درس فی النیه وتأثیرها وثوابها

0

بل یرجع البحث هنا إلى ملاحظتها من جهه عللها ومعالیلها اعنی : مناشئ صدورها من إقتضاء العقل والایمان والغرائز وآثارها وکیفیه تأثیرها فی أعمال العباد وأنفسهم فی الدنیا ویوم القیامه ، وإلى أنواعها من خالصها ومشوبها، ومراتب خلوصها وشوبها ، والى ترتب الثواب والعقاب علیها وعدمه وغیر ذلک.      فعن المحقق الطوسی قدس سره : النیه : هی القصد إلى الفعل ، وهی واسطه بین العلم والعمل ، اذ ما لم یعلم الشیء لم یمکن قصده ، وما لم یقصده لم یصدر عنه ، ثم لما کان غرض السالک العامل الوصول إلى مقصد معین وهو الله تعالى لابد من إشتماله على قصد التقرب به إنتهى. فالأولى ذکر نصوص الباب. قال تعالى : ( قل کل یعمل على شاکلته ) (۱).      الشاکله : الطبیعه والسجیه کما مرت ، وقد فسرت فی عده من النصوص بالنیه ، ولعله لأن النیه تنشأ عن الشاکله ، فمعنى الآیه : أن مبنى عمل کل إنسان وما یصدر منه فعله ، نیته الصادره عن شاکلته ، فالنیه مصدر الأعمال وملاکها ولها دخل تام فی حسنها وقبحها وخیرها وشرها ، وهذا مما تشیر إلیه أخبار الباب وتوضحه وتفسره.      فقد ورد :      أنه لا قول ولا عمل إلا بنیه ، ولا نیه إلا بإصابه السنه (۲) ، أی : لا صحه ولا ثواب لأی قول أو فعل یصدر من المکلف إلا إذا قصد کونه لله ورجاء وجهه ورضاه ، أو طلب ثوابه ، أو الخلاص من عقابه. وهذا معنى إصابه السنه.      وأن نیه المؤمن خیر من عمله ونیه الکافر شر من عمله (۳) النیه هنا بمعنى : الاعتقاد والإیمان ، وهو خیر من العمل الخارجی ، کما أن الکفر القلبی شر من الفسق العملی ، أو أن نیه الخیر من المؤمن إذا لم یقدر علیه خیر من العمل إذا قدر ؛ لأن النیه خالصه لله ، والعمل ربما کان رئاءً ونحوه. والکافر ینوی من الشر فوق ما قد یعمل به ، أو أن النیه لما کانت أمراً قلبیاً کثیر الشوب بالأغراض النفسیه والدنیویه وإخلاصها وتصفیتها وتمحیصها بحیث لا یشوبها أی غرض غیر رضا الله تعالى ، أمر صعب جداً لا یناله إلا الاوحدیّ من الناس ومع ذلک لها عندهم مراتب کثیره ، فمع ملاحظه أن حسن العمل وکماله ینشئان من حسنها وکمالها یعلم أن طیبعه النیه وجوهرتها تغایر طبیعه العمل ، وأنها خیر بالاصاله والعمل خیر بالتبع ، ومنه یعلم شریه نیه الکافر ، وقیل فی هذا المقام معان أخر.
_______________۱ ـ الإسراء : ۸۴٫۲ ـ المحاسن : ص۳۴۹ ـ بحار الأنوار : ج۱ ، ص۲۰۷٫۳ ـ الأمالی : ج۲ ، ص۳۱۵ ـ المحجه البیضاء : ج۸ ، ص۱۰۹ ـ الوافی : ج۴ ، ص۳۶۷ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۳۷ وج۸۴ ، ص۳۷۲ ـ مستدرک الوسائل : ج۱ ، ص۹۴٫      وأنه یحشر الناس على نیاتهم یوم القیامه (۱) ، المراد بها : العقائد الاصولیه فیحشرن مؤمنین أو کفاراً أو منافقین کیفما کانت النیات ، أو یحشرون فی اتصافهم بجزاء الأعمال على وفق نیاتهم فی تلک الأعمال.      وأن صاحب النیه الصادقه صاحب القلب السلیم (۲).      وأن حد العباده حسن النیه بالطاعه (۳).      وأن العباده لله رغبه فی ثوابه عباده التجار وعباده العبد المطمع ، إن طمع عمل وإلا لم یعمل. والعباده رهبه وخوفاً من النار عباده العبید ، إن لم یخافوا لم یعملوا. والعباده له تعالى لکونه أهلاً لها وشکراً لأیادیه وإنعامه عباده الأحرار.      