مسیره النبی عیسى علیه السلام نموذجا

0

عیسى المسیح علیه السلام الَّذِی عاش السلام فی حیاته، وسیعیشه عند مماته، وسیتوّج به یوم یبعث حیاً، قال تعالى: (وَالسَّلاَمُ عَلَیَّ یَوْمَ وُلِدْتُ وَیَوْمَ أَمُوتُ وَیَوْمَ أُبْعَثُ حَیّاً) [مریم: ۳۳].
هناک محطاتٌ متعدده فی مسیره هذا النبیّ العظیم أشار القرآن الکریم إِلَى بعضها على وجه الاختصار، أستعرضها فی ضمن ما یلی:

سلامٌ من المبدأ إِلَى المنتهى
أشرتُ قبل قلیل إِلَى قوله تعالى: (وَالسَّلاَمُ عَلَیَّ یَوْمَ وُلِدْتُ وَیَوْمَ أَمُوتُ وَیَوْمَ أُبْعَثُ حَیّاً)، فما هو حقیقه هذا السلام؟ وبأیّ شیءٍ ناله؟ وکیف یمکن لنا أنْ نستفید منه فی زمن نحن أحوج ما نکون فیه إِلَى الأمن والسلام؟ 

حقیقه السلام فی الآیه المتقدّمه:
هذا السلام الثلاثی الموطن یتمیّز بخصیصتین:
الأُولى: أنَّ الَّذِی تلفّظ بهذا السلام هو المسلّم علیه نفسه، بخلاف السلام الوارد فی حقّ یحیى علیه السلام؛ حیث صدر من قِبل الباری عزّ وجل، قال تعالى: (وَسَلاَمٌ عَلَیْهِ یَوْمَ وُلِدَ وَیَوْمَ یَمُوتُ وَیَوْمَ یُبْعَثُ حَیّاً) [مریم: ۱۵]. 

الثانیه: أنَّ السلام على عیسى علیه السلام جاء معرّفاً، بخلاف السلام على یحیى علیه السلام فقد جاء منکراً. 

أمّا الوجه فی الخصیصه الأولى، ووجه اختلاف هذه الآیه عن الآیه التی تتکلّم عن یحیى علیه، فیظهر من بعضهم أنَّه للتدلیل على کون یحیى أفضل من عیسى؛ لکون الأوّل سلّم الله علیه، والثانی سلّم على نفسه، بل جعلوا ذلک روایه. 

وفیه نظر: لأنّ عیسى من أُولی العزم ویحیى لیس کذلک، کما أنَّ سلام من کان فی المهد صبیاً على نفسه لا یکون إِلَّا من الله تبارک وتعالى، فلا فرق بین أنْ یسلّم هو على نفسه أو یسلّم الله تعالى علیه.
کما أنَّ الحدیث المشار إلیه لم یثبت. 

نعم، ربّما یکون السرّ فی ذلک هو أنَّ ولاده عیسى علیه السلام من غیر أب أمرٌ اقتضى أنْ یکون الإعجاز بکلامه هو عن نفسه، فکان المناسب أنْ یکون السلام الَّذِی یعطیه الله تعالى لأنبیائه صادراً من صبیٍّ فی المهد؛ لأنّه أبلغ فی التأثیر، ورفع التهمه عن أمّه علیها السلام. 

وأمّا الوجه فی الخصیصه الثانیه، فقد ذکر البعض أنَّ اللام فی آیه عیسى علیه السلام للعهد، فتکون إشاره إِلَى ذلک السلام المتقدّم فی آیه یحیى علیها؛ نظیر قوله تعالى: (کَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ﴿۱۵﴾فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل]، والمعنى: ذلک السلام الموجه إلى یحیى فی المواطن الثلاثه موجه إلىّ أیضاً. 

وهذا المعنى لم یرتضه الزمخشری؛ ذاهباً إِلَى أنَّ «الصحیح أن یکون هذا التعریف تعریضاً باللعنه على متهمى مریم علیها السلام وأعدائها من الیهود. وتحقیقه أن اللام للجنس، فإذا قال: وجنس السلام علىّ خاصه، فقد عرّض بأنّ ضدّه علیکم. ونظیره قوله تعالى: (وَالسَّلامُ عَلى‏ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى)، یعنى: أنّ العذاب على من کذّب وتولى، وکان المقام مقام مناکره وعناد، فهو مَئِنَّهً لنحو هذا من التعریض». 

