إداره الدوله فی عهد النبی (ص)
ومما لا شک فیه أن أیه مهمه یرید الإنسان القیام بها، فإنها تفترض وجود القدره الکافیه لیقوم بها، وکلما کانت المهمه أکبر وأعظم أثراً، لا بد أن تکون القوه والإراده أقوى وأقدر لإنجازها والوصول بها إلى الغایه والهدف المراد. وبما أن رسول الله محمد (ص) قد کلفه الله تعالى بإجراء أکبر عملیه تغییریه فی المسیره الإنسانیه عبر التاریخ وهی (تحویل المسیره عن خط الفساد والانحراف والضلال إلى خط الهدایه والإیمان والإصلاح) فکان لا بد أن تکون القابلیات والمؤهلات عند النبی (ص) متناسبه مع حجم تلک المهمه الجلیله التی کانت بحجم الإنسانیه لعصره وللعصور القادمه کما قالت الآیه الکریمه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاکَ إِلا رَحْمَهً لِّلْعَالَمِینَ﴾(۳).
ومن هنا نرى أن العنایه الإلهیه قد تکفّلت بتهذیب نفس النبی (ص) وتربیتها لتکون مؤهله للقیام بأعباء تلک المهمه العظیمه، والقرآن ملیء بالآیات الشاهده على العنایه الإلهیه بالنبی (ص) لصقل شخصیته وإیصالها إلى ذروه درجات الکمال الإنسانی التی جعلت من النبی (ص) رجل دوله بکل ما للکلمه من معنى، وقد ورد عن النبی (ص) قوله: "أدبنی ربی فأحسن تأدیبی"(4)، أو کما قال الإمام الصادق: (إن الله عز وجل أدَّب نبیه فأحسن أدبه، فلما أکمل له الأدب قال (وإنک لعلى خلق عظیم)، ثم فوَّض إلیه أمر الناس والأمه لیسوس عباده)(۵).
وبعد اکتمال الاستعداد الإیمانی والروحی وکل الجوانب والعوامل المؤثره فی إیصال الدعوه الإلهیه جاء الخطاب الإلهی للنبی (ص) بالتکلیف بحمل الرساله الإسلامیه وأدائها، وذلک فی قوله تعالى: ﴿یَا أَیُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۞ قُمْ فَأَنذِرْ ۞ وَرَبَّکَ فَکَبِّرْ﴾(۶)، ومن هذا الخطاب الإلهی بدأت الخطوه الأولى فی رحله تغییر المسیره الإنسانیه المعذَّبه والمضَّطهده التی کانت تعانی الضیاع والتشتت والفراغ الروحی والإیمانی ومجرده من کل هدف نبیل وعظیم تعمل من أجل الوصول إلیه والتمسک به، وکانت بحاجه إلى المرشد والدلیل والشاهد والمبشر والنذیر والسراج المنیر الذی یضیء لها السبیل وینیر لها طریق الحق الواضح والجلی والمتمیزعن باقی الطرق التی کانت الإنسانیه ملتزمه بها سواء عن اقتناع کما هو الحال عند فئه الحاکمین، أو عن ضعف وقله إراده وعدم وضوح السبیل الصحیح عند الفئات المقهوره والمعذبه.
وهنا بدأت حرکه النبی (ص) من خلال حمله التبشیر القائمه على الدعوه إلى عباده الله الواحد الأحد الفرد الصمد، وترک عباده الأصنام ونبذها من عقول الناس وقلوبهم، وتعلیم الناس والأمه طرق الاتصال والارتباط بالله سبحانه وتعالى لأنه المعبود الحقیقی الذی لا یقاس بغیره ممن هو من مخلوقاته ولو ابتدعها الناس وجعلوا منها آلهه تُعبد وتُقدم لها الهدایا والقرابین، ولذا ورد فی القرآن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِی بَعَثَ فِی الأُمِّیِّینَ رَسُولاً مِّنْهُمْ یَتْلُو عَلَیْهِمْ آیَاتِهِ وَیُزَکِّیهِمْ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَإِن کَانُوا مِن قَبْلُ لَفِی ضَلالٍ مُّبِینٍ﴾(۷).
ولا شک بأنه یجب أن یکون النبی (ص) فی أداء هذه المهمه "رجل دوله" بکل ما تعنیه هذه الکلمه وتحتویه من مضامین وأبعاد، فهو المصطلح المتعارف إطلاقه على الإنسان الذی یمتلک المؤهلات والقدرات على إداره المجتمع فی الحالات المختلفه ونقله من حاله متدنیه على کل المستویات إلى حاله عالیه وممیزه فی کل المجالات المناسبه مع الأهداف المطلوب الوصول إلیها بواسطه قیاده "رجل الدوله" الحکیم والمتوازن والعالِم إلى أین یرید أن یصل بشعبه وأمته وکل من هو تحت لوائه وقیادته.
والدوله هی الکیان السیاسی والإطار التنظیمی لوحده المجتمع وحیاته الاجتماعیه والاقتصادیه، وهی التی تمتلک حق إصدار القوانین والسهر على تنفیذها وتطبیقها بما یحقق الأهداف المطلوبه عبر ضبط حرکه المجتمع ککل والسهر على رعایته وحمایته من کل من یحاول إبعاده عن أهداف الدوله الملتزمه بخطها ونهجها.
