عصمه الإمام

0

ولو لم یکن الإمام معصوما لتساوى مع بقیه الناس ، ولما کانت هناک حاجه لوصیته وهو فی هذه الحاله لن ینجح فی حفظ الدین وإقامه الحجه على الناس .
إن الإیمان بتمیز الإمام " علی " على الآخرین سوف یقود إلى الإیمان بالوصیه . والإیمان بالوصیه سوف یقود إلى الإیمان بالعصمه . ونظرا لکون أهل السنه لا یؤمنون بتمیز الإمام " علی " على بقیه الصحابه فمن ثم هم لا یؤمنون بالوصیه وبالتالی یستهجنون فکره العصمه .
یقول العلامه الحلی : ذهبت الإمامیه إلى أن الأئمه کالأنبیاء فی وجوب عصمتهم عن جمیع القبائح والفواحش . من الصغر إلى الموت عمدا أو سهوا ، لأنهم حفظه الشرع والقوامون به حالهم فی ذلک حال النبی ولأن الحاجه إلى الإمام إنما هی للانتصاف من المظلوم عن الظالم . ورفع الفساد وحسم ماده الفتن . وأن الإمام لطف یمنع القاهر من التعدی ، ویحمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرمات ویقیم الحدود والفرائض ویؤاخذ الفساق ویعزر من یستحق التعزیر .
فلو جازت علیه المعصیه وصدرت عنه انتفت هذه الفوائد وافتقر إلى إمام آخر وتسلسل . . ( ۱ ) .
إن العصمه ترتبط بنوع الدور والمهمه الملقاه على عاتق الإمام . ولما کان دور الإمام ومهمته تتطلب وجود مواصفات خاصه حتى یمکن القیام بها فمن ثم کانت العصمه ضروره لا بد منها للإمام تدفع الجماهیر إلى الثقه به والتلقی منه ولزوم الطاعه له وتحول دون منازعته من قبل الأدعیاء . .
یقول الشیخ جعفر السبحانی : إن الإجابه عن الأسئله الشرعیه على وجه الحق وتفسیر القرآن على الصحیح وتفنید الشبهات على وجه یطابق الواقع وصیانه الدین عن أی تحریف لا یحصل إلا بمن یعتصم بحبل العصمه ویکون قوله وفعله ممیزین
للحق والباطل . . نعم إن الإنسان الجلیل ربما یملأ هذا الفراغ ولکن لا بصوره تامه جدا ، ولأجل ذلک نرى أن الأمه افترقت فی الأصول والفروع إلى فرق کثیره یصعب تحدیدها وتعدادها ، فلأجل هذه الأمور لا محیص عن وجود إنسان کامل عارف
بالشریعه ، أصولها وفروعها ، عالم بالقرآن واقف على الشبهات وکیفیه الإجابه عنها ، قائم على الصراط السوی لیرجع إلیه من تقدم على الصراط ومن تأخر عنه . هذا یقتضی کون الإمام منصوبا من جانبه سبحانه معصوما بعصمته . . ( ۲ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) أنظر نهج الحق وکشف الصدق . .
( ۲ ) معالم النبوه فی القرآن . . ( * )   
إن تقصی حال الأمه من بعد وفاه الرسول صلى الله علیه وآله یظهر لنا ما یلی :
أولا : منحت الشریعه لکل الحکام – ومن بعدهم – وألزم الجمیع بالسمع والطاعه لهم .
 ثانیا : اخترعت الکثیر من الأحادیث والروایات وتمت نسبتها إلى الرسول .
 ثالثا : إن الصحابه والتابعین وتابعی التابعین بارکوا هذا الوضع کما بارکوا الحکام ودعوا الجماهیر إلى طاعتهم.
 رابعا : إن سیره هؤلاء الحکام وسلوکهم ومواقفهم متناقضه مع الإسلام وتصطدم بقواعده .
 خامسا : إن القرآن قد حرفت معانیه وأولت آیاته بحیث تخدم أغراض القوى الحاکمه .
