الصلاه على النبی وآله .. حیاه للقلوب

0

وحینما تکون الصلاه من الملائکه للعباد المؤمنین فذلک یعنی أن الملائکه یستغفرون لهم، ویدعون لهم ویؤمنون على دعائهم ویسدّدونهم ویترکونهم ویعصمونهم من الأخطاء. أما عندما تکون الصلاه من العبد لربه فإنه یعنی الدعاء والتضرع والتبتّل.
وکلمه الصلاه هی واحده ذاتاً ومعنىً، إلا أن ما یطرأ على هذه الکلمه من مختلف التطبیقات والتأویلات إنما هی بحسب موقع الإنسان أو موقع القائل للصلاه. فمثلاً حینما تکون کلمه (افعل) من العالی إلى الدانی فإنّها تکون أمراً، وحینما تکون منطلقه من الشخص إلى نظیره فإنها تکون رجاءً، وعندما تنبعث من الشخص لمن هو فوقه فهی ستکون دعاءً وطلباً، وکذا هی کلمه (الصلاه) التی یفید معناها اللغوی التحنن والتعطف والترؤف والتعبیر عن الحنان والحب والعنایه وما أشبه.
فالصلاه حینما تکون من الإنسان إلى الله کهذه الصلاه التی نؤدیها، فإنها ستعنی حاله من الدعاء، لذلک قال بعض اللغویون: أن معنى الصلاه هو الدعاء. وهنا وقفوا حائرین، فإذا کانت کلمه الصلاه تعنی الدعاء، فما معنى صلاه الله على عبیده؟ وصلاه الملائکه علیهم؟ ولماذا نجد الکلمه ذاتها تتکرر أو تستخدم، مع أن استخدام المشترک اللفظی لا یجوز فی مره واحده فی معنیین مختلفین، کما یقول علماء الأصول؟ إذن فالصلاه لیس معناها الدعاء فقط وإنما تأتی بمعنى العطف أیضاً، عطوفه الإنسان أمام ربه، فالصلاه بمعنى التعطف تمثل طبیعه العلاقه والرابطه والصله بین العبد وربّه.
الدعاء مخ العباده
تتخذ الصلاه من جانب العبد طبیعه الدعاء، والفرد المؤمن لا یملک شیئاً سوى الدعاء.
فالإنسان مهما عمل من عمل لا یمکنه أن یطلب الله بجزاء على ذلک العمل، ولا یملک أیه حجه لیحتج على ربّه. وحتى الشکر الذی نشکر به الله سبحانه وتعالى لا یمکننا أن نؤدّیه إلا بما یتطلب منا مزیداً من الشکر، لأن الشکر یتم بجوارح الجسم وجوانح القلب وهذه کلها ملک خاص لله عزّ وجلّ شأنه. والشکر لا یتم إلا بتوفیق من الله وفی ذلک لله علینا حجه ومنّه أن وفقنا لشکره. وشهر شعبان هو من أشهر الدعاء، وهو شهر رسول الله (صلّى الله علیه وآله): (الذی کان یدأب فی صیامه وقیامه فی لیالیه وأیامه بخوعاً لله).
وفی هذا الشهر الکریم کان الرسول الأکرم (صلّى الله علیه وآله) یبعث بمنادٍ إلى طرقات المدینه یهتف:
(أیها الناس! أنا رسول الله (صلّى الله علیه وآله)، ها قد أقبل شهر شعبان، وهو شهر رسول الله، فأحیوا هذا الشهر بذکر الله وبالصیام والقیام).
مکرمه الصلاه على النبی (صلّى الله علیه وآله) لماذا؟
خصّص الله سبحانه وتعالى سوره الأحزاب لبیان مکرمات الرسول (صلّى الله علیه وآله) والمیزات التی تمیز بها والأحکام التی اختص بها.
ففی هذه السوره نجد قوله تعالى فی أهل بیت الرسول وذریته الذین ساروا على دربه.. (إِنَّما یُرِیدُ اللهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً).
وقد خصصت سوره الأحزاب بصوره عامه لبیان علاقه الأمه بالقیاده الرسالیه وبالذات قیاده أهل البیت (علیهم السلام).
وآیه الصلاه فی هذه السوره (إِنَّ اللهَ وَمَلائِکَتَهُ یُصَلُّونَ عَلَى النَّبِیِّ) إنما تعنی أن الله یتحنن ویترحم على رسوله ویکرمه وکذلک الملائکه یفعلون.. ثم یقول سبحانه وتعالى: (یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَیْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِیماً).
