محاوله الإیقاع بین الأدیان

0

نعم إنّ تحدید مفهوم القیم ومقدارها وکیفیّه سلوکها، تختلف من دینٍ إلى آخر، إلّا أنّ الذی یهمّنا هو کونها جمیعاً تشترک فی أصل وجود قیمٍ یجب الحفاظ علیها ومراعاتها، فلا یحقّ لأفراد تلک الأدیان القیام بما یحلو لهم ومتى وکیف. ولیس هذا من باب الإجبار والظلم والتّسلط، وإنّما یدّعی أصحاب الأدیان أنّها لمصلحه الفرد والمجتمع وللحفاظ علیهما، وهذا الأمر واضح جدّاً، فإنّ الفرد مع عدم إلتزامه بأیّ قیمٍ سیصبح کالحیوان وسینعکس الأمر سلبیّاً علیه وعلى مجتمعه، بل ستصبح حیاه البشر أشبه بحیاه الغابه. وهذا هو دیدن العقلاء فی حیاتهم ـ حتى الذین لا یؤمنون بدین ـ فإنّهم یرون وجوب وجود نظام یحفظ الفرد والمجتمع من الفوضى، ویضمن لهما الأمن والإستقرار، ولأجل ذلک تقوم الدّول بوضع القوانین والأحکام الجزائیّه وغیرها، وإلزام شعبها بما تراه مناسباً لمصلحتهم. 

إذن فمن المسلّم أنّ الإلتزام بالقیم والقوانین أمرٌ طبعیّ وضروریّ فی حیاه البشر! إلّا أنّنا مع ذلک نجد على مرّ التاریخ، أنّ الأدیان السماویّه ـ على إختلافها ـ حوربت من قِبل أصحاب السلطه والحکم والجبابره، فهل کلّ هذا العداء من هؤلاء لمختلف الأدیان، کان فعلاً بسبب عدم صلاحیّه تلک الأدیان لتنظیم حیاه البشر، وأنّ القیم التی کانت تدعو لها، کانت لا تتناسب مع مصلحه المجتمع، أم أنّ المعادین والمحاربین للأدیان لم یکونوا عقلاء، فلم یدرکوا مدى حاجه الناس والبشریّه للقیم والإلتزام بالقوانین؟ 

والصحیح: أنّ لا هذا ولا ذاک هو الحقّ، فإنّه لا یمکن إقناع أحدٍ بأنّ کلّ تلک الأدیان السماویّه کانت فاسده ولم تکن تشتمل على قیمٍ وأخلاقٍ وقوانین صالحه للبشریّه. ولو وجد بعض الخلل فیها، لکان الأولى معالجتها بدلاً من محاربتها بشکلٍ مطلق. وکذلک لا یمکن إقناع العالم بأنّ کلّ السلاطین والحکّام کانوا ضعفاء العقل بحیث لا یدرکون حقیقه لزوم وجود قیمٍ یلتزم بها. وإلّا کیف وصل هؤلاء ـ ضعفاء العقول ـ إلى الحکم والسلطه؟ 

والحقیقه أنّه لا شکّ فی کون کلّ الأدیان تشتمل على قدرٍ کبیرٍ من القیم والإلتزامات المحقّه، وأنّ الکثیر من السلاطین وأصحاب الحکم کانوا عقلاء، بل حکماء ویدرکون جیّداً ضروره القیم على حیاه الإنسان، بل ضروره الدّین أیضاً، إلّا أنّ المشکله فی إجتماع الدّین الذی أراده الله تعالى مع الدّنیا التی أرادها هؤلاء الجبابره، حیث إنّ الله تعالى أراد للإنسان أن یکون حرّاً صاحب کرامه وعزّه، وأراد نشر العدل بین الناس، وهذا بالطّبع لا یجتمع مع أهواء ورغبات الطواغیت الذین أرادوا السیطره على البشر وخیراتهم، والحصول على الملک لأنفسهم لا لخدمه الناس ونشر العداله! 

فکان هذا هو السبب الأساسیّ فی نشر الفتنه والعداوه بین مختلف الأدیان السماویّه وإظهارها بصوره بشعه، وکأنّها تسعى للسیطره على عقول الناس فحسب، وذلک لإبعاد الناس عنها وعدم إلتزامهم بالقیم، وبعد إبتعاد الناس عن الأدیان وعدم وجود مّن یوجّههم إلى طریق الحقّ، یأتی دور السلاطین وأتباعهم لتوجیه الناس وإخضاعهم لرغباتهم الشخصیّه، وعدم تمکّن الناس من مواجهتهم، وبذلک یضمنون ملکهم على حساب العداله والحرّیّه والکرامه! 

وفی عصرنا الحاضر لم یتغییر المشهد عن سابقه، فلا زالت السلاطین تحارب الأدیان بمختلف أنواع الخدع والفتن، وعلى رأس هؤلاء السلاطین ـ الولایات المتّحده الأمریکیّه ـ، فکم من بلدٍ کان آمناً یعیش أهله بسلام ومحبّه وعیشٍ مشترکٍ فیما بین المسلمین والمسیحیین، وبین المسلمین أنفسهم، فأوقعت بینهم وسلّمت الأسلحه المدمّره لکلا الطرفین، لأنّه لیس من مصلحتها فوز أحد وسیطرته، بل هدفها الوحید إضعافهما وتمکّنها من السیطره علیهما معاً وعلى خیراتهما. فهذه ـ العراق ـ التی کانت تعیش الظلم من قِبل الطاغیه ـ صدّام ـ إلّا أنّها لم تکن یوماً تعرف الإقتتال الدّاخلی، بل کان شعبها ـ السّنیّ والشیعیّ، والمسلم والمسیحیّ ـ یعیشون حیاه مشترکه، وکان الواحد منهم یحترم الآخر، وبعد دخول الجیش الأمریکی المحتل إلى بلدهم، عانى ذلک الشعب الأمرّین من ظلمٍ وقتلٍ ومن فتنهٍ بین أدیانه المختلفه، والنّتیجه أنّ کلّ الأطراف خرجت خاسره وخلّفت دماراً شاسعاً ـ على المستوى الإقتصادیّ والرّوحی والتّعاطی بین الشعب الواحد ـ یحتاج ترمیمه إلى سنواتٍ طویله.

Leave A Reply

Your email address will not be published.