 سادسا : إن الفقهاء ساروا فی رکاب الحکام وأضفوا على ممارساتهم ومواقفهم الشرعیه .
ومن یتبین لنا أن الإسلام قد أخضع للأهواء والسیاسه من بعد الرسول . ومال الفقهاء نحو الحکام . وتفرقت الأمه بسبب هذا الإسلام وصارت شیعا .
وهذا کله بسبب أن الذین تصدوا لحمله لم یصمدوا فی وجه الباطل وانهاروا أمامه مما یدل على عدم صلاحیتهم للقیام بهذه المهمه . ولیس من المعقول بل من المحال فی حق الله سبحانه أن یترک الدین من بعد الرسول یتنازعه أهل الأهواء ویذهبون
به مذاهب شتى مما یؤدی فی النهایه إلى ضلال الأمه . وضلال الأمه یقتضی إرسال رسول جدید . وقد ختمت الرسالات بمحمد ، إذن لا بد أن یکون هناک عاصم للأمه تتوافر به مؤهلات الرسول لیقوم بمهمته من بعد ه وفی مقدمه هذه المؤهلات
العصمه . إن ضروره العصمه سوف تتضع لنا أکثر إذا ما اتجهنا بأبصارنا إلى الجانب الآخر الذی غیبته السیاسه عن أعیننا وهو جانب آل البیت . بعد أن ألقینا الضوء على جانب الصحابه والتابعین والفقهاء والإسلام الذی یعرضونه والمتمثل فی مذهب أهل السنه .
فإن إلقاء الضوء على هذا الجانب سوف یظهر لنا ما یلی :
 أولا : إن أئمه آل البیت علیهم السلام تصدوا لمحاولات الانحراف بالإسلام وصدعوا بالحق فی مواجهه الصحابه والتابعین والحکام .
 ثانیا : إن أئمه آل البیت تصدوا لعملیه اختراع الأحادیث ونسبتها للرسول والتزموا فی مواجهه هذا الأمر بضروره عرض الحدیث على القرآن والعقل ، فما وافق القرآن والعقل کان سلیما وما خالفهما کان موضوعا .
 ثالثا : إن آل البیت قادوا الثورات ضد الحکام وتصدوا لفسادهم وانحرافاتهم .
 رابعا : إن أئمه آل البیت بدایه من الإمام علی وحتى الإمام الحادی عشر ماتوا قتلا بأیدی الحکام .
إن أئمه آل البیت قد امتحنوا وابتلوا بلاء عظیما وتعرضوا لضغوط شدیده من قبل الحکام کی یسایروا الوضع القائم لکنهم صبروا وثبتوا ورفضوا التعایش مع الواقع المنحرف وإضفاء الشرعیه على الحکام .
ولا شک أنه بعد استعراض موقف الجانبین : إلا أنه فی النهایه معصوم بدرجه ما لیست کامله . إذ أنه لا بد أن تبدر منه بعض الهفوات ولا بد أن یرتکب بعض المعاصی . أما الإمام فقدرته على عصمه نفسه أکبر من ذلک بحکم کونه تربیه بیت النبوه . هذا على المستوى الذاتی الذی أهله إلى العصمه التکوینیه کعصمه الرسل غیر أنها أقل منها درجه . وبما أن الرسول معصوم ومما ینطق عن الهوى ، فعندما یختار وصیه فإن هذا الاختیار یکون بوحی من قبل الله سبحانه یقتضی أن تکون عصمه المختار عصمه تکوینیه أیضا . وعلى المستوى الفردی العادی یمکن للمرء أن یقوم بتربیه ولده تربیه دقیقه یبذل فیها قصارى جهده فی تقویمه وإصلاحه وعزله عن المؤثرات وعوامل الانحراف فینشأ الولد معصوما بدرجه کبیره بحیث یصبح مثلا یحتذى به فی الخلق والسلوک السوی المستقیم .
