مجالات الإصلاح فی المجتمع
الإنسان أفضل المخلوقین وأکرمهم عند الله.. سخّر الله له ما فی السّموات والأرض، واختاره لکی یکون خلیفته فی الأرض لیحمل القیم الإلهیّه الجمیله فی سلوکه وأخلاقه وتعامله مع الناس وخدمته لهم.. إنّه بإختصار "سفیر الرَّحمه الإلهیّه".
ولذا کان محور بعثه الأنبیاء وجهاد الأولیاء السعی لتکامل هذا الإنسان علماً وحلماً والوصول بالمجتمع البشری إلى شاطئ الأمن والسلام والمودّه والوئام، لذا یقول الله تعالى عن رسوله الکریم(ص): (وما أرسلناکَ إلاّ رحمهً للعالمین) (الأنبیاء/ ۱۰۷)، ویقول الرسول الکریم: "إنّما بُعثت لأُتمِّم مکارم الأخلاق" .
من هنا کان ویکون: إصلاح الإنسان والمجتمع البشری، ذاتاً: مفاهیم وقیماً، وأخلاقاً وتربیه، الهدف الأساس لکل عملیه الإصلاح فی الإسلام، ولذلک توجّهت الآیات الکریمه فی مجمل القرآن الکریم إلى خطاب الفرد بنفسه، لکی یؤمن ویتوب ویُصلح نفسه قبل الآخرین.. ومن ثمّ تتّجه إلى خطاب الجماعه المؤمنه للإصلاح، فی نفسها وحالها، کی تصلح الآخرین.. ومن ثمّ تتّجه إلى مطالبه الناس جمیعاً بالإصلاح لأنّ فی ذلک فلاحهم ونجاتهم وبقاء النوع الإنسانی واستمراره على الأرض، بدلاً من إفسادها وهلاکهم جمیعاً نتیجه لسوء عمل البشر وفساد تدبیره.
یقول تعالى: (یا أیُّها الذین آمنوا علیکم أنفسکم لا یضُرُّکم مَن ضَلَّ إذا اهتدیتم…)(المائده/ ۱۰۵).
ویقول تعالى: (فمن آمَنَ وأصلحَ فلا خوفٌ علیهم ولا هُم یحزنون) (الأنعام/ ۴۸).
ویقول جلّ شأنه: (وإن تُصلحوا وتتقوا فإنّ الله کان غفوراً رحیما) (النِّساء/ ۱۲۹).
ویقول: (إنّما المؤمنون إخوهٌ فأصلحوا بین أخویکم واتّقوا الله لعلّکم تُرحمون) (الحُجرات/ ۱۰).
ویقول جلّ شأنه: (ولا تُفسدوا فی الأرض بعد إصلاحها ذلکم خیرٌ لکم) (الأعراف/ ۸۵).
ویقول: (وما کان ربّک لیهلک القرى بظلم وأهلها مصلحون) (هود/ ۱۱۷).
ویقول الرسول الکریم(ص): "لیس الإیمان بالتحلّی ولا بالتمنّی، ولکن الإیمان ما خلص فی القلب وصدّقته الأعمال" .
إذن، محور الإصلاح، کما یراه الإسلام، وکما یعرضه القرآن، یبدأ بالتربیه وإصلاح الذات: من الإنسان، فأهله وذرِّیّته، ثمّ المجتمع، الأقرب فالأقرب، والأولى فالأولى، فلا یتناسى الإنسان المُصلح نفسه، فیکون من الذین ذمّهم الله تعالى بقوله: (یا أیُّها الذین آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون * کَبُر مَقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (الصف/ ۲-۳).
ولا یغفل عن عائلته التی هو مسؤول عنها، قال تعالى: (یا أیُّها الذینَ آمَنُوا قُوا أنفُسَکُم وأهلِیکُم نَاراً وَقُودُها النّاسُ والحِجَارَهُ…) (التحریم/ ۶).
ولا ینسى وظیفته فی المجتمع، کما یقول الرسول(ص): "کلّکم راع وکلّکم مسؤول عن رعیته" .
إنّ الإنسان یتأثّر بالمحیط الذی یعیش فیه، وتتألّف معالم شخصیّته الأولى فی البیت الذی یتربّى فیه، فإذا کان الخیر والصلاح یعمّه، والعدل والإحسان یسوده، والخلق والسماحه تشیع فیه.. نشأ الإنسان متعادلاً ومتوازناً وشبّ على حبّ الخیر والصلاح واتّسم بحُسن الأخلاق.. وهکذا تکون أجیال متعاقبه من الصالحین، بعضهم من بعض، والأسره هی نواه المجتمع، ومن مجموع الأسر الصالحه یکون المجتمع الصالح.
