حیره أهل السنه فی هذا العصر
إما لأن الإمام یجب أن یکون قرشیًّا ، وجُل حکَّام المسلمین الیوم لیسوا من قریش ، والقرشی منهم لم یقم دلیل على إمامته العامه على کل المسلمین ، لا عند أهل السنه ولا عند غیرهم ، وإما لعدم توفّر الصفات الأخرى فیه.
محاوله لدفع الإشکال وردّها :
قد یقال : إن أهل السنه فی بعض البلاد الإسلامیه بایعوا حاکمهم بیعه شرعیه صحیحه ، وبذلک یکونون قد أدَّوا ما فرضه الله علیهم من مبایعه إمام لهم فی هذا الزمان.
والجواب :
۱ ـ على فرض حصول بیعه ( شرعیه ) لحاکم من حُکّام المسلمین فی بلد ما ، فإن باقی أهل السنه فی کل البلاد الأخرى لم یبایعوا ذلک الحاکم ، فإما أن تکون بیعه المبایِعین صحیحه فیجب على غیرهم متابعتهم فیها ، وحیث لم یفعلوا فقد ترکوا أهم الواجبات علیهم ، وإما أن تکون تلک البیعه باطله فلا اعتبار بها ، فوجودها کعدمها.
۲ ـ أن أولئک المبایعین إنما بایعوه على السمع والطاعه وعلى کونه حاکماً على بلادهم ، لا على کونه خلیفه أو إماماً لکل المسلمین ، ولذلک لم نرَ حاکماً معاصراً ادَّعى الخلافه أو الإمامه على کل المسلمین ، والذی یتأدَّى به الفرض هو البیعه على النحو الثانی لا الأول.
۳ ـ أن الخلیفه الحق لا تثبت خلافته عندهم إلا بالنص من الله ورسوله ، أو بنصّ إمام الحق الذی قبله ، أو بالشورى من المسلمین کافه ، أو بالقهر والغلبه على سائر بلاد الإسلام ، وشیء من ذلک کله لم یتم لحاکم معاصر کما هو واضح.
وتثبت الخلافه أیضاً ببیعه أهل الحل والعقد ، وعلیه فإن کان أولئک المبایعون هم أهل الحل والعقد (۱) فبیعتهم صحیحه ، وإلا فلا ، ولا تُعْرَف فئه فی أهل السنه الیوم موصوفه بهذه الصفه ، فحینئذ لا تصح بیعه هؤلاء ، ولا تکون
وسلم) .
مُلزِمه لغیرهم ، وتکون مشموله لقول عمر : فمَن بایع رجلاً على غیر مشوره من المسلمین فلا یُتابَع هو ولا الذی بایعه تغِرَّه أن یُقتَلا (۲).
۴ ـ أن مبایعتهم لذلک الحاکم معارَضه بمبایعه غیرهم لحاکم آخر فی بلاد أخرى من بلاد المسلمین ، ولا یصح بیعه خلیفتین فی عصر واحد ، ومع تحقق ذلک فإحدى البیعتین باطله قطعاً.
ثم إن البیعه لا تصح عندهم إلا إذا کان الحاکم قرشیاً عادلاً مجتهداً کما مرّ.
والحاصل : أن کل أهل السنه لم یبایعوا إماماً واحداً لهم من الحُکّام المعاصرین ولا من غیرهم ، وبذلک یکونون قد ترکوا واجباً من أعظم الواجبات الشرعیه ، وتخلفوا عن وظیفه من أهم الوظائف الدینیه.
محاوله أخرى وردّها :
وقد یقال أیضاً : إن کل واحد من أهل السنه اتَّبع إماماً من أئمه المسلمین ، ومن الواضح المعلوم أن أهل السنه منهم من یتّبع أبا حنیفه النعمان ، ومنهم من یتَّبع مالک بن أنس ، ومنهم من یتبع محمد بن إدریس الشافعی ، ومنهم من یتّبع أحمد بن حنبل ، فکل واحد منهم یموت وفی عنقه بیعه لإمام من هؤلاء الأئمه ، فلا إشکال علیهم حینئذ.