وإذا کان هذا على مستوى الأفراد فکیف یکون الأمر على مستوى الأنبیاء ؟
إذا الفرد العادی یستطیع أن یوصل ولده إلى مستوى عال من الأدب والخلق فإلى أی مدى یمکن أن یوصل النبی صلى الله علیه وآله الإمام علیا علیه السلام وهو الذی رباه وصنعه على یده وأعده لیکون إماما . . ؟
ونظرا لکون أهل السنه ینظرون لمسأله العصمه نظره مبتوره ومنقوصه کما ذکرنا فإنهم ینظرون بعین الشک إلى مسأله عصمه الإمام عند الشیعه . أو بصوره أخرى إذا کان أهل السنه لا یعتقدون بعصمه الرسل عصمه کلیه فهل یعتقدون بعصمه الإمام . . ! وهم یرتکزون فی هجومهم على الشیعه دائما على فکره العصمه وفکره الغیبه التی سوف نعرض لها فیما بعد .
کما نعتبر کثیر من المعاصرین المعتدلین من أهل الفقه والثقافه إن هاتین الفکرتین هما نقطه الضعف فی الفکر الشیعی .
ویتهم البعض الشیعه بالتناقض لتبنیها العقل الذی نبذه أهل السنه ثم تبنیها فکره العصمه والغیبه فی آن واحد ، وهما فکرتان نبذهما أهل السنه على الرغم من أنهم لا یعطون للعقل المساحه التی تعطیها له الشیعه . . ومثل هذه التهم إنما توجه للشیعه على غیر علم بطبیعه العقیده الشیعیه وأصولها المستمده من أئمه آل البیت .
ومن العسیر هضم فکره العصمه أو فکره الغیبه على أی باحث دون هضم فکره الإمامه التی تتمیز بها الشیعه عما هاتان الفکرتان سوى نتیجتین للإمامه ومن الصعب فهم النتائج دون فهم المقدمات .
 * موقف الصحابه والتابعین والفقهاء بعد الرسول .
 * وموقف آل البیت .
وصوره الإسلام الذی یقدمه کل من الجانبین للناس . . سوف یتبین لنا أن جانب آل البیت لا بد وأن یکون معصوما . فإن الثبات فی مواجهه الفتن ، والانتصار على الهوى هو أعلى درجات العصمه .
وهو ما یبدو من سلوک أئمه آل البیت ومواقفهم ولا یبدو من سلوک ومواقف الجانب الآخر . ولا یتصور من هذا الطرح أن الشیعه یقدمون الأئمه على الرسل أو حتى یساوونهم بهم کما یشیع ذلک خصومهم . . فإن الإمام إنما یتلقى مهمته من الرسول الذی أوصى به فکیف یکون الوصی أعلى من الموصى .
والإمام علی نال مکانته من الرسول صلى الله علیه وآله وهو ینتسب إلیه بحکم القرابه فهو إمام آل بیت الرسول من بعده . والرسول وهو على قید الحیاه جمع بین الرساله والإمامه کما جمعها إبراهیم علیه السلام من قبله . وبعد وفاته انتهى دور الرساله وبقی دور الإمامه متمثلا فی الإمام علی .
إذن الإمام علی استمد قداسته من الرسول ، فکیف یتقدم علیه ؟ وکیف بعد هذا یقال إن الشیعه یعتقدون أن علیا أحق بالرساله من محمد وأن جبریل أخطأ فی الرساله وبدلا من أن یهبط على علی هبط على محمد وهی مقوله تتردد کثیرا على ألسنه الناس حتى یومنا هذا . . وعلى هذا الأساس یمکن القول بأن عصمه الإمام أقل من عصمه الرسول ، لأن دور الإمام أقل من دور الرسول ، وهو مکمل له إلا أنها وإن کانت درجتها أقل من الرسول فهی أعلى من مستوى البشر بدرجات باعتبار أن کل إنسان إنما هو معصوم بدرجه ما .
إن المؤمن المداوم على الصلوات مثلا هو معصوم فی حدود هذا الفعل ، فهو یملک القدره على الاختیار بین المداومه على الصلوات وبین المداومه على المسکرات مثلا . واختیاره الصلوات یعنی عصمته من الانحراف نحو المسکرات .
