المرأه المسلمه.. تحت خطر العولمه
ولکن الأمر الذی یجهله الکثیرون، وتشیر إلیه الدراسات الحدیثه، أنّ العنصر الأبرز الذی یواجه خطر العولمه، ویتربص به الاستکبار ویستهدفه بشکل مباشر، هو المرأه، باعتبارها الوحده المنتجه للفرد، والحافظه لقیم الدین والتقالید الموروثه، فهی لم تکن یوماً بمعزل عن نظریه الاستکبار، ولا خارجه عن دائره مخططاته.
لقد نشط الاستکبار فی إشراک المرأه فی الثورات الأوروبیه، عبر شعارات تنادی بتحریر المرأه وفکّ قیدها، وتطالب بإلغاء کل أشکال التمییز ضدّها، من أجل إحداث نمط ثقافی اجتماعی یستند إلى التحرر والإباحه.
ومن ثمّ جاءت اتفاقیه المساواه بین الرجل والمرأه کمدخل للحق یراد به الباطل، ولتسجّل أخطر وأجرأ اتفاقیه عرفها التاریخ البشری، ولتصطدم مع سائر الأدیان السماویه، بل مع الواقع الإنسانی والمنطق والفطره السلیمه. فقد دعا الغرب إلى إلغاء جمیع العادات العرفیه، دون اعتبار لأعرافٍ قد تکون حمیده، وصوَّر مفهوم الأمومه على أنها وظیفه اجتماعیه لا أکثر، وذلک فی اتجاهٍ منه لسحب المفهوم الذی یجعل الأمومه وظیفه سامیه لا تقوم بها إلاّ الأم، فإنّ المسؤولیه المشترکه للرجل فی تنشئه الأطفال رغم صحتها، إلا أنها أیضاً تمهید للدعوه لتغیّیر الأدوار، لینتقل الرجل إلى دور الرعایه مفسحاً بذلک المجال للمرأه لکی تعمل. ولم تقتصر النظریه على ذلک، بل تجاوزته إلى اقتراح إلغاء کلمه الأم، لأنها بحسب زعمهم تشکل امتهاناً للمرأه، وتجعلها أقرب إلى حیوانٍ مهنتُه الأساسیه أن یلد ویرضع ویسهر على نظافه الولید.
وهکذا یتضح أن نظریه تحرر المرأه بکل بنودها، وبجمیع أشکالها، منافیه للفطره السلیمه، وهی تستهدف قبل کل شیء الدین والقیم الحمیده.. الأمر الذی یکشف عن عمق الهوّه التی یمکن أن تنحدر إلیها الإنسانیه فی المستقبل، ویزیل أدنى شکٍ فی أنّ المرأه جزء لا یتجزّأ عن مخطط العولمه.
ومن هنا یمکننا أن ندرک أبعاد التبنی الحمیم لقضایا حقوق المرأه من قبل القوى المهیمنه عالمیاً، وخلفیه الاستغلال الخبیث لسائر المطالب والشعارات، التی تستبطن تحقیق اختراقات على صعید مجتمعاتنا بشکل عام، وتحدیداً على صعید الأسره، المعقل الأخیر المتبقی. وعلیه فإن مسأله إیهام الناس بمشروع جدید للانتصار لحقوق المرأه عبر الأمم المتحده، ودون إشاره للأدیان، وخاصه الإسلام الذی أرسى دعائم حقوق المرأه، لیس إلا محاوله لقولبه شخصیه المرأه وصولاً إلى إیجاد المجتمع العالمی ذی الصبغه والسمت الواحد، الذی تسیطر علیه مفاهیم الغرب الانحلالیه، الساعیه لتقویض دعائم الأسره بهدف تذویب المجتمعات وتحویلها إلى نسیج واحد مهترئ، تسلس قیادته ویسهل التلاعب فیه کیف یُشاء.