ولا بد للدوله من "دستور" یتضمن القوانین والقواعد والأنظمه التی تحدد شکل الحکم ومساره على کل المستویات، سواء فی علاقه الدوله بمواطنیها أو فی علاقاتها مع المحیط والدول الأخرى. وهذه المفاهیم "رجل الدوله" و "الدوله" و"الدستور" لها معان محدده فی زماننا، ولها أنماط ونماذج متعدده تبعاً للفکر الذی تنتمی إلیه وتصوغ دستورها على أساسه، ویحکم تلک الدول "رجال دوله" مؤمنون بعقائدهم ویسهرون على تنفیذها على أکمل وجه یقدرون علیه.
إلا أن هذه المفاهیم الثلاثه لها فی الإسلام دلالات ومعانٍ مختلفه من حیث المضمون والفکر والسلوک، وإن تشابهت الأسماء لأنها صارت متعارفه من حیث أصل المعنى الذی یُشیر إلیه کل مفهوم فیها.
فأولاً: المطلوب من "رجل الدوله " فی الإسلام السهر على تحقیق هدفین أساسیین لا یمکنه تجاوزهما أو إهمالهما وهما:
۱- إبقاء حرکه المجتمع على تواصل دائم مع الله عز وجل من خلال فتح کل الطرق والأسالیب التی تربط الناس بخالقها من خلال "نظام العبادات" وتشجیع کل الناس على الاهتمام بهذا الجانب الرئیس والمهم فی عقیدتنا الإسلامیه.
۲- السهر الدؤوب والتخطیط السلیم للحفاظ على مصالح الأمه ودرء المفاسد عنها، وتشجیع کل حرکه بناءه فی المجتمع للوصول إلى الحیاه الأفضل والأرقى من خلال الاستغلال الجید والنافع للإمکانات والموارد والثروات بما یعود بالنفع والمصلحه لکل أفراد المجتمع لیعیش الجمیع ومن کل المستویات وهو متمتع بالحد الأدنى من مقومات الحیاه السعیده والآمنه والمستقره.
ونحن کمسلمین نعتقد أن "رجل الدوله" و "الدوله" و"الدستور" لهم مرجعیه واحده وهی "العقیده الإسلامیه" لا غیر، والتی طبقها رسول الله (ص) فی المجتمع الإسلامی الأول فی "المدینه المنوره" وهو الحجه علینا على مدى العصور، وإلى آخر یوم من أیام الإنسانیه فی هذه الدنیا الفانیه.
وقد ظهرت إداره النبی (ص) کرجل دوله على أرفع طراز من خلال قیادته الحکیمه والرشیده والتی یمکن تلخیصها یمکن تلخیصها بالعناوین العامه التالیه:
الأول: وحَّد المسلمین وجَمَعَهم ولمَّ شملهم فی المدینه المنوره بعد الهجره من مکه، وقرَّب بالتآخی بین المهاجرین والأنصار الوحده بینهم ونشر الألفه والموده والتعاون الایجابی لما فیه خیر الجمیع، ولیقول النبی (ص) بأن الإسلام هو الذی یوحد ویجمع ویؤالف بین الناس، ولذا نجد الله سبحانه قد امتدح نبیه (ص) على جمعه للقبائل المتناحره والمتنافره تحت لواء "التوحید" وقد قال سبحانه فی ذلک: ﴿وَاذْکُرُواْ نِعْمَهَ اللهِ عَلَیْکُمْ إِذْ کُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَیْنَ قُلُوبِکُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾(۸).
الثانی: تحصین مجتمع المدینه لأنه کان النواه الأولى والبذره الأساسیه للدوله الإسلامیه، لأن ذلک المجتمع بعناصره المتنوعه وقبائله المتعدده کان بحاجه إلى أجواء من الأمن والسلام والهدوء لتنظیم شؤون تلک الدوله الفتیه وتقویه صمودها لتکون قادره على مواجهه التحدیات والعقبات والصعوبات التی کانت موجوده حولها وتترصدها لإسقاطها والانتهاء منها، وعلى رأس هؤلاء "قریش" التی رأت فی دوله الإسلام تهدیداً لحاکمیتها وسلطتها على الأمور فی الجزیره العربیه آنذاک، ثم الیهود الذین کانوا فی المدینه وعلى مقربه منها وکانوا یتآمرون علیها کذلک.
الثالث: إداره قضایا الحرب والسلم والعلاقات مع الدول الأخرى فی ذلک العصر، ولذا جهز النبی (ص) مجتمع المدینه لیکون قادراً للدفاع عن عقیدته وعن دولته، خصوصاً أن المتربصین بدوله الإسلام کانوا قد شرعوا باعتداءاتهم وإبراز کراهیتهم وضیق صدورهم من تلک الدوله، ولذا وضع النبی(ص) أولویاته فی هذا المجال، فکانت "قریش" بما تمثل الخطر الأول الذی إن سقط على ید المسلمین بقیاده النبی (ص) تتغیر الکثیر من الموازین للقوى فی کل المنطقه، لأنها کانت "رأس الحربه" فی التجییش لقتال المسلمین والنبی (ص)، ومع تکرار الاعتداءات أذن الله لنبیه (ص) بالجهاد بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِینَ یُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِیرٌ ۞ الَّذِینَ أُخْرِجُوا مِن دِیَارِهِمْ بِغَیْرِ حَقٍّ إِلا أَن یَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾(۹).