أما الذی اختار المسکرات وترک الصلوات فهو غیر معصوم . والمرء من الممکن أن یتفوه بأی شئ ، من الممکن أن یسب ویشتم ، من الممکن أن ینطق بکلمه الکفر . فإذا ملک لسانه عن أن یتکلم مثل هذا الکلام فهو معصوم اللسان .
والفتاه التی تصبر محتسبه حتى ترزق بزوج صالح هی معصومه . أما الفتاه التی مالت بها شهوتها وانحرفت فهی غیر معصومه .
إن کلا منا من الممکن أن یکون معصوما ضمن حدود وإطار معین . من الممکن أن یعصم لسانه عن الکذب . من الممکن أن یعصم فرجه عن الزنا .
والمقدمه عند الشیعه تحتمها النصوص ، والنتیجه لا بد أن تکون شرعیه أیضا ، أی أن الإمامه مسأله شرعیه والعصمه والغیبه مسألتان شرعیتان کذلک . وإذا کنا قد عرضنا لقضیه العصمه من الجانب العقلی فیما مضى فإن الأمر یحتم الآن أن نعرض للقضیه من الجانب الشرعی .
 * فی مقدمه النصوص القرآنیه التی یعتمد علیها الشیعه فی إثبات عصمه الإمام قوله تعالى لنبیه إبراهیم : ( إنی جاعلک للناس إماما قال ومن ذریتی قال لا ینال عهدی الظالمین ) البقره / ۱۲۴ .
یقول الطبرسی : استدل أصحابنا بهذه الآیه على أن الإمام لا یکون معصوما عن القبائح لأن الله سبحانه نفى أن ینال عهده – الذی هو الإمامه – ظالم . ومن لیس بمعصوم فقد یکون ظالما إما لنفسه وإما لغیره ( ۱ ) .
ویقول السید محسن الأمین : قوله تعالى خطابا لإبراهیم : ( إنی جاعلک للناس إماما قال ومن ذریتی قال لا ینال عهدی الظالمین ) غیر المعصوم ظالم لنفسه فلا ینال عند الإمامه الذی هو من الله تعالى . وأنه یجب أن یکون أفضل أهل زمانه وأکملهم لأن تقدیم المفضول على الفاضل قبیح . . ( ۲ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) مجمع البیان فی تفسیر القرآن ، ج ۱ . .
( ۲ ) أعیان الشیعه . . ( * )   
وهذا النص یشیر إلى أن سلالات الأنبیاء فیها المحسن والمسئ والعادل والظالم والفاجر والتقی . وآل البیت إنما هم امتداد لذریه إبراهیم علیه السلام لکنهم غیر معصومین على وجه العموم إنما المعصوم منهم طائفه محدده بالنصوص هم الأئمه الاثنا عشر أولهم الإمام علی وآخرهم الإمام المهدی المنتظر علیهم السلام .
 * أما النص الثانی من نصوص العصمه فهو قوله تعالى : ( یا أیها الذین آمنوا أطیعوا الله وأطیعوا الرسول وأولی الأمر منکم ) النساء / ۵۹ .
یقول الشیخ الوائلی : إن أولی الأمر الواجب طاعتهم یجب أن تکون أوامرهم موافقه لا حکام الله تعالى لتجب لهم هذه الطاعه . ولا یتسنى هذا إلا بعصمتهم إذ لو وقع الخطأ منهم لوجب الإنکار علیهم وذلک ینافی أمر الله بالطاعه لهم . . ( ۱ ) .
وقول السید الزنجانی : إن الإمام حافظ للشرع فیجب أن یکون معصوما وإنه لو وقع من الإمام الخطأ لوجب الإنکار علیه وذلک یضاد أمر الطاعه له بقوله تعالى : ( أطیعوا الله وأطیعوا الرسول وأولی الأمر منکم ) وأیضا أنه لو وقعت منه المعصیه لزم نقض الغرض من نصب الإمام والتالی باطل ، فالمقدم مثله بیان الشرطیه أن الغرض من إمامته انقیاد الأمه له وامتثال أوامره واتباعه فیما یفعله . فلو وقعت المعصیه منه لم یجب شئ أقل من ذلک وهو مناف لنصبه . الدلیل الثالث : إنه لو وقعت من الإمام المعصیه لزم أن یکون أقل درجه من العوام لأن عقله أشد ومعرفته بالله تعالى وعقابه وثوابه أکثر فلو وقعت منه المعصیه کان أقل حالا من الرعیه وکل ذلک باطل قطعا فیجب أن یکون الإمام معصوما . . ( ۲ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) هویه التشیع ط . بیروت .
