التوسل بأولیاء الله
تصور الوهابیون أنّ بعض الآیات القرآنیّه تمنع من التوسل، وتعتبره شرکاً، ومن جملتها هذه الآیه حیث قوله سبحانه: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِیُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)(۱)التی تحکی لسان حال مشرکی الجاهلیه حول ما یعبدون، مثل الملائکه وغیرها، والقرآن یعتبر هذا الکلام شرکاً، وفی آیه أخرى یقول عزّ وجلّ: (فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)(۲).
ویقول سبحانه فی آیه أخرى: (وَالَّذِینَ یَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ یَسْتَجِیبُونَ لَهُم بِشَیْء)(۳).
توهم الوهابیون وتصوروا أنّ هذه الآیات تنفی التوسل بأولیاء الله، وإضافه إلى هذا لدیهم بحث آخر، وهو أنه على فرض أنّ التوسل بالرسول الأکرم (صلَّى الله علیه وآله) حال حیاته جائز; وفقاً لبعض الروایات، لکن لا دلیل لدینا على جوازه بعد مماته. هذا خلاصه ما یدّعونه.
ولکن للأسف وبسبب هذا الکلام الفاقد للدلیل، قام الوهابیون باتهام الکثیر من المسلمین بالشرک والکفر، وأباحوا دماءهم وأموالهم، فبهذه الذریعه قاموا بسفک دماء کثیره ونهبوا الکثیر من الأموال.
والآن وبعد أن عرفنا اعتقادهم بشکل جید نعود إلى أصل البحث، ونعالج موضوع التوسل من جذوره.
فی البدایه نستعرض مفهوم «التوسل» فی اللغه والآیات القرآنیّه والروایات.
التوسل لغه: «التوسل» فی اللغه هو بمعنى اختیار الوسیله، والوسیله: تعنی ما یتقرب به إلى الغیر.
یقول ابن منظور فی کتابه المعروف «لسان العرب»: «وَسَلَ فلانٌ إلى الله وسیلهً إذا عَمِل عملاً تقرّب به إلیه … والوسیله، ما یتقرّب به إلى الغیر»(4).
وجاء فی «مصباح اللغه» أیضاً: «الوسیله: ما یتقرب به إلى الشیء والجمع الوسائل».
ونقرأ فی «مقاییس اللغه»: «الوسیله: الرغبه والطلب».
وعلى هذا فالوسیله هی بمعنى التقرب وما یتقرب به إلى الغیر أیضاً، فالوسیله لها مفهوم واسع جدّاً.
وأمّا بالنسبه للقرآن فقد استعمل مصطلح الوسیله فی آیتین:
الأولى: فی قوله تعالى: (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَیهِ الْوَسِیلَهَ وَجَاهِدُواْ فِی سَبِیلِهِ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ)(۵)، فهذه الآیه تخاطب جمیع المؤمنین، وفیها ثلاثه أوامر:
الأوّل: الأمر بالتقوى.
الثانی: الأمر باختیار الوسیله، التی تقربنا إلى الله سبحانه.
الثالث: الأمر بالجهاد فی سبیل الله.
ونتیجه اجتماع هذه الصفات الثلاثه (التقوى، التوسل، الجهاد) یتحقق ما ذکر فی ذیل الآیه: (لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ).
الثانیه: فی الآیه السابعه والخمسین من سوره الإسراء، ولفهم هذه الآیه نستعرض الآیه التی سبقتها وهی: (قُلِ ادْعُواْ الَّذِینَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ یَمْلِکُونَ کَشْفَ الضُّرِّ عَنکُمْ وَلاَ تَحْوِیلاً)(۶) وبالالتفات إلى جمله (قُلِ ادْعُواْ الَّذِینَ) یتضح أنّ المقصود فی الآیه لیست هی الأصنام وغیرها ـ لأنّ (الذین) هم أصحاب العقول ـ بل إنّ المقصود بها هم الملائکه التی کانت تُعبد من دون الله، أو النبی عیسى(علیه السلام) الذی کان یُعبد من قبل بعض المجموعات من دون الله، فالآیه تصرّح بأنّ ما تدعون من الملائکه أو المسیح لا یستطیعون دفعون الضرّ عنکم ولا یحلّون مشاکلکم.