قال تعالى: (جنّاتُ عَدنٍ یدخلونها ومَن صَلَحَ من آبائهم وأزواجهم وذُرِّیّاتهم…) (الرَّعد/ ۲۳).
ولابدّ من ملاحظه مسأله مهمّه وهی أنّ کثیراً من الأخلاق الفاسده فی الحکم والإداره والتعامل مع الناس تبتدئ جذورها من التربیه البیتیّه، فالبیت الذی یقوم على الإستبداد والسلطه المطلقه، وتکون العلاقات فیه مبنیّه على الخوف والقهر من الأب أو الأُم.. هذا البیت نموذج مصغّر للحکومه المستبدّه التی فیها قاهر ومقهورون، وظالم ومظلومون، وحیث تُفتقد فیها الحرِّیات والرأی الآخر.. سیکون الولد الذی یخرج من هذا البیت أحد إثنین: إمّا شخص مهزوم الشخصیه، منکسر الذات، یعانی الکبت والحرمان.. وإمّا آخر یبحث عن التعویض عمّا لاقاه وعمّا افتقده من خلال ممارسه نفس السلوک مع الآخرین.. مع أهله وولده وأفراد مجتمعه، وقلیل مَن یکونون متعادلین راشدین.
إنّ هذا البیت لا ینسجم مع ما وصفه الله للأسره، وبالشکل الذی یریده، فهو مُنافٍ لقوله تعالى: (ومِن آیاتِهِ أن خلق لکم مِن أنفسکم أزواجاً لتسکنوا إلیها وجعل بینکم مودّهً ورحمهً إنّ فی ذلک لآیاتٍ لقومٍ یتفکّرون) (الرُّوم/ ۲۱).
ولا ینسجم أیضاً مع سنّه الرسول(ص) الذی یقول: "خیرکم خیرکم لأهله وأنا خیرکم لأهلی" .
وقوله(ص): "أکرموا أولادکم وأحسنوا آدابهم یغفر لکم" .
وتتکامل حلقات التربیه فی البیت مع نظیراتها فی المجتمع: المدرسه والجامعه، والمحیط الإجتماعی، فی الشوارع ودوائر الدوله، والمجالس العامّه، وغیرها، وهذه بدورها تؤثِّر فی تشکیل الشخصیه الخارجیه للفرد وسلوکه الإجتماعی العام، ولذلک یجب العمل على أن یکون التعامل فی کل هذه المجالات قائماً على أساس إحترام الإنسان وإکرامه، کما أراد الله تعالى، الذی قال: (ولقد کَرَّمنا بنی آدم وحَمَلناهم فی البرِّ والبحرِ ورزقناهم من الطیِّبات وفضّلناهم على کثیرٍ ممّن خَلَقنا تفضیلاً) (الإسراء/ ۷۰).
ومن ثمّ إحترام حقوقه ومساعدته للنهوض بواجباته، على أساس القانون الذی یحمی الجمیع ویُحاسبهم بمعیار واحد.
وینبغی أن یکون فی کل المراحل منهج تربیه یُوفِّر للإنسان فرص التعبیر عن رأیه مع إحترام الرأی الآخر وتنمیه روح النقد البنّاء مع نیّه صالحه تهدف إلى إصلاح الأوضاع والنهوض بها، فالممارسات الحُرّه تحتاج إلى تدریب وتأهیل علیها منذ الصغر حتى ینعم بها الأفراد بصوره معتدله بعیداً عن التطرُّف والغلو الذی ینتجه عاده الکبت أو الإنفلات غیر الملتزم.
والهدف الأساسی لمنهج التربیه فی الإسلام یقوم على أساس الوصول بالفرد إلى الرُّشد، وهو المستوى الذی یستطیع فیه الإنسان أن یختار ما یُصلح دینه ودنیاه.
والرُّشد هدف عام یسعى الإسلام لإیصال المجتمع بصوره عامّه إلیه، حتى یتمّ إختیاره لطریقه فی الحیاه، إختیاراً واعیاً وعاقلاً، قال تعالى: (لا إکراهَ فی الدین قد تبیَّن الرُّشدُ مِنَ الغَیِّ…) (البقره/ ۲۵۶).