( ۲ ) نهایه الفلسفه الإسلامیه . . ( * )   
 ویقول السید شبر : قوله تعالى : ( أطیعوا الله وأطیعوا الرسول وأولی الأمر منکم ) دل على وجوب إطاعه أولی الأمر کإطاعه الرسول . ولهذا لم یفصل بینهما بالفعل لکمال الاتحاد والمجانسه بخلاف إطاعه الله وإطاعه الرسول . إذ لما کان بین الخالق والمخلوق کمال المباینه فصل بالفعل . ومن المعلوم أن الله سبحانه لا یأمر المؤمنین – لا سیما الصلحاء العلماء الفضلاء – بإطاعه کل ذی أمر وحکم لأن فیهم الفساق والظلمه ومن یأمر بمعصیه الله تعالى ، فیجب أن یکون أولو الأمر الذین أمر الله بطاعتهم مثل النبی صلى الله علیه وآله فی عدم صدور الخطأ والنسیان والکذب والمعاصی . ومثل هذا لا یکون إلا من قبل الله تعالى العالم بالسرائر کما فی النبی صلى الله علیه وآله . . ( ۱ ) .
ویروى عن الباقر والصادق علیهما السلام أن أولی الأمر فی الآیه هم الأئمه من آل محمد ، أوجب الله طاعتهم بالاطلاق کما أوجب طاعته وطاعه رسوله ولا یجوز أن یوجب الله طاعه أحد على الإطلاق إلا من ثبتت عصمته وعلم أن باطنه کظاهره وأمن منه الغلط والأمر القبیح ، ولیس ذلک بحاصل فی الأمراء ولا العلماء – کما یفسر النص أهل السنه – سواهم جل الله عن أن یأمر بطاعه من یعصیه أو بالانقیاد للمختلفین فی القول والفعل لأنه محال أن یطاع المختلفون کما أنه محال أن یجتمع ما اختلفوا فیه . ومما یدل على ذلک أیضا أن الله تعالى لم یقرن طاعه أولی الأمر بطاعه رسوله کما قرن طاعه رسوله بطاعته إلا وأولو الأمر فوق الخلق جمیعا کما أن الرسول فوق أولی الأمر وسائر الخلق ، وهذه صفه أئمه الهدى من آل محمد صلى الله علیه وآله الذین ثبتت إمامتهم وعصمتهم واتفقت الأمه على رتبتهم وعدالتهم . . ( ۲ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) حق الیقین فی أصول الدین ، ج ۲ . .
( ۲ ) المرجع السابق . . ( * )   
إن النص یخاطب المجتمع المؤمن المتقید بطاعه الله وطاعه رسوله وهذا التقید بوجب طاعه من یلتزم بطاعه الله ورسوله من أولی الأمر وإلا أصبح النص معدوم القیمه . ولو جازت طاعه الله ورسوله من أولی الأمر والفاسقین منهم لجاز التفلت من طاعه الله وطاعه رسوله وعدم التقید بها . إذ أن الحاکم المنحرف الفاسد لن یتقید بطاعه الله وطاعه رسوله ، وبالتالی سوف یجر الأمه إلى التفلت من طاعه الله ورسوله وهو ما حدث فی تاریخ هؤلاء الحکام الذین دانت لهم الأمه بالسمع والطاعه بأحادیث مخترعه تتناقض مع النص القرآنی الذی نحن بصدده . والذین حلوا محل الأئمه الأطهار المقصودین بقوله تعالى : ( وأولی الأمر منکم ) . .