والآیه التی تلیها وهی المقصوده بالبحث قوله تعالى: (أُولَئِکَ الَّذِینَ یَدْعُونَ یَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِیلَهَ أیُّهُم أقْرَبُ وَیَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَیَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّکَ کَانَ مَحْذُورًا)(۷)، الاشتباه الکبیر الذی وقع فیه الوهابیون هو تصورهم أنّ مفهوم التوسل بأولیاء الله هو أنهم یکشفون الضر ویحلّون المشاکل،وتصوروا أنّ قضاءهم للحاجات ودفعهم للکربات یتحقق منهم على نحو الاستقلال، مع أنّ ما نقصده من التوسل لیس هذا معناه.
ـــــــــــ
۱٫ سوره الزمر، الآیه ۳٫
۲٫ سوره الجن، الآیه ۱۸ .
۳٫ سوره الرعد، الآیه ۱۴ .
۴٫ لسان العرب، ج ۱۱، ص ۷۲۴ .
۵٫ سوره المائده، الآیه ۳۵ .
۶٫ سوره الإسراء، الآیه ۵۶ .
۷٫ سوره الإسراء، الآیه ۵۷ .
وأمّا الآیات التی تمسک بها الوهابیون فهی مرتبطه بالعباده، ولا یوجد أحد یقوم بعباده أولیاء الله.
فهل توسلنا بالنبی الأکرم (صلَّى الله علیه وآله) تعنی عبادته؟ وهل نعتقد بأنّ النبی (صلَّى الله علیه وآله)یؤثر ویکشف الکرب على نحو الاستقلال؟
فالتوسل الذی یدعو إلیه القرآن الکریم هو التوسل بالوسیله التی تقربنا إلى الله، بمعنى أنّ هؤلاء یقومون بالشفاعه عند الله، کما ذکرنا ذلک فی بحث الشفاعه.
وفی الواقع أنّ حقیقه التوسل والشفاعه واحده، فهناک آیات کثیره تدلّ على الشفاعه، وآیتان تدلاّن على التوسل، والملفت للنظر أنّ الآیه السابعه والخمسین من سوره الإسراء تقول: (أیُّهُم أقْرَبُ) حیث تخیرهم لاختیار الوسیله الأقرب من بین الملائکه والمسیح، وضمیر «هم» لجمع العاقل، یعنی أنّهم یتوسلون بالصالحین وبأولیاء الله.
وعلى کل حال یجب فی البدایه أن نوضح أنّه ما معنى التوسل بأولیاء الله؟ فهل هو عبادتهم أو العبودیه لهم؟
لیس کذلک قطعاً!
فهل یرون أنّ لهم استقلالاً فی التأثیر؟ کلاّ!
أم هل لهم قضاء الحاجات وکشف الکربات؟ کلاّ.
إنّهم یشفعون عند الله لمن توسل بهم، کما إذا أردنا الذهاب إلى منزل شخصیه مرموقه لا نعرفها، فنلجأ إلى شخص تربطه بهذه الشخصیه علاقه حمیمه، فنتوسل إلیه للذهاب معنا إلى تلک الشخصیه، لیعرفنا علیها ویشفع لنا عندها.
فهذا العمل لیس عبودیه، ولیس استقلالاً فی التأثیر؟
ومن المناسب هنا أن نقرأ الکلام الجمیل «لابن علوی» فی کتابه المعروف «مفاهیم یجب أن تصحح» حیث یقول: لقد إلتبس على کثیر من الناس فهم حقیقه التوسل، ولأجل هذا سنبین المفهوم الصحیح للتوسل حسب وجهه نظرنا، وقبل ذلک لابدّ من بیان بعض النقاط للتذکیر:
۱٫ التوسل نوع من الدعاء، وفی الواقع باب من أبواب التوجه لله سبحانه وتعالى، فإذاً المقصد والمقصود الأصلی والحقیقی هو الله سبحانه وتعالى، والشخص الذی یتوسل به واسطه ووسیله للتقرب إلى الله، ومن یعتقد غیر هذا فهو مشرک.
۲٫ من یتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بشخص فلأجل کون هذا الشخص محبوباً لدیه ویعتقد به، ویعتقد بأنّ الله سبحانه وتعالى یحبّه، فلو فرضنا أنّه ظهر خلاف ذلک، فسیبتعد عنه کلیاً وسیخالفه; لأنّ المعیار محبه الله له.