لماذا هذه الصلاه؟ وماذا تعنی؟
قبل کلّ شیء لابدّ من تصحیح مسار الثقافه الإنسانیه عبر القرون وإلى الأبد، فکلما تورط الإنسان فی الانحراف الثقافی جاء القرآن لیصلح الإنسان ولیکون شفاءً ونجاه له من ذلک الانحراف. ولذا لابدّ أن نقول أن مکرمه الصلاه على النبی (صلّى الله علیه وآله) ـ التی خص بها المسلمون ـ تحمل فی طیاتها جمیع معانی العقیده الإیمانیه السلیمه، والرفض القاطع لسائر الأفکار الباطله. وتنقذ المسلمین من کثیر من الضلالات والانحرافات التی یستدرج بها البشر بوحی من الشیطان وتابعیه ومن أبرز هذه الضلالات:
أولاً: الغلوّ
فالبعض یغلو حتى یعتقد أن بإمکان الإنسان بلوغ درجه الإلوهیه بمجرد انتمائه إلى شخص مقرب إلى الله.
وأفضل مثال على ذلک الیهود الذین قالوا: (نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ)، لتصورهم أنّ مجرد انتمائهم إلى موسى بن عمران (علیه السلام) وإلى بنی إسرائیل یعطیهم الحق فی التشدق بهذا الإدعاء وغیره.
والغلوّ مرفوض فی الإسلام، لذلک نجد أننا حینما نرید إکرام الرسول (صلّى الله علیه وآله) ونفعل ذلک إنما عبر الدعاء إلى الله بأن یصلی على نبیّه.. وأن إیجاد الرابطه والعلاقه بیننا وبین الرسول الأکرم (صلّى الله علیه وآله) لابدّ أن تکون هذه العلاقه ضمن إطار توحید الله.
فالرسول لا یمکن إلا أن یکون عبداً ورسولاً لله، وإن الله سبحانه وتعالى یؤکد فی هذه السوره على ضروره عدم الغلو فیقول: (مَا کَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِکُمْ وَلَکِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِیِّینَ وَکَانَ اللَّهُ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیماً).
أی لا تنعتوا الرسول بصفه الأبوه لتغلوا فی دینکم کما فعلت الیهود والنصارى من ذی قبل.. إذن فالصلاه على النبی تحمل الرفض للغلوّ.
ثانیاً: رفض الوسیله إلى الله
هذه الضلاله ترفض أیه وسیله تقربنا إلى الله، یزعم أتباعها بأن الدین هو مجرد علاقه بین القلب والرب، ولا حاجه إلى رسول أو إمام أو قائد وملهم دینی یربطنا بالله، وحسبنا أن نرکع ونسجد ولا نأتی باباً یوصلنا إلى مرضاه الله.
ویأتی القرآن الکریم لنسف هذه الضلاله فیقول: إذا ما أراد الإنسان التقرب والعروج إلى الله فلابدّ من التقرب إلیه سبحانه وتعالى عبر رسوله، فیصلی تقرباً إلى الله.
فالرسول هو وسیلتنا إلى الله، ولذلک جاء فی الأحادیث إذا أراد العبد أن تقبل دعواته ویستجاب نداؤه فلابدّ من تقدیم الصلاه على الرسول قبل الدعاء.
إن الدعاء إلى الله مقبول ولکن عبر هذه الوسیله، ولا یمکن بشکل من الأشکال اختراق المراحل وتجاوز الوسائل. فالله أولاً ثم رسول الله (صلّى الله علیه وآله) وأهل بیت رسول الله ثم الذین یمثلون خط الرسول وخط أهل بیته صلوات الله وسلامه علیهم أجمعین، هؤلاء هم وسائلنا إلى الله: (وَابْتَغُوا إِلَیْهِ الْوَسِیلَهَ).
حکمتان
هنالک حکمتان فی طی الصلاه على النبی (صلّى الله علیه وآله) وهما:
الحکمه الأولى: إن الله عزّ وجلّ قد جعل بدء الدعاء واختتامه بالصلاه على النبی شرطاً لاستجابه الدعاء. فکما أن مؤسسه البرید تهمل الرسائل التی لا تحمل طابعاً بریدیاً، کذلک الله یهمل الدعاء فلا یستجیبه إذا ما کان مجرداً من الصلاه على محمد وآل محمد.