وهذه التفاته لطیفه لا بأس بها، والله العالم.
وکیف کان، فالسلام فی هذه المواطن الثلاثه (الخروج من رحم الأُم إِلَى رحم الدنیا، والخروج من الدنیا إِلَى القبر والبرزخ، والخروج من بالبرزخ إِلَى البعث والنشور) التی هی مظنّهٌ للخوف یُعطی الطمأنینه والأمان للروح والنفس فی وقت تکون فی أشدّ الحاجه إلیه؛ لتدخل بعد ذلک إِلَى (دَارِ السَّلاَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِیُّهُمْ بِمَا کَانُوا یَعْمَلُونَ) [الأنعام: ۱۲۷]. 

بما نال عیسى ویحیى ـ علیهما السلام ـ السلام فی المواطن الثلاثه:
بالتأمُّل فی موقع الآیتین المشار إلیهما من سوره مریم، اللتین تتحدثان عن عیسى ویحیى علیهما السلام، نستطیع أنْ نستنتج أنَّ الطمأنیه والأمان والسلام یعطیان للإنسان بواسطه أُمور، ففیما یرتبط بیحیى علیه السلام قال تعالى: (یَا یَحْیَى خُذِ الْکِتَابَ بِقُوَّهٍ وَآتَیْنَاهُ الْحُکْمَ صَبِیّاً ﴿۱۲﴾وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَکَاهً وَکَانَ تَقِیّاً ﴿۱۳﴾وَبَرّاً بِوَالِدَیْهِ وَلَمْ یَکُنْ جَبَّاراً عَصِیّاً ﴿۱۴﴾). وفیما یرتبط بعیسى علیه السلام قال: (قَالَ إِنِّی عَبْدُ الله آتَانِیَ الْکِتَابَ وَجَعَلَنِی نَبِیّاً ﴿۳۰﴾ وَجَعَلَنِی مُبَارَکاً أَیْنَ مَا کُنْتُ وَأَوْصَانِی بِالصَّلاَهِ وَالزَّکَاهِ مَا دُمْتُ حَیّاً ﴿۳۱﴾وَبَرّاً بِوَالِدَتِی وَلَمْ یَجْعَلْنِی جَبَّاراً شَقِیّاً ﴿۳۲﴾). وأهمّ هذه الأُمور هی: 

ـ الأخذ بالکتاب بقوّهٍ: والأخذ کذلک على ما جاء فی تفسیر المیزان: «التحقق بما فیه من المعارف والعمل بما فیه من الأحکام بالعنایه والاهتمام». واختلاف التعبیر فی مسأله الکتاب بین یحیى وعیسى علیهما السلام؛ حیث قال فی جانب الأوّل: (خُذِ الْکِتَابَ بِقُوَّهٍ)، وفی جانب الثانی: (آتَانِیَ الْکِتَابَ)، لأجل أنَّ یحیى ـ کما علیه أکثر المفسّرین لیس له کتابٌ مستقلّ، وإنّما المراد من الکتاب الَّذِی أُمر بالأخذ به بقوّهٍ هو کتاب موسى، وهی التوراه، بخلاف عیسى، فإنّ الإنجیل قد أُنزل علیه ابتداء. 

ـ الحنان والعطف على الآخرین: ویُستفاد ذلک بالصراحه من إعطاء الحنان لیحیى، ومن الإیصاء بالزکاه التی هی وسیله إبراز الغنی لعطفه ورحمته على الفقیر والمستضعف. 

ـ البرّ على الوالدین: وهو واضحٌ فیهما معاً. 

ـ الابتعاد عن الطغیان والتکبر على الآخرین، واستبدال ذلک بالتواضع لهم: کما یستفاد ذلک من کلمه (الجبار).

کیف نستفید فی زماننا من ذلک:
کما هو واضحٌ من الآیات المتقدمه، نحتاج فی أنْ نعیش فی ربوع السلام فی المواطن الثلاثه لننطلق من خلالها إِلَى دار السلام عند ملیک مقتدر، أنْ نتحلّى بما تحلّى به هذین النبیین؛ وذلک بأن نعمل بکتاب ربّنا، ونتحلّى بالعطف والحنان والرحمه فیما بیننا، فیعطف عالمنا على جاهلنا، وغنینا على فقیرنا، وحاکمنا على رعیته، ونقوم بما یقتضیه إقامه الصلاه من معانٍ سامیه، ونبرّ آبائنا وأُمهاتنا، ونعیش حاله التواضع مع الآخر، فلا نتکبّر علیه ولا نتجبّر. 

وکلّ هذه المعانی ـ کما نلاحظ ـ تحمل فی طیاتها قیم الأمن والسلام مع کلّ ما یسمّى بـ (الآخر). 

قُلْ هٰذِهِ سَبِیلِی أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِیرَهٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِی وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِکِینَ…

Leave A Reply

Your email address will not be published.