۳٫ إذا توسل شخص واعتقد بأن المتوسل به یؤثر فی المسائل على نحو الاستقلال وبنفسه، کما هی الحال بالنسبه لله سبحانه وتعالى، فهو شخص مشرک.
۴٫ التوسل لیس أمراً واجباً وضروریاً، ولا تنحصر استجابه الدعاء بالتوسل، فالمهم هو الدعاء واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، بأی شکل کان، کما یقول الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَکَ عِبَادِی عَنِّی فَإِنِّی قَرِیبٌ)(۱).
واستعرض ابن علوی المالکی بعد ذکر هذه المقدمه آراء العلماء والفقهاء والمتکلمین من أهل السنه، فقال: لا یوجد خلاف بین المسلمین فی مشروعیه التوسل إلى الله بالأعمال الصالحه، مثلاً: أن یصوم شخص أو یصلی أو یقرأ القرآن، أو یتصدّق فی سبیل الله، ویتوسل بهذه الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى ویتقرب بها، فهذا الأمر من المسلّمات ولا بحث فیه.
وهذا النوع من التوسل مقبول حتى من قبل السلفیین، ومن جملتهم ابن تیمیه، کما هو مذکور فی مجموعه من کتبه المختلفه وبالخصوص فی رسالته: «القاعده الجلیله فی التوسل والوسیله».
ابن تیمیه صرح بجواز هذا النوع من التوسل، یعنی التوسل بالأعمال الصالحه، فإذاً أین هو محل الاختلاف؟
محل الاختلاف هو فی التوسل بغیر الأعمال الصالحه، مثل التوسل بذوات أولیاء الله، کأن یقول أحد: «اللهم إنّی أتوسل إلیک بنبیّک محمّد (صلَّى الله علیه وآله)» وبعدها یضیف قائلاً: والاختلاف فی هذا المعنى وإنکار الوهابیین للتوسل بأولیاء الله، هو فی الواقع نوع من الاختلاف الشکلی واللفظی، ولیس خلافاً جوهریاً، وبتعبیر آخر: هو نزاع لفظی; لأن التوسل بأولیاء الله یرجع فی الواقع إلى توسل الإنسان بأعمال هؤلاء، وهو مشروع، فلو لاحظ المخالفون بعین الإنصاف والبصیره لاتضح لهم الأمر بشکل واضح وجلی، والإشکال حینها سینحل، وستنطفىء نار الفتنه، ولن تصل النوبه لاتهام المسلمین بالشرک والضلال.
ویضیف بعد ذلک لتوضیح هذا الکلام: إذا توسل شخص بواحد من أولیاء الله فإنّ ذلک لأجل کونه محبوباً عنده.
ولکن لماذا یکون محبوباً عنده؟
لأجل کونه رجلاً صالحاً، أو أنّه محب لله سبحانه وتعالى، أو أنّ الله سبحانه وتعالى یحبه، أو الإنسان یحب هذه الوسیله، وعندما نتعمق فی کل هذه الأمور نجد أنّها ناشئه من العمل.
یعنی فی الواقع أنّ التوسل حاصل بالأعمال الصالحه عند الله سبحانه وتعالى، وهذا هو المعنى المتفق علیه عند جمیع المسلمین(۲).
طبعاً نحن سنشیر فیما بعد إلى أنّ التوسل بالأفراد مع جلاله شأنهم لیس لأجل أعمالهم، بعنوان کونهم وجهاء وعزیزین وعظماء عند الله، أو بأی دلیل کان، بل لکونهم غیر مستقلین بالتأثیر، بل لأنّهم شفعاء عند الحضره الإلهیّه، وهذا التوسل لیس کفراً ولا ممنوعاً.
ولقد أشارت الآیات القرآنیّه عدّه مرّات إلى هذا النوع من التوسل.
فالشرک هو أن نعتقد بأنّ هناک شیئاً له تأثیر مستقل فی مقابل الله، واشتباه الوهابیین هو أنّهم خلطوا بین «العباده» و«الشفاعه» الموجوده فی آیه: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِیُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)(۳) وتصوّروا أنّ الشفاعه شرک أیضاً، بینما عباده الوسائط شرک، ولیس طلب الشفاعه منهم أو التوسل بهم کذلک. (تأملوا).
ـــــــــــ
۱٫ سوره البقره، الآیه ۱۸۶ .