وقوله : « عباده التجار » قد یتخیل بطلان العباده إذا قصد بها طلب الجنه أو الفرار من النار لکنه فاسد ؛ فإن أکثر الناس یتعذر منهم العباده لمجرد کونه تعالى أهلاً لها ، أو لابتغاء ذات الله ووجهه ، فإنهم لا یعرفون الله تعالى إلا بعنوان أنه صاحب جنه ونار ونحوه من الأوصاف ، فیتذکرون الجنه ویعملون لطلبها ، والنار فیعملون للفرار عنها ، کما أنه لیس غرضهم تأثیر العمل تکویناً بلا واسطه الرب تعالى ، بل یعتقدون أن له الخیره کلها فی بذل الثواب ودفع العقاب لکونهما بیده وهذا المقدار کاف فی الصحه وترتب الأثر ، کیف وقد قال الحکیم تعالى : ( وادعوه خوفاً وطمعاً ) (۴) وقال : ( ویدعوننا رغباً ورهباً ) (۵). ____________________۱ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۰۹٫۲ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۱۰ ـ نور الثقلین : ج۴ ، ص۵۸٫۳ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۱۹۹٫۴ ـ الأعراف : ۵۶٫۵ ـ الأنبیاء : ۹۰٫ وهذا أمر وترغیب فی العباده للخوف والرهبه والطمع والرغبه. وقد کتب علی (علیه السلام) : « هذا ما أوصى به وقضى به عبد الله علی ابتغاء وجه الله لیولجنی به الجنه ویصرفنی به عن النار ». ولو لم یکن ذلک صحیحاً لما فعله علی (علیه السلام) ولما لقن به غیره.      وأن العبد المؤمن الفقیر إذا قال : یا رب ارزقنی حتى أفعل کذا من وجوه البر وعلم الله ذلک منه بصدق نیته کتب الله له من الأجر مثل ما یکتب له لو عمله فإن الله واسع کریم (۱).      وأنه یحتج عبد یوم القیامه ویقول : یا رب لم أزل أوسع على خلقک لکی تنشر علی هذا الیوم رحمتک ، فیقول الرب : صدق عبدی أدخلوه الجنه (۲).      وأن علیاً (علیه السلام) کتب فی صحیفه بعض صدقاته : « هذا ما أمر به علی فی ماله ابتغاء وجه الله لیولجنی به الجنه ویعطینی الأمنه » (3).      وأن من صام یوماً تطوعاً ابتغاء ثواب الله وجبت له المغفره (۴).      وأن من عمل الخیر لثواب الدنیا أعطاه الله ثوابه فی الدنیا وکان له فی الآخره النار (۵) لقوله تعالى : ( من کان یرید الحیاه الدنیا وزینتها نوف إلیهم أعمالهم فیها ) (۶). _____________۱ ـ المحاسن : ص۴۰۷ ـ الکافی : ج۲ ، ص۸۵ ـ وسائل الشیعه : ج۱ ، ص ۳۵ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۱۹۹ ، وج ۷۱ ، ص۲۶۱ ، وج۷۲ ، ص۵۱٫۲ ـ الکافی : ج۴ ، ص۴۰ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۰۳٫۳ ـ نهج البلاغه : الکتاب ۲۴٫۴ ـ الأمالی : ج۱ ، ص۴۴۳ ـ وسائل الشیعه : ج۷ ، ص۲۹۳ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۰۳ و ج۹۶ ، ص۲۴۷٫۵ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۰۴٫۶ ـ هود : ۱۵٫      وأن المؤمن إذا أوقف یوم القیامه بین یدی الله یقول للملائکه : هلموا الصحف التی فیها أعماله التی لم یعملها فیقرأها ویقول : وعزتک إنی لم أعمل منها شیئاً ، فیقول : صدقت ، نویتها فکتبناها لک ، ثم یثاب علیها (۱).      وأنه ما ضعف بدن عبد عما قویت علیه النیه (۲).     وأن من حسنت نیته زاد الله فی رزقه (۳).      وأن صاحب النیه الصادقه صاحب القلب السلیم (۴).      وأن عون الله على العباد على قدر نیاتهم. فمن صحت نیته تم عون الله له ، ومن قصرت نیته قصر عون الله (۵).      وأنه لکل امرئ ما نوى ، فمن کانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن کانت هجرته إلى الدنیا فهجرته إلى ما هاجر إلیه (۶). ــــــــــــــــــــــــــــــــــ۱ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۰۴ ، وج۷۱ ، ص۲۴۲ ـ مرآه العقول : ج۸ ، ص۱۹۱ ـ مستدرک الوسائل : ج۱ ، ص۹۱٫۲ ـ الأمالی : ج۱ ، ص۲۷۰ ـ من لا یحضره الفقیه : ج۴ ، ص۴۰۰ ـ وسائل الشیعه : ج۱ ، ص۳۷ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۰۸٫۳ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۰۵٫۴ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۱۰٫۵ ـ الأمالی : ص۶۶ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص ۲۱۱٫۶ ـ بحار الأنوار : ج۷۰ ، ص۲۱۱٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.