تحدیات العنف للحرِّیه والإبداع
ولا یکتب للمجتمع المدنی النجاح ما لم تتوافر أجواء حره تسمح بالتعدد والإختلاف الذی یتجلى عبر الأحزاب والجمعیات والصحف والمجلات، سیما المعارضه منها. وحینما تتوفر الحرِّیه تصبح القرارات، خصوصاً القرارات المصیریه، أکثر متانه وقوه. لأنّها لا تتبلور وتکون قویه إلا بتعدد وجهات النظر، وممارسه النقد بعیداً عن أجواء الخوف والإضطهاد. وهذا بدوره یتوقف على حرِّیه الرأی والتعبیر. کما ان تقویم تجربه الحکم ونقد الممارسه الیومیه للسلطه والمعارضه معا لا تتحقق إلا من خلال أجواء حره تسمح بذلک. إذن فالحرِّیه، التی هی الرکن الأساس لقیام المجتمع المدنی، تحقق مکاسب عظیمه للفرد والمجتمع معاً. وأوّل تلک المکاسب أنها تشخص نقاط الضعف من خلال النقد البناء وتساعد على صدور قرارات محکمه ومتبناه من قبل الشعب الذی ساهم بشکل مباشر أو غیر مباشر فی بلورتها. وثانیاً، أنّ الأجواء الحره تساعد على نمو القابلیات والإبداع، وتساهم فی اثراء التجارب عبر النقد والتقویم الحر والشجاع. ثالثاً، انّ الحرِّیه توفر أجواء آمنه نقیه لا تشوبها شائبه العنف، حتى یتمکن الرأی المعارض من التعبیر عن وجهه نظره علنا وأمام الجمیع بعیداً عن العنف. وبهذا یتضح أنّ العنف أقوى تحد یواجه الحرِّیه، لأنّه یقمع الآخر ویصادر حرِّیته.
ثمّ ان قمع الرأی الآخر واحصاء الأنفاس یتحول بمرور الأیام إلى تمرد، ورفض، وثوره وعصیان، والبحث عن متنفس لتفجیر المکبوت وفری الأورام المتخزنه، لینقلب کل شیء ضده، فیسود العنف ویتزعزع الأمن والإستقرار. وهذا ما نشاهده فی الدول التی یسودها نظام بولیسی مخابراتی صارم یکمم الأفواه، ویضطهد کل لون من ألوان المعارضه حتى بیان وجهات النظر أو إبداء ملاحظات تقویمیه. ویطالب الناس دوماً بالعبودیه والطاعه للسلطان. فهذا اللون من نظام الحکم لابدّ أن یواجه تحدیات مخزونه تفاجئ الأجهزه الأمنیه وتربک الوضع. لذا لیس أمام الأنظمه سوى المزید من الحرِّیه کی یتنفس الفرد ویلقی همومه على صفحات الإعلام ولا یتحول إلى قنابل موقوته تنتظر الفرصه لتتفجر وتفجر الوضع معها.
إذن لا تتحقق مصداقیه المجتمع المدنی ما لم تکن السلطه مراقبه من قبل برلمان منتخب بشکل شرعی، وصحافه حرّه تعبر بکامل حرِّیتها عن وجهه نظرها، وتلاحق المسؤولین الحکومیین فی قراراتهم للتأکد من حمایه حقوق الفرد والمجتمع طبقاً للقوانین المعتمده. وسیِّئه العنف انّه یقمع الرأی الآخر ویحرّم النقد ویتستر على الجریمه والتلاعب والإنتهاکات، فیخسر الفرد کرامته بعد ضیاع حقوقه. ولا یختص الأمر بالحرِّیات السیاسیه وإنّما هو شامل لکل الحرِّیات. أی کما انّ الأداء السیاسی یتطلب هامشاً کبیراً من الحرِّیه لتفادی العنف، کذلک الأمر بالنسبه إلى العقیده والفکر والدین، التی یتوقف أداؤهما على نفس المستوى من هامش الحرِّیه السیاسیه أو أکثر، کی لا یصنع العنف من الإختلافات الفکریه والعقدیه والدینیه والمذهبیه، عقده نفسیه، شعر معها الفرد بالحرمان والإضطهاد، فینقلب أکثر تعنداً وتصلباً لرأیه وعقیدته. بل ویبرر لنفسه ممارسه العنف لتحقیق شیئاً من حقوقه.
إنّ الحرِّیه داخل المجتمع المدنی ستضع العقائد والأفکار فی مواجهه تحدیات مثیله تختلف عن تحدیات العنف. فیفترض فی کل عقیده آنئذ إثبات جدارتها وعقلانیتها. أی انّ الساحه فی ظل المجتمع المدنی ستتحول إلى میدان إختبار للأفکار الناجحه والعقائد السلیمه، وسینکشف الزیف والتزویر وتسقط الأقنعه والممارسات الخاطئه باسم الدین والعقیده والفکر، ویصبح البقاء للاصلح منها. ولا شک ان بعض القیمین على الفکر والدین، أیّاً کانوا، یرون فی هذا اللون من الحرِّیه خطراً حقیقیاً علیهم، فیضطرون للدفاع عن مصالحهم باسم الدفاع عن الدین. ولا بأس فی ذلک إذ طالما دافع فرعون مصر عن مصالحه الشخصیه، التی تعرضت للخطر بسبب دعوه موسى (ع)، باسم الدفاع عن الدین. وکان یحذر قومه من خطر الدعوه الجدیده، مبینا لهم الهدف الحقیقی لموسى، من وجهه نظره، فیقول متهما ایاه: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِی أَقْتُلْ مُوسَى وَلْیَدْعُ رَبَّهُ إِنِّی أَخَافُ أَنْ یُبَدِّلَ دِینَکُمْ أَوْ أَنْ یُظْهِرَ فِی الأرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّی عُذْتُ بِرَبِّی وَرَبِّکُمْ مِنْ کُلِّ مُتَکَبِّرٍ لا یُؤْمِنُ بِیَوْمِ الْحِسَابِ) (غافر/ ۲۶-۲۷). غیر أن بعض قطاعات المجتمع سرعان ما اکتشف خدیعه فرعون والتحقت بالحق المتمثل بموسى (ع). إذا هامش الحرِّیه الکبیر الذی یوفره المجتمع المدنی سیفضح الوجوه المقنعه بقناع الدین أو الفکر أو السیاسه أو الوطنیه وما شابه ذلک، بعد تلقى المواطن ثقافه حرّه مباشره تنمّی فیه قدره کبیره على النقد وترقى به إلى مستوى المسؤولیه السیاسیه تجاه الحکم، فیختار من له مصداقیه تؤهله لتسنم السلطه کأداه لخدمه الوطن والمواطن معاً دون الإستئثار بها أو تکریسها لمصالحه الشخصیه أو الحزبیه.
إذا نخلص من إستعراض التحدیات أن تداعیات العنف قد تکون أخطر من العنف ذاته، وان خسائر البشریه والأدیان والحضارات تصل حدا یصعب تقدیر حجمها. غیر أنّ المؤسف انّ الممارس للعنف لا یعی حجم ما یترتب على فعله أو أنّه یقصد ذلک مما یکشف عن دواعی نفسیه خطیره.