الأبعاد التربویه للتوبه

0

 فهو إذا بحاجه إلى نافذه خیر وأمل فی مسیرته الحیاتیه، ونافذه مضیئه یستطیع أن یبصر نورها حتى ولو ذهب بعیداً عن طاعه الله فی انحرافه وطغیانه.. أجل إنه بحاجه إلى هذه النافذه ما دام یعیش فی حیاه محفوفه بالأشواک ملیئه بالمغریات زاخره بالشهوات الضاغطه الملحه، فکانت التوبه هی النافذه التی تشع فی نفوس العصاه الأمل فی القدره على اصلاح أنفسهم وإنقاذها من مهاوی الانحراف والعوده بها من جدید إلى طریق الهدى والاستقامه. ومن هذا المنطلق نستطیع القول بأن التوبه تنطوی على بعدین تربویین:
البعد الأول: حفظ روح الرجاء من أن تخبو جذوتها لدى المذنبین الذین أسرفوا على أنفسهم فی ارتکاب الجرائم واقتراف المآثم فلکی لا یظن هؤلاء أن لا مغفره لهم بعد إسرافهم هذا فینقلبوا یائسین من رحمه الله سبحانه، مما یجعلهم یتمادون فی الانحراف والعصیان لله سبحانه شرعت التوبه فی الاسلام لإنقاذ أمثال هؤلاء من حاله السقوط فی بحر القنوط ومن حاله الاستسلام لظلمات المعاصی ووساوس الشیطان.
(قل یا عبادی الذین أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله، إن الله یغفر الذنوب جمیعاً، إنه هو الغفور الرحیم) الزمر/ ۵۳٫
والخوف والرجاء من أهم أرکان منهج التربیه الاسلامیه فی الحیاه، فهما مبدآن قرآنیان لتربیه الفرد والأمه ووضعهما على الخط الاسلامی الصحیح، لیهرب المسلم عما یضره خوفاً من عقاب الله القوی الشدید ویتشوق إلى ما ینفعه ویصلحه رجاء مغفره الله الواسعه، وقد صوّر القرآن الکریم خطی "الخوف والرجاء" أروع تصویر فی قوله سبحانه: (غافر الذنب وقابل التوب، شدید العقاب ذی الطول لا إله إلا هو إلیه المصیر) غافر/ ۳٫
وتعتبر التوبه أبرز مفهوم تربوی یجسد عنصر الرجاء فی منهج التربیه الاسلامیه، کما یدلنا على ذلک أثرها التبوی العظیم فی إعاده المذنبین إلى طریق الله المستقیم. ونلمح هذا الدور الإیجابی لعنصر الرجاء فی التوبه من حدیث الإمام الصادق (ع) الذی یرویه عن النبی (ص)، قال: "قال الله عزوجل مَن أذنب ذنباً فعلم أن لی أن أعذبه وأن لی أن أعفو عنه عفوت عنه".
وفی حدیث آخر عن الإمام الصادق (ع) کذلک جاء فیه أنه قال: "ما من مؤمن یذنب ذنباً إلا آجله الله سبع ساعات من النهار، فان هو تاب لم یکتب علیه شیء، وإن هو لم یفعل کتب علیه سیئه".
وهذه النصوص توحی للمذنبین بأن ذنوبهم مهما کثرت لا یمکن أن تقف حائلاً بینهم وبین رحمه الله سبحانه، بشرط أن یهتدوا إلى طریق التوبه والمغفره التی هی أقرب الطرق الموصله إلیه جلّ اسمه.
ومع ذلک یبقى عنصر الخوف من الله الشدید العقاب، وهو العنصر الثانی فی منهج التربیه الاسلامیه، نعم یبقى هذا العنصر یعمل عمله التربوی کذلک، فیوحی للمذنبین الطاغین فی عصیانهم بأنهم مهما تمردوا على إراده الله سبحانه وانحرفوا بعیداً عن رضاه وهربوا من ساحه طاعته، فهم مع ذلک محاطون من قبله محاصرون فی مملکته ولیس لهم مصیر إلا إلیه، فلیحذروا إذن من الإصرار فی عصیانهم وطغیانهم، فإن ورائهم حساباً عسیراً ویوماً عصیباً، یوم تبلى السرائر فما لهم من قوه ولا ناصر.
وقد أوضح الإمام الصادق (ع) فی حدیث له أهمیه عنصر الخوف ـ کأسلوب تربوی ـ فی تعبید الانسان المذنب التائب لله سبحانه، فقال: "إن الرجل لیذنب الذنب، فیدخله الله به الجنه!! قلت: یدخله الله بالذنب الجنه؟ قال: نعم، انه یذنب فلا یزال منه خائفاً ماقتاً لنفسه، فیرحمه الله فیدخله الجنه".
البعد الثانی: وهو إنقاذ المذنبین من عقده الشعور بالنقص والذنب أمام المتقین الطاهرین، فالتوبه تشعرهم ـ على نحو الیقین ـ بأنهم أصبحوا فی عداد الطاهرین الأتقیاء بمجرد أن أعلنوا عن توبتهم لله سبحانه باخلاص والتزموا بشروط التوبه الصحیحه، کما یدل على ذلک حدیث رواه الفریقان عن رسول الله (ص)، قال: "التائب حبیب الله والتائب من الذنب کمن لا ذنب له".
 
 

وهکذا تصبح التوبه طریقاً تربویاً للتکامل النفسی ووسیله للصلاح والفلاح فی حیاه التائبین، کما قال الله تعالى فی کتابه الکریم: (توبوا إلى الله جمیعاً أیها المؤمنون لعلکم تفلحون) النور/ ۳۱٫

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.