الحکمه الثانیه: حینما بحث علماء النفس فی طبیعه الدعاء لدى الإنسان، وفی طبیعه الدوافع والنوازع التی تدعوه إلى طاعه أحد ما، وجدوا أن الإنسان أشد ما تکون طاعته لمن یحب.. وعلى هذا الأساس فسروا اتباع الطفل الصغیر لأمّه، فهو یتبعها ویطیعها حُباً لها لا خوفاً منها. وبذا علم الباحثین فی علم النفس أن أعظم وسیله تدفع الفرد إلى الطاعه هی الحب. ونحن عندما نرید إطاعه الرسول (صلّى الله علیه وآله) لابدّ من اتباع ثلاثه محاور لنبلغ الدرجات العلا فی الجنه.. وهی:
۱ـ رساله الله إلى النبی المتمثله فی القرآن الکریم.
۲ـ سنه النبی وأهل بیته التی تتلخص بالأحادیث الصحیحه.
۳ـ سیره النبی وأهل بتیه التی تتلخص فی حیاتهم وسلوکهم.
لا یمکن اتباع الرسول (صلّى الله علیه وآله) وأهل بیته (علیهم السلام) الذین هم ضمیر الدین وقدوات المؤمنین وأئمه المتقین إلا بحبهم، والحب کأی شیء آخر بحاجه إلى تنمیه ورعایه، وهذه التنمیه بدورها تتم عبر الصلاه علیهم. فحینما نصلی على النبی وآله، ونکرر هذه الجمله فی صلواتنا وبعدها وقبلها وفی مختلف الحالات، فإننا نزداد حبّاً لهم ولمنهجهم وسنتهم وعندها نحظى بتوفیق الله سبحانه وتعالى.
فضل الصلاه فی الأحادیث الشریفه
هنالک العدید من الأحادیث الشریفه المرویه عن النبی (صلّى الله علیه وآله) والأئمه الأطهار التی جاء فیها بیان لفضل الصلاه على (محمد وآل محمد). عن محمد بن مسلم عن أحدهما ـ أی الإمامین الباقر والصادق (علیهما السلام) ـ: (ما فی المیزان أثقل من الصلاه على محمد وآل محمد، وإن الرجل لتوضع أعماله فی المیزان فتمیل به ـ أی ترجع کفه الأعمال السیئه على الحسنه ـ فیخرج الصلاه علیها فیضعها فی میزانه فترجح).
وفی حدیث آخر عن عبد الله بن سنان عن أبی عبد لله الصادق (علیه السلام) قال سمعته یقول:
(قال رسول الله (صلّى الله علیه وآله): ارفعوا أصواتکم بالصلاه علیّ فإنّها تذهب بالنفاق).
وعن أبی بصیر عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال: (إذا ذکر النبی فأکثروا الصلاه علیه فإنه من صلى على النبی صلاه واحده صلى الله علیه ألف صلاه فی ألف صف من الملائکه، ولم یبق شیء ممّا خلقه الله إلا صلى على العبد لصلاه الله وصلاه ملائکته، فمن لم یرغب فی هذا فهو جاهل مغرور قد برأ الله منه ورسوله وأهل بیته).
عن ابن قداح عن أبی عبد الله (علیه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله علیه وآله): من صلى علیّ صلى الله علیه وملائکته فمن شاء فلیقل ومن شاء فلیکثر).
وعن الحسن بن فضال عن الإمام الرضا (علیه السلام) یقول: (من لم یقدر على ما یکفّر به ذنوبه فلیکثر من الصلاه على محمد وآل محمد فإنّها تهدم الذنوب هدماً).
أتى رجل إلى النبی (صلّى الله علیه وآله) وقال له: (یا رسول الله! أجعل لک ثلث صلاتی، لا بل أجعل لک نصف صلاتی، لا بل أجعلها کلها لک).
فقال رسول الله (صلّى الله علیه وآله): (إذاً تکفى مؤونه الدنیا والآخره).
وفی روایه أخرى عن النبی (صلّى الله علیه وآله) یقول:
(أکثروا الصلاه علیّ فإن الصلاه علیّ نور فی القبر ونور على الصراط ونور فی الجنه).
(من صلى علیّ فی کتاب لم تزل الملائکه یستغفرون له ما دام اسمی فی ذلک الکتاب).
وسئل الرسول (صلّى الله علیه وآله) عن الصلاه البتراء؟ فقال: (أن تصلّوا علیّ ولا تصلّوا على أهل بیتی).

Leave A Reply

Your email address will not be published.