماء المقربین یسمیه مفتی الجمهوریه أو أی عنوان آخر یعبر عن ذلک ، ویکلفه بالنظر فی مسائل الفتیا والعبادات والشعائر الدینیه .
ولکنه فی الحقیقه لیس لهذا الرجل أن یفتی أو یحکم إلا بما تملیه علیه السلطه وما یرضی الحاکم ، أو على الأقل ما لا یتعارض وسیاسه الحکومه وتنفیذ مشاریعها .
وهذا الظاهره برزت فی الحقیقه من عهد الخلفاء الثلاثه أبو بکر وعمر وعثمان ، فهم وإن لم یفرقوا بین الدین والدوله إلا أنهم أعطوا أنفسهم حق التشریع بما یتماشى ومصالح الخلافه وضمان هیبتها واستمرارها .
ولما کان لهؤلاء الخلفاء الثلاثه حضور مع النبی (صلى الله علیه وآله) وصحه فقد أخذوا عنه بعض السنن التی لا تتعارض مع سیاستهم .
فإن معاویه لم یدخل الإسلام إلا فی السنه التاسعه للهجره على أشهر الروایات الصحیحه ، فلم یصحب النبی إلا قلیلاً ولم یعرف من سنته شیئاً یذکر ، فاضطر إلى تعیین أبی هریره وعمرو بن العاص وبعض الصحابه الذین کلفهم بالإفتاء على ما یریده .
واتبع بنو أمیه العباس بعده هذه « السنه الحمیده » أو هذه البدعه الحسنه ، فکل حاکم جلس إلى جانبه قاضی القضاه المکلف بدوره بتعیین القضاه الذین یراهم صالحین للدوله ویعملون على دعمها وتأییدها .
وما علیک بعد ذلک إلا أن تعرف ماهیه أولئک القضاه الذین یغضبون ربهم فی إرضاء سیدهم وولی نعمتهم الذی نصبهم .
وتفهم بعد ذلک السر فی أبعاد الأئمه المعصومین من العتره الطاهره فلا تجد منهم أحداً وعلى مر العصور عینوه من قبلهم أو نصبوه قاضیاً أو قلدوه وسام الإفتاء .
وإذا أردنا مزید التجقیق حول کیفیه انتشار المذاهب « السنیه » الأربعه بواسطه الحکام ، فلما أن یأخذ لذلک مثالاً واحداً من خلال کشف الستار عن مذهب الإمام مالک الذی یعد من أکبر المذاهب وأعظمها قدراً وأوسعها فقهاً ، فقد اشتهر مالک بالخصوص بالموطأ الذی کتبه بنفسه ویقال عند أهل السنه بأنه أصح الکتب بعد کتاب الله ، وهناک بعض العلماء الذین یقدمونه ویفضلونه على صحیح البخاری.
کما أن شهره مالک فاقت کل الحدود ، حتى قیل : « أیفتى ومالک فی المدینه » ؟ ولقبوه بإمام دار الهجره .
ولا یفوتا أن نذکر بأن مالکاً أفتى بحرمه بیعه الإکراه فضربه جعفر بن سلیمان والی المدینه سبعین سوطاً .
وهذا ما یحتج به المالکیه دائماً على معاداه مالک للسلطه وهو غیر صحیح إذ ان الذین رووا هذه القصه ، هم أنفسهم الذین رووا ما بعدها ، فإلیک البیان والتفصیل .
قال ابن قتیبه : « وذکروا أنه لما بلغ أبا جعفر المنصور ضرب مالک بن أنس وما أنزل به جعفر بن سلیمان ، أعظم ذلک إعظاماً شدیداً وأنکره ولم یرضه ، وکتب بعزل جعفر بن سلیمان عن المدینه وأمر أن یؤتى به إلى بغداد على قتب .