والجواب :
۱ ـ أن محل الکلام هو مبایعه الإمام الذی یتولَّى أمور المسلمین ویکون حاکماً له سلطه زمنیه على الناس ، وهذا هو الذی أوجبه علماء أهل السنه فیما تقدم من عباراتهم ، ودلّت علیه الأحادیث السابقه ، ولیس محل البحث هو علماء الدین الذین یعمل الناس بفتاواهم ، فإن هؤلاء لا تجب مبایعتهم بالاتفاق ، بل یجب سؤالهم لمعرفه الأحکام الشرعیه لا غیر ، کما قال جل شأنه
( فاسألوا أهل الذِّکْر إن کنتم لا تعلمون ) (۳).
۲ ـ لم یُفْتِ أحد من أئمه المذاهب الأربعه بوجوب أخذ البیعه له أو لغیره من فقهاء الأمصار ، ولم ینقل أحد من أعلام أهل السنه أن البیعه أُخِذَت لهم ، لا فی عصورهم ولا فی العصور المتأخره عنهم ، ولو کانت البیعه لهم واجبه لبیَّنوا ذلک للناس وحثّوهم علیها.
۳ ـ أنا قلنا فیما مرَّ أن البیعه هی المعاهده ، وهی لا تتحقق إلا مع الإمام الحی الحاضر ، وعلیه فلا یمکن مبایعه واحد من الأئمه الماضین ، لأنها مفاعله بین طرفین ، والمیت لا یعلم ببیعه الحی له ولا تقع منه معاهده معه على شیء ، وهو واضح لا یحتاج إلى زیاده تفصیل.
محاوله ثالثه وردّها :
فإن أجابوا عن هذه المسأله بأن إمام المسلمین واحد من العلماء المعاصرین من أهل السنه.
فالجواب :
۱ ـ ما قلناه فیما تقدّم یأتی هنا أیضاً ، فإن محل الکلام فی الإمام الذی یتولَّى أمور المسلمین ویکون حاکماً علیهم ، ولیس الکلام فی أئمه العلم ، فإن أئمه العلم لا تجب بیعتهم عند أهل السنه.
۲ ـ قلنا فیما تقدم أنه یشترط فی الإمام أن یکون مجتهداً ، وحیث إن أهل السنه قد أغلقوا باب الاجتهاد ، وحصروا التقلید فی أئمه المذاهب الأربعه ، فلا یوجد فی علماء أهل السنه فی هذا العصر إلا المقلِّده ، ومن یدَّعی الاجتهاد منهم لا یوافقونه على اجتهاده ولا یسلِّمون له به ، فحینئذ لا یصلح واحد منهم لإمامه المسلمین.
۳ ـ لو سلَّمنا أن واحداً من العلماء المعاصرین فیه الأهلیه للإمامه عندهم ، إلا أنه لا یکون إماماً بمجرد کونه أهلاً للإمامه ، وذلک لأن علماء أهل السنه أنفسهم اعتبروا أیضاً فی إمام المسلمین أن یبایعه أهل الحل والعقد ، أو یکون مبسوط الید على بلاد المسلمین متسلِّطاً علیها ، ولأجل ذلک عدّوا معاویه مثلاً من الخلفاء الاثنی عشر الذین بشَّر بهم النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) کما مرَّ مفصّلا ، ولم یعدّوا منهم مَن هو خیر منه من السابقین الأولین من المهاجرین والأنصار المعاصرین له الذین لم تکن لهم إمره ، کما لم یعدُّوا منهم غیرهم ممن وصفوهم بأنهم من المبشَّرین بالجنه ، کسعد بن أبی وقاص مثلاً.
بل لم یعدوا من الخلفاء الاثنی عشر علماء الصحابه کابن عباس وابن مسعود وغیرهما ، للسبب الذی ذکرناه.
محاوله رابعه وردّها :
فإن قالوا : إنَّا نسلّم أن أهل السنه ترکوا القیام بهذا الفرض فلم یبایعوا إماماً فی هذا العصر ولا فی العصور المتقدمه التی تلت عصر الخلافه ، لکن لا تلزم المعصیه والضلاله والموت میته جاهلیه ، وذلک إنما یلزم لو ترکوه عن قدره واختیار لا عن عجز واضطرار (۴).