۲٫ أنظر مفاهیم یجب أن تصحّح، ص ۱۱۶ و ۱۱۷ .
۳٫ سوره الزمر، الآیه ۳ .
إضافه إلى إطلاق آیات التوسل، فأی توسل لا یخالف العقائد الإسلامیّه الصحیحه یکون جائزاً، بل یعتبر مطلوباً.
وعندنا روایات کثیره حول التوسل تصل إلى حدّ التواتر أو قریب منه.
والکثیر من هذه الروایات یرتبط بالتوسل بشخص النبی الأکرم (صلَّى الله علیه وآله)، فبعضها قبل ولاده النبی (صلَّى الله علیه وآله) وبعضها بعد ولادته وبعضها فی حیاته وبعضها بعد مماته.
وهناک أیضاً قسم آخر یرتبط بالتوسل بغیر النبی الأکرم (صلَّى الله علیه وآله) من علماء الدین.
ونضیف: إنّ بعضها جاء بلسان الرجاء والدعاء، وبعضها بلسان طلب الشفاعه من الله، وبعضها یبین الله سبحانه وتعالى فیها مقام النبی (صلَّى الله علیه وآله).
والخلاصه: إننا نلاحظ جمیع أقسام التوسل موجوده فی هذه الروایات بشکل یسد الباب أمام جمیع الذرائع التی یتمسک بها الوهابیون.
والآن نستعرض بعض الأمثله من هذه الروایات:
۱٫ توسل آدم بالنبی الأکرم (صلَّى الله علیه وآله) قبل ولاته، فقد نقل الحاکم فی المستدرک وجماعه آخرون من المحدثین هذا الحدیث عن النبی الأکرم (صلَّى الله علیه وآله) یقول: «لمَّا اقترف آدم الخطیئه قال: یَا رَبِّ اَسْألُکَ بِحَقِّ مُحَمَّد لَمَا غَفَرْتَ لِی.
فقال الله: یا آدم کیف عرفت محمّداً ولم أخلقه، قال: یا ربّ لأنّک لمّا خلقتنی بیدک ونفخت فیّ من روحک، رفعت رأسی فرأیت على قوائم العرش مکتوباً: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فعلمت أنّک لم تضف إلى اسمک إلاّ أحبّ الخلق إلیک، فقال الله: صدقت یا آدم، إنّه لأحبّ الخلق إلیَّ، ادعنی بحقّه فقد غفرت لک، ولولا محمّد ما خلقتک»(1).
۲٫ الحدیث الآخر مرتبط بتوسل أبی طالب بالنبی الأکرم (صلَّى الله علیه وآله) عندما کان طفلاً، وخلاصه الحدیث کما نقله ابن حجر فی کتابه «فتح الباری»: عندما نزل القحط فی مکه ذهبت قریش إلى أبی طالب وقالت له: أقحط الوادی وأجدب العیال، فهلم فاستسق لنا، فخرج أبو طالب ومعه غلام کأنّه شمس دجنه، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالکعبه ولاذ به، أی: توسل بهذا الطفل، ولا توجد فی السماء قطعه من سحاب، فأقبل السحاب من هنا ومن ههنا واغدودق وانفجر له الوادی من شده المطر وأخصب النادی والبادی. وقال أبو طالب حینها شعراً فی مدح النبی الأکرم (صلَّى الله علیه وآله)من أکثر من ثمانین بیتاً منها هذا البیت:
وأبیض یستسقی الغمام بوجهه *** ثمال الیتامى عصمه للأرامل(۲)
۳٫ توسل الرجل الضریر بالنبی الأکرم (صلَّى الله علیه وآله): ذهب رجل ضریر إلى النبی الأکرم (صلَّى الله علیه وآله) فی زمن حیاته، متوسلاً به فشافاه النبی (صلَّى الله علیه وآله) وأعاد البصر إلیه(۳).
وخلاصه الحدیث: أنّ رجلاً ضریر البصر أتى النبی (صلَّى الله علیه وآله) فقال: ادع الله أن یعافینی، قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خیر لک، قال فادعه، قال فأمره أن یتوضأ فیحسن وضوءه، ویدعو بهذا الدعاء: «اللّهم إنّی أسألک وأتوجه إلیک بنبیّک محمّد (صلَّى الله علیه وآله) نبی الرحمه، یا محمّد إنّی أتوجه بک إلى ربّی فی حاجتی هذه لتقضى لی، اللّهم شفِّعه فیّ» فقام الرجل وفعل ما قاله الرسول (صلَّى الله علیه وآله).