ثم کتب إلى مالک بن أنیس لیستقدمه إلى نفسه ببغداد ، فأبى مالک ، وکتب إلى أبی جعفر یستعفیه من ذلک ویعتذر له بعض العذر إلیه ، فکتب أبو جعفر إلیه أن وافنی بالموسم العام القابل إن شاء الله فإنى خارج إلى الموسم » (1) .
فإذا کان أمیر المؤمنین أبو جعفر المنصور الخلیفه العباسی یعزل ابن عمه جعفر بن سلیمان بن العباس عن ولایه المدینه من أجل ضرب مالک فهذا یبعث على الشک والتأمل .
إذ أن ضرب جعفر بن سلیمان لمالک لم یکن إلا لتأیید خلافه ابن عمه وتدعیم ملکه وسلطانه ، فکان الواجب على أبی جعفر المنصور إکرام الوالی وترقیته ، لا عزله وإهانته بتلک الطریقه ، فقد عزله وأمر بإقدامه على شر حال مکبلاً بالأغلال على قتب ، ثم یبعث الخلیفه بنفسه اعتذاره إلى مالک لکی یسترضیه ! إنه أمر عجیب !
ویفهم من ذلک بأن والی المدینه جعفر بن سلیمان تصرف الحمقى الذین لا یعرفون من السیاسه ودهائها شیئاً ، ولم یفهم بأن مالکاً هو عمده الخلیفه ورکیزته فی الحرمین الشریفین ، وإلا ما کان لیعزل ابن عمه من الولایه لأنه ضرب مالکاً الذی استحق ذلک من أجل فتواه بحرمه بیعه الإکراه .
____________
(۱) تاریخ الخلفاء لابن قتیبه ج ۲ ص ۱۴۹ .
وهذا ما یقع الیوم أیضاً بین ظهرانینا وأمام أعیننا عندما یحاول بعض الولاه إهانه شخص ما وسجنه لتدعیم هیبه الدوله وسلامه أمنها ، فإذا بذلک الشخص یکشف عن هویته وإذا به من أقارب السید الوزیر أو من معارف زوجه الرئیس فإذا بالوالی قد أعفی من منصبه ودعی لمهام أخرى قد لا یعرفها حتى الوالی نفسه .
وهذا یذکرنی بحادثه وقعت زمن الاحتلال الفرنسی للبلاد التونسیه ، فکان شیخ الطریقه العیساویه وجماعته یضربون البنادیر ویرفعون أصواتهم بالمدائح فی اللیل مروراً ببعض الشوارع وحتى یصلوا إلى محل الحضره کما هی عادتهم .
وبمرورهم أمام مسکن ضابط الشرطه الفرنسی ، خرج إلیهم هذا الأخیر مغضباً فکسر بنادیرهم وفرق جمعهم ، لأنهم لم یعملوا بقانون احترام الجار والتزام الهدوء بعد العاشره لیلاً .
ولما علم المراقب المدنی بالحادثه وهو بمثابه الوالی عندنا ، غضب غضباً شدیداً على ضابط الشرطه فعزله من منصبه وأعطاه ثلاثه أیام لمغادره مدینه قفصه ، ثم استدعى شیخ الطریقه العیساویه واعتذر إلیه باسم الحکومه الفرنسیه ، واسترضاه بأموال کثیره کی یشتری بها بنادیر وأثاثاً جدیداً ویعوض کل ما کسر لهم .
وعندما سأله أحد المقربین إلیه لماذا فعل کل ذلک ؟ أجابه بأن الأفضل لنا أن یتلهى هؤلاء الوحوش بضرب البنادیر وینشغلوا بالشطحات وأکل العقارب وإلا سوف یتفرغوا لنا ویأکلونا نحن لأنا غاصبین حقوقهم .
ونعود إلى الإمام مالک لنستمع إلیه یروی بنفسه کیف کان لقاؤه بالخلیفه أبی جعفر المنصور .
لقاء مالک مع أبی جعفر المنصور
هذه الروایه التی یرویها ابن قتیبه المؤرخ الکبیر فی کتابه تاریخ الخلفاء منقوله عن مالک نفسه ، فلابد من هذه الملاحظه وأخذها بعین الاعتبار .