* والنص الثالث : هو قوله تعالى : ( إنما یرید الله لیذهب عنکم الرجس أهل البیت ویطهرکم تطهیرا . . ) الأحزاب / ۳۳ .
یقول الشیخ السبحانی : استدلت الشیعه الإمامیه عن بکره أبیها بهذه الآیه على عصمه آل البیت الذین نزلت هذه الآیه فی حقهم . وأن الإراده المقصوده من النص إراده تکوینیه لا تشریعیه ، بمعنى أن إرادته التکوینیه التی تعلقت بتکوین الأشیاء فی عالم الوجود تعلقت أیضا بإذهاب الرجس عن أهل البیت وتطهیرهم من کل رجس وقذر ومن کل عمل یستنفر منه ( ۱ ) .
یقول الشیخ فرج الله الحسنی : دلاله الآیه على عصمه الخمسه الرسول وعلی وفاطمه والحسن والحسین لأنها صدرت بأداه الحصر وهی کلمه " إنما " ، وتعلق إرادته تعالى بالتطهیر وبإذهاب الرجس وهو فعله تعالى یدل على أن الإراده تکوینیه على ما ثبت فی محله ومتعلق التطهیر وهو " الرجس " مطلق محلى بألف ولام الجنس . فالآیه الشریفه تعلن نفی مما هو الرجس بنحو العام الاستیعابی المجموعی عن أهل البیت المذکورین فیها..( ۲ ) .
ویقول الشیخ الوائلی : معنى ذهاب الرجس نفی کل ذنب وخطأ عنهم ، والإراده هنا تکوینیه لا تشریعیه لوضوح أن التشریعیه مراده لکل الناس ( ۳ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) معالم النبوه . .
( ۲ ) المرجع السابق . .
( ۳ ) هویه التشیع . . ( * )   
ویقول الطبرسی : استدلت الشیعه على اختصاص الآیه بهؤلاء الخمسه علیهم السلام بأن قالوا أن لفظه " إنما " محققه لما أثبت بعدها نافیه لما لم یثبت ، فإن قول القائل إنما لک عندی درهم وإنما فی الدار زید یقتضی أنه لیس عنده سوى الدرهم ولیس فی الدار سوى زید . وإذا تقرر هذا فلا تخلو الإراده فی الآیه من أن تکون فی الإراده المحضه أو الإراده التی یتبعها التطهیر وإذهاب الرجس . ولا یجوز الوجه الأول لأن الله تعالى قد أراد من کل مکلف هذه الإراده المطلقه ، فلا اختصاص لها بأهل البیت دون سائر الخلق ، ولأن هذا القول یقتضی المدح والتعظیم لهم بغیر شک وشبهه ولا مدح فی الإراده المجرده ، فثبت الوجه الثانی وفی ثبوته ثبوت عصمه المعنیین بالآیه من جمیع القبائح . وقد علمنا أن من عدا من ذکرنا من أهل البیت غیر مقطوع على عصمته فثبت أن الآیه
مختصه بهم لبطلان تعلقها بغیرهم ، ومتى قیل إن صدور الآیه وما بعدها فی الأزواج فالقول فیه إن هذا لا ینکره من عرف عاده الفصحاء فی کلامهم فإنهم یذهبون من خطاب إلى غیره ویعودون إلیه ، والقرآن من ذلک مملوء وکذلک کلام العرب وأشعارهم . . ( ۱ ) .
ونظرا لدلاله نص التطهیر القطعیه ومعناه الظاهر المحدد بآل البیت لم یجد أهل السنه فی مواجهته سوى التسلح بالتعویم أی إطلاق النص على نساء النبی صلى الله علیه وآله وآل البیت بشکل عام حسب تعریفهم العائم له على ما سوف نبین .
إلا أنهم فاتهم عده نقاط هامه تتعلق بالنص المذکور :
 الأولى : لغویه وقد ألقینا الضوء علیها من أقوال فقهاء الشیعه حول الآیه .
