الرسول مُعلّم الاستقامه
النبی صلى الله علیه وآله فی دروس الاستقامه.
الرسول صلى الله علیه وآله المعلم الأول لمن یرید الاستقامه فی الحیاه الإنسانیه، هذه الاستقامه التی یعلمنا إیاها رکیزتها الاستقامه على المبدأ، والحق تعالى أمر النبی صلى الله علیه وآله بالاستقامه مع أمته؛ فالقرآن یوجّه الخطاب للرسول آمراً له بالاستقامه، وهو صلى الله علیه وآله یعلم الأمه الاستقامه والثبات على المبدأ دون ارتداد أو میلٍ وانحراف.
الهدف الواضح یصنع النجاح.
کل إنسان وکل أمه من الأمم لها أهداف تضعها نصب عینیها، هذه الأهداف یراد أن یُوصل إلیها على المستوى الشخصی للفرد و على مستوى المجتمع کأمه، تصبو إلى تحقیق ما وُضع من أهداف إلا أننا نلحظ أنَّ الفرد قد یبوء بالفشل فی تحقیق أهدافه، وکذلک الأمه، فهناک أمم ترتد على أعقابها دون أن تصل إلى أهدافها، ویعود السبب إلى أنَّ الفرد والأمه لم یأخذا بدرس الاستقامه الذی علّمه الرسول صلى الله علیه وآله لأمته، ورکّز علیه القرآن ملفتاً الانتباه إلیه فی أکثر من موضع.
ماذا تعنی الاستقامه ؟
الاستقامه هی المسار تجاه الهدف على صراطٍ مستقیم دون میلٍ عن الطریق الذی یؤدی إلى تحقیق الهدف، فهی سیرٌ فی وسط الجاده بمعنى أن یکون الإنسان عند تحقیق أهدافه متصفاً بالمرونه والوسطیه الموصلتین إلى تحقیق الهدف؛ فلا شده ولا عنف فی تحقیق أهدافه، هذه الاستقامه التی أمر الله بالأخذ بها قال النبی صلى الله علیه وآله عنها: ‹‹ شیبتنی سوره هود ››، لما ذُکِرَ فی السوره من الأمر بالاستقامه له صلى الله علیه وآله مع أمته فالأمر لا یخصه وحده، فهو صلى الله علیه وآله فی منتهى الاستقامه إلا أنّ الأمه هی التی بحاجه للاستقامه.
حقیقه توجیه الاستقامه للنبی صلى الله علیه وآله.
الرسول صلى الله علیه وآله مأمور بالسعی نحو استقامه الأمه کمجتمع، وهی من الأمور الصعبه والمؤرقه للقائد إذ کیف یتاح له أن یجعل المجتمع المقود یصل إلى شاطئ النجاه ویستقیم فی السیر على الصراط، هذه الصعوبه أشار إلیها النبی صلى الله علیه وآله بقوله : ‹‹شیبتنی سوره هود››، إذ أنّ الناس طباعهم متعدده وأمزجتهم مختلفه؛ فیمکن أن تستقیم ثله منهم أو أُمه کامله، لکنها سرعان ما تتراجع عن أهدافها إذا تعرضت للابتلاء والامتحان، بید أنّ من یرید القیام بالإصلاح فلا بد أن یتحمل أقسى الألم فی القضاء على الظواهر السیئه، وهذا یتطلب الجهد الکبیر والمعاناه الطویله وبذل الطاقات المادیه والمعنویه حتى یستطیع أن یصل إلى مرامه.
عوائق فی الوصول إلى الهدف.
نلحظ الکثیر من الناس على المستوى الفردی یرید أن یصبح عالمًا أو کاتبًا أو شخصیه ذات ثقلٍ اقتصادی، إلا أنه لن یصل إلى هذا المستوى بین عشیهٍ وضحاها وفی مدهٍ محدوده؛ بل یحتاج إلى جهودٍ مضنیه وتخطی عقبات کأداء، بید أنّ الکثیر من الناس مجرد أن یواجه عقبه یرتد إلى الوراء و ینسى أو یتناسى الهدف الذی وضعه نصب عینیه ولهذا لا یستطیع الوصول إلى ما أراد.
عقبات واجهها النبی صلى الله علیه وآله.
النبی صلى الله علیه وآله واجه عقبات کثیره من الناحیه الاقتصادیه والاجتماعیه ومُورِسَ تجاه شخصیته مجموعه من الضغوط ووُجِهَ صلى الله علیه وآله بالإغراءات المتعدده من الناحیه المادیه وغیرها، والتی قد یتعرض إلیها الکثیر، ونوجز ما تعرض له صلى الله علیه وآله فی الآتی:
الأول : إیذاء شخص النبی صلى الله علیه وآله.