قال مالک : لما صرت بمنى أتیت السرادقات ، فأذنت بنفسی ، فأذن لی ، ثم خرج إلی الآذن من عنده فأدخلنی ، فقلت للأذن : إذا انتهیت بی إلى القبه التی یکون فیها أمیر المؤمنین فأعلمنی ، فمر بی من سرادق إلى سرادق ، ومن قبه إلى أخرى ، فی کلها أصناف من الرجال بأیدیهم السیوف المشهوره والأجزره المرفوعه ، حتى قال لی الآذن : هو فی تلک القبه ، ثم ترکنی الأذن وتأخر عنی .
فمشیت حتى انتهیت إلى القبه التی هو فیها ، فإذا هو قد نزل عن مجلسه الذی یکون فیه إلى البساط الذی دونه ، وإذا هو قد لبس ثیاباً قصده لا تشبه ثیاب مثله تواضعاً لدخولی علیه ، ولیس معه فی القبه إلا قائم على رأسه بسیف صلیت .
فلما دنوت منه ، رحب بی وقرب ، ثم قال : ها هنا إلی فأومیت للجلوس فقال : ها هنا ، فلم یزل یدنینی حتى أجلسنی إلیه ولصقت رکبتی برکبتیه .
ثم کان أول ما تکلم به أن قال : والله الذی لا إله إلا هو یا أبا عبد الله ما أمرت بالذی کان ولا علمته قبل أن یکون ، ولا رضیته إذ بلغنی ( یعنی الضرب ) .
قال مالک : فحمدت الله تعالى على کل حال وصلیت على الرسول (صلى الله علیه وآله) ، ثم نزهته عن الأمر بذلک والرضا به ، ثم قال : یا أبا عبد الله ، لا یزال أهل الحرمین بخیر ما کنت بین أظهرهم ، وإنی أخالک أمانا لهم من عذاب الله وسطوته ولقد دفع الله بک عنهم وقعه عظیمه ، فإنهم ما علمت أسرع الناس إلى الفتن وأضعفهم عنها ، قاتلهم الله أنى یؤفکون .
وقد أمرت أن یؤتى بعدو الله (۱) من المدینه على قتب ، وأمرت بضیق مجلسه والمبالغه فی امتهانه ، ولابد أن أنزل به من العقوبه أضعاف ما نالک منه .
فقلت له : عافى الله أمیر المؤمنین ، وأکرم مثواه ، قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله (صلى الله علیه وآله) ثم منک .
قال أبو جعفر : وأنت فعفى الله عنک ووصلک .
قال مالک : ثم فاتحنی فیمن مضى من السلف والعلماء ، فوجدته أعلم الناس بالناس ، ثم فاتحنی فی العلم والفقه ، فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا علیه ، وأعرفهم بما اختلفوا فیه ، حافظاً لما روی واعیاً لما سمع .
ثم قال لی : یا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه ، ودون منه کتبا ، وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس ، وشواذ عبد الله بن مسعود ، واقصد إلى أواسط الأمور ، وما اجتمع علیه الأئمه والصحابه (رضی الله عنهم ) ، لنحمل الناس إن شاء الله على علمک وکتبک ونبثها فی الأمصار ، ونعهد إلیهم أن لا یخالفوها ولا یقضوا سواها .
فقلت له : أصلح الله الأمیر ، إن أهل العراق لا یرضون علمنا ولا یرون فی عملهم رأینا .
فقال أبو جعفر : یحملون علیه ونضرب علیه هاماتهم بالسیف ونقطع طی ظهورهم بالسیاط ، فتعجل بذلک وضعها فسیأتیک محمد المهدی ابنی العام القابل إن شاء الله إلى المدینه لیسمعها منک ، فیجدک وقد فرغت من ذلک إن شاء الله .
____________
(۱) یقصد ابن عمه جعفر بن سلیمان بن العباس والیه على المدینه .