ولعل هذا الوضع هو أکبر تحدٍ یواجه المرأه المسلمه المعاصره، ویجعلها أمام المواجهه المتعدده الأبعاد، خاصه وأن هذا الانشغال الاستراتیجی یستثمر فقر وجهل شعوب العالم، وخاصه المرأه التی تنعکس علیها الأزمه الاجتماعیه والتربویه والاقتصادیه.
المرأه فی مواجهه العولمه:
أولاً: وعی الساحه النسائیه للمتغیرات التی تهزّ العالم من حولنا، فی ظل ظاهره العولمه وشراک هیمنه آحادیه غایه فی السوء، وما تتطلبه المرحله من مراجعه لکل مَراکز القوه والضعف، لجهه تعبئه کل طاقات الأمه من دون استثناء.
ثانیاً: السعی إلى توفیر سبل التضامن بین نساء العالم الإسلامی وإیجاد فرص التعاون الأخوی عبر نشاطات مدروسه ومرکزه، مثل إقامه اتحادات ومنظمات ومؤسسات أبحاث ودراسات، إضافه إلى النشاطات الأخرى من ندوات عالمیه فکریه وعلمیه، وکل ما یؤدی إلى إیجاد اللحمه والامتثال لقوله تعالى «واعتصموا بحبل اللَّه جمیعاً ولا تفرقو»، والعمل على توفیر فرص المشارکه والانفتاح والحوار الحی الرصین مع سائر النخب النسائیه فی العالم من مختلف المذاهب والأدیان..
ثالثاً: التوعیه والترکیز على طلب العلم، والجمع بین العلوم الجامعیه والحوزویه، إذ لا بد من إدراک أهمیه التعرّف الوافی على الإسلام المنقذ، وجعله قاعده لجمیع نشاطاتنا وبرامجنا، لتعلم النساء والأمهات أنهن الیوم حارسات القیم الإسلامیه فی مواجهه جاهلیه العالم الغربی، وأنّ علیهن أنْ یتسلّحن بالتربیه الإسلامیه ویتقدمن فی میادین العلم والثقافه والسیاسه والاقتصاد ویحافظن على قلعه الإسلام الحصینه.
رابعاً: الحضور الإعلامی المدروس، فإن حاجه العالم العربی والإسلامی لإعلام مبنی على روح الدین وأخلاقه حاجه عظیمه.. إعلام یکون فیه للمرأه الملتزمه حضور مؤثر وممیّز یساهم بمواجهه المشکله المتفاقمه على أکثر من صعید، إضافه إلى أهمیه وأبعاد حضور النماذج النسائیه المثقله بالوعی الدینی العمیق.
خامساً: المرأه والدور الریادی المطلوب: إن الخروج من الحاله الکارثیه التی تعانیها المجتمعات النسائیه فی العدید من بلدان العالم على الرغم من کل الموارد المتاحه، یستلزم قیام مشروع نهضوی ریادی یتمثل بطرح قوی للنموذج البدیل على مستوى المرأه.
فالخواء الروحی الذی انتهت إلیه المجتمعات الغربیه أصبح الیوم مساویاً لتقدمها المادی والتقنی.. وإنّ نتائج الرصد والإحصاء توضح جسامه الانفلات والفشل والقلق والإخفاق الذی قاد إلى أزمه الإنسان المعاصر، والذی حلّ فی کل مکان فرض فیه الغرب نفسه، دون اعتبار لثقافه وتراث وحضاره وتجربه الآخرین.. فالمرأه فی إیران الثوره باتت تجمع عدداً کبیراً من المزایا والسمات المطلوبه لزعامه الدور النسائی لیس فقط على مستوى الساحه الإسلامیه.. بل على مستوى الساحه العالمیه المتخبطه والخاویه.
لذا فإنه من أجل أن الاستفاده من هذا النهج العظیم لتحقیق أهداف الإسلام، والارتقاء إلى مستوى المساهمه الفاعله فی عملیه تطبیق المشروع الإسلامی الأصیل کبدیل حضاری، فلا بد للمرأه من العمل على رسم خطوط أساسیه لاستراتیجیه شامله، تمکّنها من تحقیق هذا الإنجاز الهام.