فالجواب :
۱ ـ أنَّا لا نسلّم أن أهل السنه عاجزون عن بیعه إمام لهم فی هذا العصر ، لأن البیعه هی نوع من إظهار الطاعه للحاکم ، وهذا مقدور علیه ، ویمکن لعلماء أهل السنه أن یرشدوا العوام فی جمیع البلاد إلى مبایعه من یرونه الأصلح للإمامه من حُکام المسلمین أو من غیرهم.
وخوفهم من سخط حُکَّام بلادهم لا یسوّغ لهم ترک بیان فریضه من أهم الفرائض ووظیفه من أعظم الوظائف ، لأن أهل السنه لا یرون جواز التقیه من الحاکم المسلم ، ولهذا عدّوا من فضائل الإمام مالک بن أنس والإمام أحمد بن حنبل وغیرهما الجهر ببیان المعتقد مع ما کان فیه من سخط الخلفاء والوقوع فی المحنه.
هذا مع أن هناک منابر دولیه یُتمکَّن بها من بیان کل عقیده وإیضاح کل وظیفه بلا أی محذور ولا خوف ولا ضرر ، وهذا أمر مقدور للکل أو للأغلب ، مع أنَّا لا نرى أحداً من أهل السنه قام به.
۲ ـ مع الإغماض عن کل ذلک وتسلیم أن أهل السنه عاجزون عن مبایعه إمام لهم ، فهذا یرفع الإثم والعقاب عنهم ، لأن الله جل شأنه لا یکلف الناس بما لا یطیقون ، أما أن میتتهم لا تکون بسبب الاضطرار جاهلیه فهذا لا نسلّم به ، فإن أهل الفَتْره ـ الذی عاشوا فی الجاهلیه وهم لا یعلمون بدین سماوی ، وکانوا مستضعفین فی الأرض ، ولا یفقهون من أمرهم إلا ما یتعلق بمعاشهم ـ فإن هؤلاء لا یُعذَّبون ، عملاً بقوله جل شأنه ( وما کنا معذِّبین حتى نبعث رسولاً ) ، مع أنهم لا شک فی کونهم ضُلاّلاً ، لأن کل من لم یتّبع الحق ـ وإن کان معذوراً ـ فهو ضال.
وما نحن فیه کذلک ، فإن حدیث مسلم نص على أن کل من لم تکن فی عنقه بیعه لإمام فمیتته جاهلیه ، وبإطلاقه یشمل من کان معذوراً لجهل أو اضطرار أو عجز أو غیر ذلک.
وعلى ضوء ما تقدّم نقول : إن أهل السنه فی جمیع البلاد الإسلامیه إما أن یکون فیهم من هو أهل للإمامه ، ومتَّصف بالصفات التی ذکروها ، حینئذ یجب علیهم جمیعاً أن یبایعوه إماماً لهم.
وإما أن لا یکون فیهم مَن یتَّصف بالصفات المزبوه ، فالواجب علیهم حینئذ بیعه رجل منهم یکون إماماً على جمیع المسلمین ، ولا یجوز ترک المسلمین من دون إمام بَرّ أو فاجر.
هذا ما نصَّ علیه علماؤهم فی مصنفاتهم.
وأهل السنه فی جمیع البلدان لم یبایعوا إماماً لهم ، فهم بأجمعهم أو أکثرهم مخالفون لفتاوى علمائهم التی دلَّت على أنه یجب على المسلمین فی کل عصر أن یبایعوا مَن یصلح منهم للإمامه ، ومعرضون عن الأحادیث الصحیحه ، وغیر عاملین بمضمونها .
____________
(۱) أهل الحل والعقد هم أصحاب الرأی والدین والمشوره فی المسلمین الذی یلزم غیرهم متابعتهم عند أهل السنه ، مثل الصحابه فی المدینه بعد زمان النبی (صلى الله علیه وآله وسلم)
(۲) صحیح البخاری ۹|۱۰۰ کتاب الأحکام ، باب الاستخلاف. وهو الحدیث الذی تقدم تخریجه فی حدیثنا عن بیعه أبی بکر وأنها کانت فلته فی الفصل الثانی.
(۳) سوره الأنبیاء ، الآیه ۷٫
(۴) هذا الجواب للتفتازانی فی شرح المقاصد ۵|۲۳۹٫