قال مالک : فبینما نحن قعود إذ طلع بنی له صغیر من قبه بظهر القبه التی کنا فیها ، فلما نظر إلی الصبی فزع ثم تقهقر فلم یتقدم ، فقال له أبو جعفر : تقدم یا حبیبی إنما هو أبو عبد الله فقیه أهل الحجاز ، ثم التفت إلی فقال : یا أبا عبد الله أتدری لم فزع الصبی ولم یتقدم ؟ فقلت : لا !
فقال : والله استنکر قرب مجلسک منی إذ لم یر به أحداً غیرک قط ، فلذلک تقهقر .
قال مالک : ثم أمر لی بألف دینار عیناً ذهباً ، وکسوه عظیمه ، وأمر لابنی بألف دینار ، ثم استأذنته فأذن لی ، فقمت فودعنی ودعا لی ، ثم مشیت منطلقاً ، فلحقنی الخصی بالکسوه فوضعها على منکی وکذلک یفعلون بمن کسوه وإن عظم قدره ، فیخرج بالکسوه على الناس فیحملها ثم یسلمها إلى غلامه .
فلما وضع الخصی الکسوه على منکبی انحنیت عنها بمنکبی کراهه احتمالها ، تبرؤا من ذلک .
فناداه أبو جعفر : بلغها رحل أبی عبد الله … إنتهی (۱) .
تعلیق لابد منه لفائده البحث والتحقیق
یلاحظ المتتبع لهذه المقابله الودیه التی جمعت بین الإمام مالک والخلیفه الجائر أبی جعفر المنصور ، ومن خلال المحاوره التی دارت بینهما نستنتج الأمور التالیه :
* أولاً : نلاحظ بأن الخلیفه العباسی عزل والیه على المدینه وهو ابن عمه وأقرب الناس إلیه ، وأهانه الإهانه بعد عزله ، ثم یعتذر للإمام مالک عما صدر عنه ویقسم بالله أنه لم یکن بأمره ولا بعلمه ولم یرضه عندما بلغه .
کل ذلک یدل على الوفاق التام الذی کان بین الرجلین ، والمکانه التی کان یحظى بها الإمام مالک عند أبی جعفر المنصور ، إلى درجه أنه یستقبله على انفراد بلباس داخلی ، ویجلسه مجلساً لم یجلس فیه أحد قط حتى ان ابن الخلیفه فزع وتقهقر عندما رأى رکبتی مالک لاصقه برکبتی أبیه .
____________
(۱) تاریخ الخلفاء لابن قتیبه الجزء الثانی ص ۱۵۰ .
* ثانیاً : نستفید من قول المنصور لمالک : لا یزال أهل الحرمین بخیر ما کمنت بین أظهرهم ، وإنک أمان لهم من عذاب الله وإن الله دفع بک عنهم وقعه عظیمه ، بأن أهل الحرمین أرادوا الثوره على الخلیفه وحکمه الظالم فهداهم الإمام مالک وأحمد ثورتهم ببعض الفتاوى کالقول بوجوب الطاعه لله ورسوله وأولی الأمر ( وهو الحاکم ) وبذلک استکان الناس وهدأوا فلم بقتالهم الخلیفه ، ودفع الله بتلک الفتوى مجزره الخلیفه (۱) .
ولذلک قال المنصور لمالک : إن أهل الحرمین أسرع الناس إلى الفتن وأضعفهم عنها قاتلهم الله أنى یؤفکون .
* ثالثاً : إن الخلیفه کان یرشح مالکاً لیکون هو العالم المنظور إلیه فی کل الأقطار الإسلامیه ، ثم یفرض مذهبه على الناس ویحملهم على اتباعه بوسائل الترهیب والترغیب .
فمن وسائل الترغیب قوله : ونعهد إلى أهل الأمصار أن لا یخالفوها ولا یقضوا بسواها ، وأن یوفدوا إلیه وفودهم ویرسلوا إلیه رسلهم فی أیام حجهم .