لقد أوذی النبی صلى الله علیه وآله من الناحیه الشخصیه، بإیذاءٍ لا یتحمله فی العاده حتى أصحاب الأهداف، ولا یمکنهم الصبر علیه، فالکلمات البسیطه تؤثر علیهم فکیف بالإیذاء الکبیر الذی أوذی به النبی صلى الله علیه وآله ، فنحن نجد أنفسنا تتألم من کلمهٍ بسیطه قد لا تکون جارحه، تهزنا وتجعلنا نتراجع عن أهدافنا إلا أنّ النبی صلى الله علیه وآله واجه بصبرٍ کبیرٍ الکلمات الجارحه والمقذعه، والأفعال المشینه کإلقاء الروث والأوساخ علیه أو وضع القاذورات فی طریقه، وفی بعض الأحایین یُؤذى بالضرب، وهذا لا یُتحمل من الشخصیات الاجتماعیه، بل یؤدی بها إلى التراجع عن الأهداف.
الثانی : أسلوب التحبیط والإغراء.
الإغراء والتحبیط مؤثران سلباً، فهما یجعلان الإنسان یبتعد عن تحقیق أهدافه، ویتراجع عن الغایه التی ینشدها، فالکلمات المحبطه، التی تُقلل من شأن الأهداف الکبیره التی یطمح إلیها الإنسان تُحدِثُ أثراً سیئاً فی نفس السامع، بید أنّ النبی صلى الله علیه وآله حقق أهدافه بالرغم مما قیل له من تثبیطٍ، وعُرِضَ علیه من إغراءٍ، فقد قیل له : نعطیک أجمل نساء العرب ونمنحک من الأموال ما ترید، ونحقق لک ما تطمح إلیه من الناحیه الاقتصادیه، بل أکثر من ذلک، نُصیرک ملکًا علینا فی الجزیره العربیه، ولم یتراجع صلى الله علیه وآله عن أهدافه بهذه الإغراءات، بل ازداد ثباتاً وبصیرهً وسار بالرغم من کل ذلک، وکان یجابه الإغراء والإیذاء بصمود وصبرٍ شدیدین إلى أن تحقق له ما أراد.
مواجهه الإیذاء بین النبی صلى الله علیه وآله والأنبیاء .
وقد اختزل صلى الله علیه وآله هذه المعادله التی ذکرناها من عذابٍ بأنماطٍ متعدده وأبان مقدار صبره واستقامته بقوله: ‹‹ما أُوذی نبی بمثل ما أوذیت››، فالنبی إبراهیم علیه السلام تعرض للعذاب فأُُلقی فی النار، وعُذِبَ موسى علیه السلام على النحو الذی قصه القرآن الکریم، وعیسى علیه السلام أبانت طائفه من الروایات ما أُوذی به، بید أنّ النبی صلى الله علیه وآله بقوله : ‹‹ما أُوذی نبی بمثل ما أوذیت››، أوضح أنّ جمیع الأنبیاء والرسل علیهم السلام لم یحتملوا ما تحمله صلى الله علیه وآله، وذلک لثباته واستقامته ورسوخه على المبدأ إلى أن أوصل لنا الرساله بیضاء نقیه نتفیئ بظلها ونجنی الخیرات منها.
نتائج ثبات النبی صلى الله علیه وآله.
لو لم یکن بذلک الثبات وتلک الاستقامه لکان الإسلام أثراً بعد عین، وکان قصه من القصص التی یقصها علینا التأریخ الإنسانی لیس إلا، لکنه صلى الله علیه وآله بصبره وجهاده وباستقامته وثباته على المبدأ رسَّخ معالم الدین وزرع هذه المفاهیم فی نفوس أمته، ولم یکن همه الاستقامه لبعض أفراد الأمه فحسب، بل أراد الاستقامه لها کمجتمع فی کل فرد منها.
طریق الوصول إلى الهدف.
فإذا أرادت الأمه بشرائحها الخیر لابد أن تضع نصب عینیها الأهداف وتسعى إلى تحقیقها، وتصمد صابرهً على الأذى، وتحمُّل الإنسان المشقه والعذاب للوصول إلى الغایه سُنهٌ تأریخیه وکونیه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِینَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلاَئِکَهُ أَلاَ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّهِ الَّتِی کُنتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِیَاؤُکُمْ فِی الْحَیَاهِ الدُّنْیَا وَفِی الْآخِرَهِ وَلَکُمْ فِیهَا مَا تَشْتَهِی أَنفُسُکُمْ وَلَکُمْ فِیهَا مَا تَدَّعُونَ}(فصلت:۳۰،۳۱)، {اللّهُ وَلِیُّ الَّذِینَ آمَنُواْ یُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ}(البقره:۲۵۷)، فإذا رافقک التوفیق الإلهیه والذی لن یتأتَّى إلا مع الصمود والاستقامه والثبات على المبدأ – هذه معادله – یمکن أن تصل إلى أهدافک على المستوى الشخصی ویمکن للأمه أن تصل إلى أهدافها، ولن تحصل الأمه على الظفر والنصر ولن یصل الفرد إلى أهدافه التی وضعها دون تحمل التعب والمشقه والاستقامه على المبدأ قال الإمام علیٌّ علیه السلام: ‹‹من طلب شیئًا ناله أو نال بعضه››، فالذی یرید أن یُحقق شیئًا ویُوجه طاقاته ویصمد فی سبیل الوصول لها لابد أن یصل أو یدرک أکثر ما أراد أن یحصل علیه .