حرمه الدم فی الإسلام
ولقد جعل الإسلام مکانه للنفس البشریه ، لم یجعلها دین من الأدیان ولا توجد شریعه أو دین أو نظام یعظم النفس الإنسانیه ، ویکرم الإنسان کما کرمها الإسلام قال تعالى: ( ولقد کرمنا بنی آدم وحملناهم فی البر والبحر ورزقناهم من الطیبات وفضلناهم على کثیر ممن خلقنا تفضیلاً ) .
کما أن الشریعه الإسلامیه حرمه دم المسلم تحریماً شدیداً ، وجعلت من قتل نفساً بغیر نفس أو فساد فی الأرض ، کأنه قتل الناس جمیعاً . قال تعالى ( من قتل نفساً بغیر نفس أو فساد فی الأرض فکأنما قتل الناس جمیعاً ومن أحیاها فکأنما أحیا الناس جمیعاً ) و هذه الآیه یقول المفسرون: تشیر إلى حقیقه اجتماعیه تربویه مهمه ، وهی أن قتل أی إنسان سواء کان مسلماً أو غیر مسلم، إن لم یکن قصاصاً لقتل إنسان آخر ، أو لم یکن بسبب جریمه الإفساد فی الأرض ، فهو بمثابه قتل الجنس البشری بأجمعه ، کما أن إنقاذ أی إنسان من الموت ، یعد بمثابه إنقاذ الإنسانیه کلها من الفناء . وهذه المفاهیم العظیمه لا تجدها إلا فی الدین الإسلامی.
و من هنا یطرح بعض المفسرین هذا السؤال وهو: کیف یکون قتل إنسان واحد مساویاً لقتل الناس جمیعاً ، وکیف یکون إنقاذ إنسان من الموت بمثابه إنقاذ الإنسانیه جمعاء من الفناء ؟ ومن الجواب على هذا السؤال تتبین عظمه الإسلام واحترامه وتقدیسه للنفس الإنسانیه ، ولقد وردت أجوبه عدیده من قبل المفسرین على هذا السؤال ولکن أفضل جواب.
أولاً: إن من یقتل إنسانا بریئاً ویلطخ یده بدم برئ یکون – فی الحقیقه – مستعداً لقتل أناس آخرین یساوونه فی الإنسانیه والبراءه ، فهو – فی الحقیقه – إنسان قاتل ، وضحیته إنسان آخر برئ ، ومعلوم أنه لا فرق بین الأبریاء من الناس من هذه الزاویه . کما أن أی إنسان یقوم – بدافع حب النوع الإنسانی – بإنقاذ إنسان آخر من الموت ، یکون مستعداً للقیام بعملیه الإنقاذ الإنسانیه هذه بشأن أی إنسان آخر ، فهذا الإنسان المنقذ یحب إنقاذ الناس الأبریاء ، لذلک لا فرق لدیه بین إنسان برئ وآخر مثله . ونظراً لکلمه فکأنما التی یستخدمها القرآن فی هذا المجال ، فإننا نستدل بأن موت وحیاه إنسان واحد ، مع أنه لا یساوی موت وحیاه المجتمع ، إلا أنه یکون شبیهاً بذلک .
وثانیاً: إن المجتمع یشکل فی الحقیقه کیاناً واحداً ، وأعضاؤه أشبه بأعضاء الجسد الواحد ، وأن أی ضرر یصیب أحد أعضائه یکون أثره واضحاً – بصوره أو بأخرى – فی سائر الأعضاء ، ولأن المجتمع البشری یتشکل من الأفراد ، لذلک فإن فقدان أی فرد منهم یعتبر خساره للجمیع ، لأن هذا الفقدان یترک أثراً بمقدار ما کان لصاحبه من أثر فی المجتمع ، لذلک یشمل الضرر جمیع أفراد المجتمع . ومن جانب آخر فإن إحیاء فرد من أفراد المجتمع ، یکون – لنفس السبب الذی ذکرناه – بمثابه إحیاء وإنقاذ جمیع أفراد المجتمع ، لأن لکل إنسان أثر بمقدار وجوده فی بناء المجتمع الإنسانی وفی مجال رفع احتیاجاته ، فیکون هذا الأثر قلیلاً بالنسبه للبعض وکثیراً بالنسبه للبعض الآخر . ولهذا عندما نأتی إلى الأحادیث النبویه الشریفه ، والتی نقلها جمیع المسلمین فی صحاحهم ومسانیدهم ومصادرهم المعتبره سنه وشیعه ، فإنها تحرم تحریماً شدیداً قتل الناس الأبریاء وخصوصاً المسلمین وسفک دمائهم . قال النبی ( صلى الله علیه واله وسلم: ( لزوال الدنیا أهون عند الله من قتل رجل مسلم ). و قال رسول الله (ص): ( قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنیا ). و قال (ص): ( أول ما یحاسب به العبد الصلاه وأول ما یقضى بین الناس فی الدماء ) وقال رسول الله صلى الله علیه واله وسلم: ( أول ما یحکم بین الناس فی الدماء ) .