 
 الثانیه : تتعلق بالسیاق فهم یعتبرون السیاق العام للنص یخاطب نساء النبی إلا أن المعروف أن السیاق لیس بحجه لأن ترتیب الآیات لیس توقیفیا على الأرجح ، ولا هناک من النصوص القرآنیه ما یقتضی سیاقه اختلال المعنى على الظاهر مثل قوله تعالى : ( الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی ورضیت لکم الإسلام دینا ) فإن الآیات التالیه لهذه الآیه فی سوره المائده آیات أحکام ، وإذا اعتبرنا السیاق حجه فیجب أن تکون هذه الآیات سابقه لآیه کمال الدین .
 الثالثه : إن نساء النبی ذکرن بالذم فی نفس السوره وفی سوره التحریم وعلى لسان الرسول فی أحادیث کثیره وهذا یتناقض مع طهارتهن ویدل على أنهن لسن مقصودات بآیه التطهیر .
 ـــــــــــــــــــــــــــ
 ( 1 ) مجمع البیان تفسیر سوره الأحزاب . . ( * )   
الرابعه : إن هناک روایات وردت على لسان الرسول تخصص الآیه وتحصرها فی حدود الخمسه ، وتعرف آل البیت فی حدود علی وفاطمه والحسن والحسین دون غیرهم وعلى رأس هذه الروایات حدیث الکساء . . ( ۱ ) .
وبالإضافه إلى هذه النصوص القرآنیه هناک حدیث وارد عن الرسول صلى الله علیه وآله یفید ثبوت العصمه لآل البیت . . وهذا النص النبوی هو حدیث الثقلین الذی ذکرناه سابقا فی نصوص الإمامه . فهذا النص قد قرن الکتاب بالعتره الطاهره ( کتاب الله وعترتی ) وربط العتره بالکتاب دلیل على عصمه العتره أئمه آل البیت .
ـــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) أنظر باب الرجال فصل آل البیت . . ( * )   
فما دام الکتاب معصوما فلا بد أن تکون العتره المقرونه به معصومه أیضا ، إذ لیس من المقبول عقلا أن یربط الرسول بالقرآن فئه غیر جدیره بهذا الارتباط ولیست على مستواه . فلا بد أن تکون هذه الفئه تتوافر بها مؤهلات حفظ الکتاب من بعد الرسول وإبلاغه للناس على الوجه الأکمل دون تحریف أو تأویل أو میل للباطل أو القبلیه أو الهوى أو الحکام ، وهذا الدور فی ذاته یتطلب عصمه . ومثل هذا النص یشیر إلى أن العتره هی وارثه الکتاب من بعد الرسول والمعبر الحقیقی عن الإسلام مما یوجب إمامتهم ویوجب بالتالی عصمتهم . وهذا ینفی فکره الإمامه عند أهل السنه ویبطل خلافه الثلاثه من بعد الرسول . کما ینفی من جانب آخر ما قیل حول جمع القرآن من قبل أبو بکر فالرسول قد أورث الکتاب کاملا لعترته ممثله فی رأس العتره الإمام علی ولا یعقل أن یترکه مبعثرا هنا وهناک مهددا بالفقد والضیاع والنسیان ، ولو صح ما یعتقده أهل السنه من أفضلیه أبو بکر على الأمه وعلى الإمام علی ، لترک الرسول القرآن لدیه أو لدى عمر أو لدى عثمان وعم جمیعهم مقدمون على الإمام عندهم . لکن الثلاثه کما هو معروف لم یکونوا من حفظه القرآن ولا من کتبته مما یدل على أن هناک طرفا آخر ورث الکتاب عن الرسول غیر هؤلاء ، تتوافر لدیه مقومات حمل هذه التبعیه ویتحلى بمؤهلات لیست فی هؤلاء من التقوى والعلم والشجاعه تعینه على القیام بهذه المهمه من بعد الرسول . . صاحب هذه المؤهلات هو الإمام علی . ومهمته هذه هی امتداد لمهمه الرسول ومکمله لها مما یفرض أن یکون معصوما هو ومن یتسلم المهمه من بعد أئمه آل البیت . .
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.