یقول عثمان بن عمیر راوی هذا الحدیث: کنّا جالسین فی نفس المجلس نتحدث وبعد مضی فتره إذ قدم الرجل الضریر إلى المجلس، وکان یبصر کحالته السابقه بحیث لایوجد أی أثر للعمى.
والملفت للنظر أن الکثیر من کبار أهل السنّه قد صرّح بأنّ هذا الحدیث صحیح، فالترمذی یصحح الحدیث، وابن ماجه قال: إنّه صحیح(۴)، والرفاعی قال: إنّه لا شک فی أنّ هذا الحدیث صحیح ومشهور(۵).
۴٫ التوسل بالنبی الأکرم (صلَّى الله علیه وآله) بعد مماته، «الدارمی» هو أحد علماء أهل السنّه المعروفین یقول فی کتابه المعروف «سنن الدارمی» تحت عنوان باب«ما أکرم الله تعالى نبیه (صلَّى الله علیه وآله) بعد موته» وهذا الباب معقود لبیان الکرامات التی أعطاها الله سبحانه وتعالى للنبی (صلَّى الله علیه وآله) بعد موته: «قَحُطَ أهل المدینه قحطاً شدیداً، فشکوا إلى عائشه، فقالت: انظروا قبر النبی (صلَّى الله علیه وآله) فاجعلوا منه کوی إلى السماء حتى لا یکون بینه وبین السماء سقف، قال: ففعلوا فمطرنا مطراً حتى نبت العشب،وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمی عام الفتق»(6).
۵٫ التوسل بالعباس عم النبی (صلَّى الله علیه وآله)، ینقل البخاری فی صحیحه: أنّ عمر بن الخطاب إذا قحط استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وکان یدعو بهذا الدعاء: «اللهم إنّا کنا نتوسل إلیک بنبیّنا (صلَّى الله علیه وآله)فتسقینا، وإنّا نتوسل إلیک بعم نبینِّا فاسقنا» قال الراوی: «فیسقون مطراً کثیراً»(7).
۶٫ ینقل ابن حجر المکی فی الصواعق عن الإمام الشافعی من علماء أهل السنّه المعروفین: أنّه کان یتوسل بأهل بیت النبی(علیهم السلام) وینقل عنه الشعر المعروف:
آل النبی ذریعتی *** وهم إلیه وسیلتی
أرجو بهم أعطى غداً *** بیدی الیمین صحیفتی
أورد هذا الحدیث الرفاعی فی کتابه «التوصل إلى حقیقه التوسل»(8).
ــــــــــــ
۱٫ الحاکم فی المستدرک، ج ۲، ص ۶۱۵٫ ونقله الحافظ السیوطی فی الخصائص النبویه واعتبره صحیحاً، ونقله البیهقی فی دلائل النبوه وهو لا یروی ضعاف الأحادیث. ونقله القسطلانی والزرقانی فی المواهب اللدنیه واعتبره صحیحاً، وجماعه آخرون أیضاً، ولمزید من التوضیح یراجع کتاب: مفاهیم یجب أن تصحح، ص ۱۲۱ .
۲٫ فتح الباری، ج۲، ص ۴۹۴; وکذلک السیره الحلبیه، ج ۱، ص ۱۱۶ .
۳٫ صحیح الترمذى، ص ۱۱۹، ح ۳۵۷۸; وفی سنن ابن ماجه، ج ۱، ص ۴۴۱، ح۱۳۸۵; ومسند أحمد، ج ۴، ص ۱۳۸ .
۴٫ سنن ابن ماجه، ج ۱، ص ۴۴۱ .
۵٫ ولأجل زیاده التوضیح یمکنکم مراجعه کتاب الرسائل والمسائل، ج ۱۸، ص ۱، طبعه بیروت، حیث یقول: إنّ عین عباره ابن تیمیه هى: «أنّ النسائی والترمذی رویا حدیثاً صحیحاً أنّ النبی (صلَّى الله علیه وآله) علّم رجلا أن یدعو فیسأل الله ثم یخاطب النبی فیتوسل به، ثم یسأل الله قبول شفاعته».