ومن وسائل الترهیب قوله : أما أهل العراق فیحملون علیه ونضرب علیه هاماتهم بالسیف ونقطع طی ظهورهم بالسیاط .
ونفهم من هذه الفقره ماذا کان یلاقیه الشیعه المساکین من حکام الجور من اضطهاد وقتل لحملهم على ترک الأئمه من أهل البیت وأتباع مالک وأمثاله .
* رابعاً : نلاحظ بأن الإمام مالکاً وجعفر المنصور کانا یحملان نفس العقائد ونفس المفاضله بخصوص الصحابه والخلفاء الذین استولوا على الخلافه بالقوه والقهر .
قال مالک فی ذلک : ثم فاتحنی فی العلم والفقه فوجدته أعلم الناس ، ثم فاتحنی فیمن مضى من السلف والعلماء فوجدته أعلم الناس بالناس .
ولا شک بأن أبا جعفر المنصور بادل الإمام مالکاً نفس الشعور وأطراه بنفس الإطراء ، إذ قال له مره لقاء قبل هذا : وأیم الله ما أجد بعد أمیر المؤمنین أعلم منک ولا أفقه (۲) ویقصد بأمیر المؤمنین ( نفسه ، طبعا ) .
____________
(۱) ولا تناقض بین فتواه بفساد بیعه الإکراه وفتواه بوجوب طاعه السلطان وقد رووا فی ذلک أحادیث کثیره أذکر منها على سبیل المثال : « من خرج على طاعه السلطان فمات على ذلک مات میته جاهلیه » وکقولهم : « علیک بالسمع والطاعه ولو أخذ الأمیر مالک وضرب ظهرک » .
(۲) تاریخ الخلفاء لابن قتیبه ج ۲ ص ۱۴۲ .
ومما سبق نفهم بأن الإمام مالکاً کان من النواصب ، إذ أنه لم یکن یعترف بخلافه أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب أبداً وقد أثبتنا فی ما تقدم بأنهم أنکروا على أحمد بن حنبل الذی ربع الخلافه بعلی وأوجب له ما یجب للخلفاء قبله ، وغنی عن البیان بأن مالکاً هلک قبل مولد ابن حنبل بکثیر .
أضف إلى ذلک أن مالکاً اعتمد فی نقل الحدیث على عبد الله بن عمر الناصبی الذی کان یحدث بأنهم لا یعدلون فی زمن النبی بأبی بکر أحداً ثم عمره ، ثم عثمان ، ثم الناس بعد ذلک سواسیه .
وعبد الله بن عمر هو أشهر رجال مالک وأغلب أحادیث الموطأ تعود إلیه وکذلک فقه مالک .
* خامساً : نلاحظ بأن السیاسه التی قامت على الظلم والجور ترید أن تتقرب إلى الناس بما یرضیهم من الفتاوى التی ألفوها ولا تکلفهم الالتزام بالنصوص القرآنیه أو النبویه .
فقد جاء فی کلام المنصور لمالک قوله : ضع هذا العلم ودون منه کتباً وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود ، واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع علیه الأئمه والصحابه لنحمل الناس على علمک وکتبک .
ومن هذا یتبین لنا بوضوح بأن مذهب « أهل السنه والجماعه » هو خلیط من شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود وما استحسنه مالک من أواسط الأمور التی کان علیها الأئمه والمقصود بهم «أبو بکر وعمر وعثمان » وما اجتمع علیه الصحابه الذین رضی عنهم الخلیفه أبو جعفر المنصور .
ولیس فیه شیء من سنه النبی (صلى الله علیه وآله) التی تروى عن الأئمه الطاهرین من عترته ، والذین عاصر المنصور ومالک البعض منهم ، وعمل الخلیفه عل عزلهم وخنق أنفاسهم .
* سادساً : یلاحظ أن أول کتاب کتب فی تدوین السنه من أحادیث الصحابه والتابعین هو کتاب الموطأ للإمام مالک ، وکان یطلب من السلطه على لسان الخلیفه نفسه لکی یحمل الناس علیه قهراً بضرب السیوف إن لزم ذلک کما صرح المنصور .
