نشأه البرزخ وإثباتها قرآنیاً
ومن أعجب الأمر ما ذکره بعض الناس فی الآیه: أنها نزلت فی شهداء بدر، فهی مخصوصه بهم فقط، لا تتعداهم إلى غیرهم هذا، ولقد أحسن بعض المحققین من المفسرین فی تفسیر قوله: ﴿واستعینوا بالصبر والصلوه﴾(۳) الآیه، إذ سأل الله تعالى الصبر على تحمل أمثال هذه الأقاویل.
ولیت شعری ماذا یقصده هؤلاء بقولهم هذا؟ وعلى أی صفه یتصورون حیاه شهداء بدر بعد قتلهم مع قولهم بانعدام الإنسان بعد الموت والقتل، وانحلال ترکیبه وبطلانه؟ أهو على سبیل الإعجاز باختصاصهم من الله بکرامه لم یکرم بها النبی الأکرم وسائر الأنبیاء والمرسلین والأولیاء المقربین؟ إذ خصهم الله ببقاء وجودهم بعد الانعدام، فلیس ذلک بإعجاز بل إیجاد محال ضروری الاستحاله، ولا إعجاز فی محال، ولو جاز عند العقل إبطال هذا الحکم على بداهتها لم یستقم حکم ضروری فما دونه أم هو على نحو الاستثناء فی حکم الحس بأن یکون الحس مخطئاً فی أمر هؤلاء الشهداء؟ فهم أحیاء یرزقون بالأکل والشرب وسائر التمتعات -وهم غائبون عن الحس- وما ناله الحس من أمرهم بالقتل وقطع الأعضاء وسقوط الحس وانحلال الترکیب فقد أخطأ فی ذلک من رأس، فلو جاز على الحس أمثال هذه الأغلاط فیصیب فی شیء ویغلط فی آخر من غیر مخصص بطل الوثوق به على الاطلاق، ولو کان المخصص هو الإراده الإلهیه احتاج تعلقها إلى مخصص آخر، والإشکال – وهو عدم الوثوق بالإدراک على حاله، فکان من الجائز أن نجد ما لیس بواقع واقعاً والواقع لیس بواقع، وکیف یرضى عاقل أن یتفوه بمثل ذلک؟ وهل هو إلا سفسطه؟
وقد سلک هؤلاء فی قولهم هذا مسلک العامه من المحدثین، حیث یرون أن الأمور الغائبه عن حواسنا مما یدل علیه الظواهر الدینیه من الکتاب والسنه، کالملائکه وأرواح المؤمنین وسائر ما هو من هذا القبیل موجودات مادیه طبیعیه، وأجسام لطیفه تقبل الحلول والنفوذ فی الأجسام الکثیفه، على صوره الإنسان ونحوه، یفعل جمیع الأفعال الإنسانیه مثلاً، ولها أمثال القوى التی لنا غیر أنها لیست محکومه بأحکام الطبیعه: من التغیر والتبدل والترکیب وانحلاله، والحیاه والموت الطبیعیتین، فإذا شاء الله تعالى ظهورها ظهرت لحواسنا، وإذا لم یشأ أو شاء أن لا تظهر لم تظهر، مشیئه خالصه من غیر مخصص فی ناحیه الحواس، أو تلک الأشیاء.
وهذا القول منهم مبنی على إنکار العلیه والمعلولیه بین الأشیاء، ولو صحت هذه الأمنیه الکاذبه بطلت جمیع الحقائق العقلیه، والأحکام العلمیه، فضلاً عن المعارف الدینیه ولم تصل النوبه إلى أجسامهم اللطیفه المکرمه التی لا تصل إلیها ید التأثیر والتأثر المادی الطبیعی، وهو ظاهر.
فقد تبین بما مرّ: أن الآیه داله على الحیاه البرزخیه، وهی المسماه بعالم القبر، عالم متوسط بین الموت والقیامه، ینعم فیه المیت أو یعذب حتى تقوم القیامه.
ومن الآیات الداله علیه -وهی نظیره لهذه الآیه الشریف- قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذین قتلوا فی سبیل الله أمواتاً بل أحیاء عند ربهم یرزقون / فرحین بما آتاهم الله من فضله ویستبشرون بالذین لم یلحقوا بهم من خلفهم ألاّ خوف علیهم ولا هم یحزنون / یستبشرون بنعمه من الله وفضل وأن الله لا یضیع أجر المؤمنین﴾(۴)، ولو تدبر القائل باختصاص هذه الآیات بشهداء بدر فی متن الآیات لوجد أن سیاقها یفید اشتراک سائر المؤمنین معهم فی الحیاه، والتنعم بعد الموت.
ومن الآیات قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلی أعمل صالحاً فیما ترکت / کلا إنها کلمه هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى یوم یبعثون﴾(۵)، والآیه ظاهره الدلاله على أن هناک حیاه متوسطه بین حیاتهم الدنیویه وحیاتهم بعد البعث، وسیجیء تمام الکلام فی الآیه إن شاء الله تعالى.
ومن الآیات قوله تعالى: ﴿وقال الذین لا یرجون لقاءنا لولا أنزل علینا الملائکه أو نرى ربنا لقد استکبروا فی أنفسهم وعتوا عتواً کبیراً / یوم یرون الملائکه…﴾(۶) ومن المعلوم أن المراد به أول ما یرونهم وهو یوم الموت کما تدل علیه آیات أخر: ﴿لا بشرى یومئذ للمجرمین ویقولون حجراً محجوراً / وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا / أصحاب الجنه یومئذ خیر مستقراً وأحسن مقیلاً / ویوم تشقق السماء بالغمام﴾ -وهو یوم القیامه- ﴿ونزّل الملائکه تنزیلاً / الملک یومئذ الحق للرحمن وکان یوماً على الکافرین عسیراً﴾(۷)، ودلالتها ظاهره.
ومن الآیات قوله تعالى: ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتین وأحییتنا اثنتین فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبیل﴾(۸)، فهنا إلى یوم البعث -وهو یوم قولهم هذا- إماتتان وإحیاءان، ولن تستقیم المعنى إلا بإثبات البرزخ، فیکون إماته وإحیاء فی البرزخ وإحیاء فی یوم القیامه، ولو کان أحد الإحیاءین فی الدنیا والآخر فی الآخره لم یکن هناک إلا إماته واحده من غیر ثانیه.
ومن الآیات قوله تعالى: ﴿وحاق بآل فرعون سوء العذاب / النار یعرضون علیها غدواً وعشیاً ویوم تقوم الساعه أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾(۹)، إذ من المعلوم أن یوم القیامه لا بکره فی ولا عشی فهو یوم غیر الیوم.
والآیات التی تستفاد منها هذه الحقیقه القرآنیه، و تؤمی إلیها کثیره، کقوله تعالى: ﴿تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلک فزین لهم الشیطان أعمالهم فهو ولیّهم الیوم ولهم عذاب ألیم﴾(۱۰)، إلى غیر ذلک.
المصدر: المیزان فی تفسیر القران/المجلد الأول.
ــــــــــــــــــــــــــــ
۱- البقره/۱۵۴٫
۲- آل عمران/۱۶۹٫
۳- البقره/۴۵٫
۴- آل عمران/۱۶۹-۱۷۱٫
۵- المؤمنون/۹۹-۱۰۰٫
۶- الفرقان/۲۱-۲۲٫
۷- الفرقان/۲۲، ۲۶٫
۸- غافر/۱۱٫
۹- غافر/۴۵-۴۶٫
۱۰- النحل/۶۳٫