۶٫ سنن الدارمی، ج ۱، ص ۴۳ .
۷٫ صحیح البخاری، ج ۲، ص ۱۶ .
۸٫ التوصل إلى حقیقه التوسل، ص ۳۲۹ .
لقد تذرع الوهابیون المتعصبون لإثبات مقاصدهم وأهدافهم بأمور کثیره فی تکفیر المسلمین وتفسیقهم; وذلک لتوسلهم بالصالحین، مقابل الآیات والروایات المذکوره سابقاً التی تثبت جواز التوسل بأشکاله المختلفه، هذه الذرائع التی تشبه ذرائع الأطفال عند اختلافهم!
فتاره یقولون: إنّ الممنوع هو التوسل بذوات العظماء والصالحین، وأمّا التوسل بمعنى الدعاء وشفاعه هؤلاء فهو جائز.
وتاره یقولون: إنّ التوسل الجائز هو الذی یتحقق فی حیاتهم، وأمّا بعد وفاتهم فغیر جائز; لأنّ العلاقه بهم تنقطع بمجرّد انتقالهم من الدنیا، لأنّ القرآن المجید یقول: (إِنَّکَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى)(۱)، ولکن هذه الإشکالات المتقطعه تبعث على الخجل فی الواقع، وذلک:
أولاً: إنّ الآیات القرآنیّه المرتبطه بجمیع أنواع التوسل عامه، وبحکم العموم أو الإطلاق فیها فالتوسل جائز، ولا یوجد أی تعارض مع «التوحید فی العباده» و«التوحید الأفعالی»، فالقرآن المجید یقول: (وَابْتَغُواْ إِلَیهِ الْوَسِیلَهَ)(۲)، وقلنا: إنّ الوسیله هی ما یتقرب به إلى الله، نعم أی أمر یمکن أن یقربکم إلى الله مثل: دعاء النبی الأکرم (صلَّى الله علیه وآله)، مقام النبی (صلَّى الله علیه وآله)، شخص النبی (صلَّى الله علیه وآله); وذلک بسبب طاعته وعبودیته وعبادته لله سبحانه وتعالى، وصفاته المقربه لله سبحانه وتعالى. فیطلب التقرب إلى الله بهذه الأمور، ولا یوجد دلیل على حصر الوسیله بعمل الإنسان الصالح فقط، کما هو الحال فی کلمات الوهابیین.
وما ذکرناه لا یتعارض مع التوحید فی العباده; لأنّ المعبود هو الله سبحانه وتعالى ولیس النبی (صلَّى الله علیه وآله)، ولا یتعارض مع التوحید الأفعالی; لأنّ منشأ الخیر والشر لا یمکن أن یکون إلاّ من الله، وکل ما یملکه الإنسان فهو من الله ومن خلاله سبحانه وتعالى.
فماذا ننتظر بعد هذا العموم الموجود فی الآیات؟ وإلاّ سیکون حالنا حال من یبحث عن ذریعه عندما یقول القرآن المجید: (فَاقْرَأُوا مَا تَیَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)(۳)، فنقول: هل تجوز قراءه القرآن وقوفاً أم لا؟ اضطجاعاً أم لا؟
فعموم الآیه یقول: إنّ جمیع أنواع التلاوه جائزه، فی الحضر والسفر، مع الوضوء أو بدونه، إلاّ إذا قام دلیل آخر على خلاف ذلک.
إنّ العمومات والإطلاقات الموجوده فی القرآن فعلیه ما لم تُعارض، وآیات التوسل عامه أیضاً، وعموم الآیات القرآنیّه فعلیه، فإذا لم نجد معارضاً لها، یمکن العمل على وفقها، ولیس صحیحاً أن نبحث عن الذرائع للجدال.
ثانیاً: الروایات الوارده فی بحث التوسل ـ والتی ذکرنا قسماً منها سابقاً ـ متنوعه، وکل هذه الأنواع جائزه وهی:
ـ التوسل بشخص النبی (صلَّى الله علیه وآله)، مثل ما جاء فی قصه الرجل الضریر.
ـ التوسل بقبر النبی (صلَّى الله علیه وآله) کما جاء فی بعض الروایات.
ـ التوسل بدعاء النبی (صلَّى الله علیه وآله).
ـ التوسل بشفاعه النبی (صلَّى الله علیه وآله).