ومن ثمّ یأتی العمل على إشاعه الأخلاق الصالحه التی تحفظ للمجتمع جماله وکماله وحلاوته وطراوته لیعیش الجمیع متحابّین متوادّین، یتّقون الله فی معاملاتهم ویتصالحون ویصلحون فیما بینهم، کما أمر الله بقوله: (فاتّقوا الله وأصلحوا ذات بینکم) (الأنفال/ ۱)، وکما أوصى الرسول الکریم.. فقد روی عنه(ص) أنّه قال لمعاذ لمّا بعثه إلى الیمن: "یا معاذ، علِّمهم کتاب الله وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحه".
وبذلک نعرف أن الإصلاح التربوی هو الأساس لکل إصلاح، ومنهج الإصلاح فی ذلک ینبغی أن یکون على نمطین، حددّهما القرآن نفسه وأکّدتها السیره النبویّه.. قال تعالى: (هو الذی بَعَثَ فی الأُمِّیِّینَ رسولاً منهم یتلو علیهم آیاته ویُزکِّیهم ویُعلِّمُهُم الکتاب والحکمه وإن کانوا من قبل لفی ضلالٍ مُبین) (الجمعه/ ۲).
النمط الأوّل: التعلیم، ویشمل تعلیم کتاب الله وما فیه من هدى وبیان وأحکام، حتى تتّضح للإنسان معالم دینه وحدود الله المرسومه لسلوکه، فیقف عندها ولا یتعدّاها، وفی ذلک یقول الإمام علی: (أفضل الأدب أن یقف الإنسان عند حدّه ولا یتعدّى قدره).
النمط الثانی: التزکیه، بما یتضمّن هذا العنوان من تدریب النفس على تجنّب الهوى وإتباع الشیطان وترفعها عمّا یحطّ من قدرها ویمسّ کرامتها، من سوء الفعال وإرتکاب المعاصی والآثام.
وفی المقابل، تحلیه النفس بمکارم الأخلاق ومحاسن الأفعال وبما یصلحها ویدنیها من شیم الصالحین وأخلاق الطیِّبین، من الأنبیاء والرُّسُل، وعباد الله المقرّبین، مَن حکى الله سبحانه وتعالى سیرتهم وشاع فی الناس علوّ درجاتهم، على الخصوص خاتم النبیِّین محمّد(ص) وأهل بیته الطاهرین وأصحابه المنتجبین.
قال تعالى: (أولئک الذین آتَیناهم الکتاب والحُکمَ والنبوّه فإن یکفُر بها هؤلاء فقد وَکّلنا بها قوماً لیسوا بها بکافرین * أولئک الذین هدى الله فبِهُداهم اقتَدِه…) (الأنعام/ ۸۹-۹۰).
وقال تعالى: (لقد کان لکم فی رسول اللهِ أُسوَهٌ حسنهٌ لمن کان یرجو الله والیوم الآخرَ وذکر الله کثیراً) (الأحزاب/ ۲۱).
وقال تعالى: (… إنّما یُریدُ اللهُ لیُذهبَ عنکم الرِّجسَ أهل البیتِ ویُطهِّرَکُم تَطهیراً) (الأحزاب/ ۳۳).
وقال تعالى: (والسابقونَ الأوّلونَ من المهاجرین والأنصارِ والذین اتَّبعوهُم بإحسانٍ رَضِیَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ وأعَدَّ لهم جنّاتٍ تجری تحتها الأنهارُ خالدین فیها أبداً ذلک الفوزُ العظیم) (التوبه/ ۱۰۰).
والإصلاح فی کل نواحی المجتمع یجب أن ینطلق من محور إصلاح الإنسان، الذی یقود الحیاه ویُدیر الأعمال ویُوجِّهها. وبمقدار ما یتمّ التغییر ویفلح الإصلاح فی الإنسان الفرد، فی ذاته ونفسه، فی أفکاره وقیمه، فی سلوکه ومناهج عمله.. تتم عملیه التغییر فی المجتمع کلّه وتتقدّم عملیه الإصلاح، یقول تعالى: (إنّ الله لا یُغیِّر ما بقومٍ حتّى یغیِّروا ما بأنفسهم) (الرَّعد/ ۱۱).
وهذا قانون إلهی وسنّه إجتماعیه ثابته اعترف بها علماء الإجتماع وتابعهم فی ذلک علماء السیاسه، حتى أنّهم لا یرون تقدّم المجتمع وتطوّر مفاهیمه وتغیّر واقعه فی مجال الإصلاح السیاسی إلاّ بالعمل على تربیه الإنسان وترقیه أفکاره منذ الصغر، وأن تکون مفاهیم إحترام الرأی الآخر وتقبّل التعددیه والدیمقراطیه ممارسه ثقافیه وتربویه فی البیت والمدرسه، ینشأ علیها الطفل ویشبّ علیها بدلاً من الإستبداد والتسلّط وإستخدام القوّه، وغیرها من المفاهیم الفاسده الحاکمه والساریه فی المجتمعات القمعیه والدکتاتوریه.