وقال رسول الله (ص): یجئ المقتول آخذا قاتله وأوداجه تشخب دماً عند ذی العزه ، فیقول: یا رب سل هذا فیم قتلنی ؟ فیقول: فیم قتلته ؟ قال: قتلته لتکون العزه لفلان ، قیل: هی لله ) . و قال ( رسول الله (ص) ): ( لن یزال المؤمن فی فسحه من دینه ما لم یصب دماً حراماً ) وقال رسول الله (ص): ( إن دماءکم وأموالکم وأعراضکم علیکم حرام ، کحرمه یومکم هذا فی شهرکم هذا فی بلدکم هذا ، وعن ابن عباس قال، قال رسول الله (ص) فی حجه الوداع: یا أیها الناس أی یوم هذا قالوا: هذا یوم حرام قال: أی بلد هذا قالوا: بلد حرام قال: فأی شهر هذا قالوا: شهر حرام قال: إن أموالکم ودماءکم واعراضکم علیکم حرام ، کحرمه یومکم هذا فی بلدکم هذا فی شهرکم هذا ، ثم أعادها مراراً ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم هل بلغت مراراً یقول ابن عباس: ثم قال ألا فلیبلغ الشاهد الغائب ، لا ترجعوا بعدى کفاراً یضرب بعضکم رقاب بعض ).
ولهذا تعتبر جریمه القتل من أکبر الجرائم ، ولقد جعلت الشریعه الإسلامیه علیها عقوبتان واحده فی الآخره ، وهی أعظم . الخلود فی النار ، وغضب الله علیه ولعنه و أعد له العذاب العظیم قال تعالى: (ومن یقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فیها وغضب الله علیه ولعنه وأعد له عذاباً عظیماً) واما العقاب فی الدنیا ، فإن الإسلام جعل علیه القصاص ، وهو القتل جزاء على ما فعل بأخیه الإنسان ، بل أن الإسلام یحاسب على أقل أذى ممکن أن یلحقه الإنسان بالآخرین ، فکیف بقضیه القتل وإراقه الدماء ؟ ! وهنا نستطیع أن نقول – باطمئنان – إننا لا نرى أی شریعه غیر الإسلام أعطت هذه الحرمه الاستثنائیه لدم الإنسان ، مع أن هناک حالات ینتفی معها احترام دم الإنسان ، وإن کان القصاص فی الحقیقه هو احترام لدماء الآخرین والمنع من حد إراقه الدماء،
کما فی القصاص من القاتل قال تعالى ( ولکم فی القصاص حیاه یا أولی الألباب لعلکم تتقون ) کما لو قام بالقتل أو ما یوجب إنزال العقوبه به ، لذلک فإن القران الکریم والسنه النبویه ، بعد أن أثبتت حرمه الدم کأصل ، تشیر للاستثناء بالقول: إلا بالحق . وفی حدیث معروف عن الرسول ( صلى الله علیه وآله وسلم ) نقرأ: " لا یحل دم امرئ مسلم یشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس ، والزانی المحصن ، والتارک لدینه المفارق للجماعه.
أما القاتل فتکون نهایته معلومه بالقصاص ، الذی یؤمن استمرار الحیاه واستقرارها ، وإذا لم یعط الحق لأولیاء دم المقتول بالقصاص من القاتل ، فإن القتله سیتجرؤون على المزید من القتل والإخلال بالأمن الاجتماعی . أما الزانی المحصن ، فإن قتله فی قبال واحد من أعظم الذنوب قباحه ، وهو یساوى سفک الدم الحرام فی المرتبه . أما قتل المرتد فیمنع الفوضى والإخلال فی المجتمع الإسلامی ، وهذا الحکم هو حکم سیاسی ، لأجل حفظ النظام الاجتماعی فی قبال الأخطار التی تهدد کیان النظام الإسلامی ووحده أمنه الاجتماعی ، والإسلام – عاده – لا یفرض على أحد قبول الإنتماء إلیه ، ولکن إذا اقتنع أحد بالإسلام واعتنقه ، وأصبح جزاءاً من المجتمع الإسلامی ، واطلع على أسرار المسلمین ، ثم أراد بعد ذلک الارتداد عن الإسلام مما یؤدی عملاً إلى تضعیف وضرب قواعد المجتمع الإسلامی ، فإن حکمه سیکون القتل بالشرائط المذکوره فی الکتب الفقهیه . و کما ذکرنا إن حرمه دم الإنسان فی الإسلام لا تختص بالمسلمین ، بل تشمل غیر المسلمین أیضاً ، الذین یعیشون مع المسلمین عیشه مسالمه ، فإن دماءهم – أیضاً – وأعراضهم وأرواحهم مصونه ویحرم التجاوز علیها .
هذه هی النظره الحقیقه فی الشریعه الإسلامیه إلى الإنسان ، وخصوصاً المسلم فإنه إذا تشهد الشهادتین ، ولم یکن قاتلاً ولا مفسداً فی الأرض ، فإن دمه حرام .
و الیوم نرى هؤلاء المتطرفین الذین یدعون الإسلام وأنهم على وسنه النبی (ص) ، فإنهم یقتلون المسلمین من مختلف المذاهب ، وغیر المسلمین ویفجرون أنفسهم فی الأماکن و الأسواق المزدحمه بالسکان ، ولا یفرقون بین رجل کبیر وامرأه عجوز وطفل صغیر ، ویکفرون کل من خالفهم فی المعتقد ، ویبیحون دمه وأمواله ، وهذه أفکار بعیده عن روح الإسلام الذی بُعث رحمهً للعالمین ، ونحن ندعو جمیع المسلمین من جمیع المذاهب ، أن یحذروا من هذه الأفکار الخبیثه والهدامه والتی ترید أن تصور الدین الإسلامی دین قتل وإرهاب ، وتُبعد الناس عن الإسلام بهذه الأفکار البعیده عن روح وقیم الدین الإسلامی العظیم .