وغیرها مما جاء فی روایات أخرى، ومع هذا التنوع فی الروایات والأشکال المختلفه للتوسل لا یبقى مجال للمجادلین وأصحاب الذرائع.
ثالثاً: ماذا یعنی التوسل بشخص النبی (صلَّى الله علیه وآله)؟ لماذا یصبح النبی (صلَّى الله علیه وآله)محترماً عندنا؟ ولماذا نجعله شفیعاً لنا عند الله؟ لأنّ النبی (صلَّى الله علیه وآله) یتمیز بالطاعه والعبودیه العمیقه والخالصه.
إذن توسلنا بالنبی (صلَّى الله علیه وآله) توسل بطاعاته وعباداته وأفعاله.
وهذا هو نفس التوسل الذی یجیزه الوهابیون المتعصبون وهو التوسل بالطاعات، فالنزاع إذن لفظی.
والعجیب أنّ بعضهم ینکر الحیاه البرزخیه للنبی الأکرم (صلَّى الله علیه وآله)، ویعتقدون أنّ وفاته هی فی حدّ موت الکفّار، مع أنّ القرآن ذکر أنّ للشهداء حیاه خالده: (بَلْ أَحْیَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُونَ)(۴)، فهل مقام نبی الإسلام (صلَّى الله علیه وآله) أقل من مقام الشهداء؟ مع کل هذا السلام الذی نرسله له فی الصلاه، فإذا لم ندرک أنّ التوسل بعد وفاته هو توسل بالخالدین فکل هذا السلام لا معنى له والملتجى إلى الله من هذا التعصب الأعمى والأصم الذی یؤدی بالإنسان إلى المجهول. ومن حسن الحظ أنّ بعضهم یعتقد بوجود حیاه برزخیه، وعلیه فلابدّ من سحب إشکالاتهم.
ــــــــ
۱٫ سوره النمل، الآیه ۸۰ .
۲٫ سوره المائده، الآیه ۳۵ .
۳٫ سوره المزمل، الآیه ۲۰ .
۴٫ سوره آل عمران، الآیه ۱۶۹ .
المجموعه الاولى: التفریطیون: وهم منکرو التوسل بأولیاء الله ونحن نقف بین مجموعتین من الإفراط والتفریط، من قصّر فی فهم مسأله التوسل ونفى التوسل من أساسه، والتوسل الذی أجازته الآیات القرآنیّه والروایات اعتبروه غیر جائز، وتصوروا أنّه یؤدی بهم إلى نفی کمال التوحید، فهم واقعون فی الخطأ والاشتباه، فالتوسل بأولیاء الله لأجل طاعتهم وعبادتهم وأعمالهم وقربهم من الله سبحانه وتعالى، هو تأکید لمسأله التوحید، حیث یطلبون جمیع ما یریدون من الله العلی القدیر.
المجموعه الثانیه: الإفراطیون: وهم الذین یتخذون من التوسل وسیله للغلو، وخطر هؤلاء لیس أقل من خطر المجموعه الأولى، وعباراتهم لا تتوافق مع التوحید الأفعالی، أو لدیهم عبارات لا تتناسب مع التوحید فی العباده، فی الوقت الذی «لا مؤثر فی الوجود إلاّ الله»، وبناءً على هذا فکما کنا نواجه منکری التوسل الصحیح ونقوم بإرشادهم وکشف خطئهم، فلابدّ من إرشاد الغلاه أصحاب الاتجاه الإفراطی، وإعادتهم إلى الطریق الصحیح.
وفی الواقع یمکن القول إنّ أحد عوامل وجود المنکرین للتوسل هو إفراط وغلو بعض المؤیدین للتوسل، فعندما یطرح هؤلاء الصوره الإفراطیه فمن الطبیعی أن تظهر فی مقابلهم مجموعات التفریط، وهذه قاعده ساریه فی جمیع المسائل الاعتقادیه والاجتماعیه والسیاسیه، فهذه المجموعات المنحرفه یوجد بینها تلازم (لازم وملزوم) دائماً، وکلا الفریقین مشترکان فی الخطأ.