فلابد أن تکون تلک الأحادیث من وضع الأمویین والعباسین والتی تخدم مصالحهم وتقوی نفوذهم وسلطانهم ، وتبعد الناس عن حقائق الإسلام التی صدع بها نبی الرحمه (صلى الله علیه وآله) .
* سابعاً : نلاحظ بأن الإمام مالکاً ما کان یخشى إلا من أهل العراق لأنهم کانوا شیعه لعلی بن أبی طالب ، وقد تشبعوا بعلمه وفقهه وانقطعوا فی تقلیدهم للأئمه الطاهرین من ولده فلم یقیموا وزناً لمالک ولا لأمثاله لعلمهم بأن هؤلاء نواصب یتزلفون للحکام ویبیعون دینهم بالدرهم والدینار .
ولذلک قال مالک للخلیفه : أصلح الله الأمیر إن أهل العراق لا یرضون علمنا ، ولا یرون فی عملهم رأینا .
فیجیبه المنصور بکل غطرسه : یحملون علیه ونضرب علیه هاماتهم بالسیف ، ونقطع طی ظهورهم بالسیاط .
وبهذا نفهم کیف انتشرت المذاهب التی ابتدعتها السلطات الحاکمه وسمتها بمذاهب « أهل السنه والجماعه » .
والأمر العجیب فی کل ذلک أنک ترى أبا حنیفه یخالف مالکاً ، ومالکاً یخالفه ، والاثنین یخالفان الشافعی والحنبلی ، وهذان یختلفان ویخالفان الاثنین ، ولیس هناک مسأله فیها اتفاق الأربعه إلا نادراً ، ومع ذلک فکلهم «أهل سنه وجماعه » . أی جماعه هذه ؟ مالکیه ، أم حنفیه ، أم شافعیه ، أم حنبلیه ؟ ؟ فلا هذا ولا ذاک ، وإنما هی جماعه معاویه بن أبی سفیان وهم الذین وافقوه على لعن علی بن أبی طالب وجعلوها سنه متبعه ثمانین عاماً .
ولماذا یسمح بالخلاف وتعدد الآراء والفتیا فی المسأله الواحده ویصبح خلافهم رحمه ما دام مقصوراً على المذاهب الأربعه ، فإذا خالفهم مجتهد آخر کفروه وأخرجوه عن الإسلام ؟
ولماذا لا یحمل خلاف الشیعه لهم کالخلاف فیما بینهم لو کانوا منصفین وعاقلین ؟
ولکن ذنب الشیعه لا یغتفر لأنهم لا یقدمون على علی أمیر المؤمنین أحداً من الصحابه ، وهذا هو جوهر الخلاف الذی لا یتحمله « أهل السنه والجماعه » الذین اتفقوا على شیء واحد ألا وهو إقصاء علی عن الخلافه وطمس فضله وحقائقه .
* ثامناً : نلاحظ بأن الحکام الذین استولوا على أموال المسلمین بالقهر والقوه ، نراهم یوزعون هذه الأموال بسخاء على علماء السوء والمتزلفین إلیهم لاستمالتهم وشراء ضمائرهم ودینهم بدنیاهم .
قال مالک : ثم أمر لی بألف دینار عیناً ذهباً وکسوه عظیمه وأمر لابنی بألف دینار .
فهذا ما اعترف به مالک على نفسه وقد یکون ما لم یحدث به أکثر من ذلک بکثیر ، لأن مالکاً کان یشعر بالحرج من العطایا الظاهره فکان لا یجب أن یراها الناس ، نفهم ذلک من قوله :
فلما وضع الخصی الکسوه على منکبی انحنیت عنها کراهه احتمالها وتبرؤا من ذلک .
ولما عرف المنصور منه ذلک أمر الخصی أن یبلغها رحل أبی عبد الله مالک حتى لا یعرف الناس عنه ذلک .