والقرآن الکریم یتحدّث عن إصلاح الذرِّیه.. کما ورد على شکل الدُّعاء: دعاء أبی الأنبیاء (وأصلح لی فی ذرِّیتی) (الأحقاف/ ۱۵)، ولکنّه لیس مجرّد أُمنیه أو دعوه عابره، بل هو طلب من الله تعالى لتوفیقه لإصلاح ذُرِّیته: إنّها رغبه وإراده وإستعانه بالله وإستهداء به لتربیه الأولاد وتنشئتهم النشأه الصالحه لیکونوا بناه ورعاه للمجتمع الصالح.. إنّها دعوه کما تقول: (إیّاک نَعبدُ وإیّاکَ نستعین * اهدِنا الصِّراط المُستقیم * صراط الذین أنعمتَ علیهم غیرِ المغضوبِ علیهم ولا الضّالِّین) (الفاتحه/ ۵-۷).
إنّها دعوه عزم وتصمیم وإراده وعمل للسیر على منهج ربّانی صالح، اختاره الله لعباده المقرّبین (مع الذین أنعمَ اللهُ علیهم مِنَ النبیِّین والصِّدِّیقین والشهداء والصالحین وحَسُنَ أولئک رَفیقاً) (النِّساء/ ۶۹).
وکذلک تأتی دعوه أخرى: (وأدخِلنی برحمتک فی عبادک الصالحین) (النمل/ ۱۹)، فإنّها تتم وتتحقق بالعمل، لا مجرد التمنّی، لذلک یقول تعالى: (وقُل اعمَلوا فَسیَرى اللهُ عَمَلکم ورسولهُ والمؤمنونَ وستُرَدُّونَ إلى عالمِ الغَیبِ والشهادهِ فیُنَبِّئُکُم بما کنتم تعملون) (التوبه/ ۱۰۵).
ویتعرّض القرآن، إستمراراً لمنهجه فی إصلاح التربیه، إلى موضوع التعامل مع الیتامى، والذین یلقون إهتماماً خاصاً فی الإسلام لتعویضهم عمّا افتقدوه من رعایه الأب، أو الوالدین، وقد أکّد على حُسن معاملتهم ورعایتهم مادّیاً ومعنویاً فی مواضع کثیره، منها قوله تعالى: (واعبُدُوا اللهَ ولا تُشرکوا به شیئاً وبالوالدین إحساناً وبذی القُربى والیتامى والمساکین والجار ذی القربى والجارِ الجُنُب والصاحبِ بالجَنب وابنِ السبیل وما مَلَکَت أیمانُکم إنّ الله لا یُحبُّ مَن کان مُختالاً فخورا) (النِّساء/ ۳۶).
وقوله تعالى: (فأمّا الیَتیم فلا تَقهَر * وأمّا السائل فلا تَنهَر * وأمّا بنعمه ربّک فحدِّث) (الضُّحى/ ۹-۱۱).
وإستمراراً لهذا النهج، یؤکِّد الإسلام على حُسن التعامل معهم بما یُصلح حالهم وینفعهم فی مستقبلهم، فیقول تعالى: (ویسألونکَ عن الیَتَامى قُل إصلاحٌ لهم خیرٌ وإن تُخالطوهم فإخوانُکُم واللهُ یَعلَمُ المفسِدَ مِنَ المُصلِحِ ولو شاءَ اللهُ لأعْنَتَکُم إنّ الله عزیزٌ حکیم) (البقره/ ۲۲۰).
وهو نهج عام للتعامل مع عموم الأولاد، إذ إنّ (العبره بعموم اللفظ لا خصوص السبب)، کما یقول الأُصولیون، فالوالد یُسمّى ربّ الأسره، لأنّه المسؤول والمعنی بتربیتها وتوجیهها لیکون الأولاد صالحین، یستطیعون شق طریقهم فی الحیاه والنهوض بمسؤولیاتهم الفردیه والإجتماعیه، بما یسعدهم فی الدارین، بتوفیق الله وهدایته.
وهکذا نتوصّل إلى أنّ الإصلاح فی الجانب التربوی، أساس کل صلاح، به یتقوم بناء الإنسان لیسلک طریق الخیر والفلاح.