یجب أن نعلم الناس بأنّ لا یکتفوا بالتوسل بأولیاء الله والصالحین، لأنّ التوسل فی الأصل هو درس لنا، لماذا نتوسل بهؤلاء؟ لأنّ أعمالهم صالحه، إذن یجب علینا أن نقوم بالأعمال الصالحه، فالتوسل یعطینا درساً بأنّ التقرب إلى الله یکون عن طریق الأعمال الصالحه، والتوسل بأولیاء الله لأجل أعمالهم الصالحه، فهم مقربون من الله، ونحن نطلب منهم أن یشفعوا لنا عند الله، إذن یجب علینا أن نسلک نفس الطریق الذی سلکوه، فلابدّ أن نحول التوسل إلى مدرسه لتربیه الإنسان وتطویره، وأن لا نتوقف عند التوسل وننسى الأهداف الراقیه للتوسل. وهذا أمر مهم یجب أن نتوجه إلیه.
الملاحظه الأخرى هی: أنّ التوسل بعالم الأسباب حاصل فی الأمور التشریعیه، کما هو حاصل فی الأمور التکوینیه أیضاً، وکلاهما لا یتنافى مع التوحید، فنحن عندما نرید أن نحصل على نتائج ایجابیه فی حیاتنا الطبیعیه، نلجأ إلى الأسباب، فنحرث الأرض، وننثر البذر، ونسقی الزرع، ونحارب الآفات، ونحصد المحصول فی آوانه، لنستفید منه فی حیاتنا.
فهل التوسل بهذه الأسباب یؤدی بنا إلى الغفله عن الله؟ وهل الاعتقاد بأنّ الأرض تغذی بذور الأعشاب، أو أنّ نور الشمس وقطرات المطر التی تبعث على الحیاه هی التی تنمی البذور والأزهار والثمار؟ وبصوره عامه هل الاعتقاد بعالم الأسباب منافیاً للتوحید الأفعالی؟
ویقیناً أنّه لیس منافیاً، لأننا نلجأ إلى عالم الأسباب، ومسبب الأسباب هو الله سبحانه وتعالى، وکما فی المثل «یختص کل هذا الثناء بالملک العظیم»(1) إذاً فکما أنّ التوسل بالأسباب الطبیعیه لا یتنافى مع أصل التوحید فی الأفعال، فکذلک الأمر فی عالم التشریع، لأنّ التوسل بالأنبیاء والأولیاء والمعصومین وطلب الشفاعه منهم عند الله سبحانه وتعالى لا یتنافی مع أصل التوحید أبداً.
طبعاً ظهرت هنا مجموعه تفریطیه تنکر عالم الأسباب أیضاً، لأنّهم تصوروا أنّ الاعتقاد بعالم الأسباب یتنافی مع التوحید فی الأفعال، فیقولون: إنّ النّار لا تحرق، فالله هو الذی یحرق ذلک الشیء عندما نقرب النار إلیه، الماء لا یُطفىء النّار، الله هو الذی یُطفئها عندما نصب الماء على النّار، وهکذا فهم ینکرون جمیع الروابط بین العله والمعلول، وهی من الروابط البدیهیه فی عالم الخلقه.
فی الوقت الذی یقر فیه القرآن المجید عالم الأسباب ویعترف به بشکل واضح وصریح حیث یقول: (وَمِنْ آیَاتِهِ یُرِیکُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَیُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَیُحْیِی بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)(۲)، فکلمه «یُحْیِی بِهِ» یعنی بقطرات المطر تُحیى الأرض. وهذه الآیه لها دلاله واضحه وصریحه على الإقرار والاعتراف بعالم الأسباب. ولکن هذه الأسباب لیس لها تأثیر مستقل، فکل ما لدیها هو من الله.
فهذه الآثار الظاهره هی من الله، فکما أنّ منکری الأسباب الطبیعیه مخطئون وغافلون، فکذلک منکرو الأسباب فی عالم التشریع.
نأمل منهم أن یتوجهوا إلى ما ذُکر، وأن یبتعدوا عن التعصب، ویعودوا إلى الصواب، وینهوا مسیره التکفیر والتفسیق، ویأتلفوا مع مسلمی العالم، ویقفوا فی وجه الأعداء الذین جعلوا الله والقرآن والإسلام هدفاً لهجماتهم، وأن یبیِّنوا التعالیم الإسلامیّه للمجتمع العالمی خالیه من الشرک والغلو والنقصان.
ــــــــــ
۱٫ مثل فارسی.
۲٫ سوره الروم، الآیه ۲۴ .