بالفعل عملت قریش على خطین: أولهما، إخافه المسلمین لإشعارهم بأن قریشاً لا تزال القوه الرئیسه وهی صاحبه القرار. وثانیهما، منع امتداد الإسلام خارج المدینه المنوره لإبقاء المسلمین محاصرین فیها بلا سند أو دعم من خارجها، إلى أن بدأت المعارک الکبرى مثل "بدر" و "أُحُد" وغیرهما، وصولاً إلى "صلح الحدیبیه" الذی کان بدایه العد العکسی لسیطره قریش وکان إیذاناً لسقوطها فی المستقبل القریب، ویُروىَ أن رجلاً قال عن ذلک الصلح: "ما هذا بفتح لقد صدونا عن البیت"، فقال له النبی (ص) "بئس الکلام هذا، بل هو أعظم الفتح، لقد رضی المشرکون أن یدفعوا بالراح عن بلادهم ویسألونکم القضیه ویرغبوا إلیکم فی الإیمان وقد رأوا منکم ما کرهوا وأظفرکم الله علیهم وردکم سالمین مأجورین فهذا فتح عظیم"(10). وفتح ذلک الصلح الباب مشرعاً لانتشار الإسلام انتشاراً سریعاً فی وقت قصیر، وقد أنزل الله فی القرآن بعد ذلک الصلح (إنا فتحنا لک فتحاً مبیناً) حیث ذکر أکثر المفسرین أنها نزلت بعد الحدیبیه نظراً للنتائج المهمه التی ترتبت على ذلک الصلح.
الرابع: التسامح واللین مع الأمه، وهذه الصفه کانت بارزه فی شخصیه النبی (ص) ولعبت دوراً مهماً فی دخول الکثیرین فی الإسلام، أو ثبتت إیمان المسلمین بدینهم، وقد امتدح الله هذا الخلق من النبی (ص) بقوله: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِینَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْکُفَّارِ رُحَمَاء بَیْنَهُمْ﴾(۱۱)، وهذا التسامح کان نابعاً من طبع النبی (ص) ومن حکمته فی التعامل مع الأمور واستیعابها وتحویلها إلى ایجابیات لمصلحه الإسلام والمسلمین، ولذا ورد عنه قوله (ص): "أمرت بمداراه الناس کما أمرت بتبلیغ الرساله"(12)، وکان أسلوب اللین والتسامح من أسباب تقویه الروابط بین المسلمین ورص صفوفهم وتنافسهم فی أعمال الخیر، وقد تجلى التسامح النبوی بعد فتح مکه المکرمه حیث قال (ص): "من دخل دار أبی سفیان فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق علیه بابه فهو آمن"(13)، مع أن الکثیر من هؤلاء حارب الإسلام بقوه ودون هواده، وکانت قمه التسامح عندما قال کلمته المشهوره: "إذهبوا فأنتم الطلقاء"(14).
فاللین والتسامح من أهم صفات رجل الدوله الذی یعرف أهدافه التی یرید الوصول إلیها ویعرف الأسالیب التی توصله لبلوغ ما یصبو إلیه، ولذا لم یستغل النبی (ص) قوه المسلمین للانتقام والتشفی، بل عمل بمقوله "العفو عند المقدره"(15)، واستعمل القوه للبناء والأمن وحمایه المسلمین من الأعداء.
الخامس: الالتزام الدقیق بتطبیق أحکام الإسلام على الجمیع من دون أیه استثناءات أو إعفاءات أو مجاملات، وفی هذا المجال برزت الإداره الرشیده والحازمه للنبی (ص) ضد المخالفین لأحکام الإسلام من دون مراعاه للمکانه أو المنزله الاجتماعیه أو أی میزان آخر کان معمولاً به فی الجاهلیه، لأن الإسلام لا یعترف إلا بموازین الله القائمه على أن: ﴿إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاکُمْ﴾(۱۶)، ولیس أکثرکم مالاً أو جاهاً أو شهره، من دون مضمون إیمانی وأخلاقی، حتى ورد عنه قوله (ص): "والله لو فاطمه بنت محمد سرقت لقطعت یدها" (17)، فتطبیق الأحکام لا یحتاج إلى التراخی أو التهاون مع المخالفین والمنحرفین، لأن ذلک یخالف الأهداف الإسلامیه، وقد یؤدی التهاون إلى شیوع الفتنه والفساد بین الناس، والحفاظ على المجتمع فی العیش بعیداً عن الانحراف والرذیله هو حق لا یمکن التسامح فیه، لأن الهدوء والأمن والسلام فی المجتمع هو الذی یدفع للوصول إلى الحرکه المنتجه والعمل المبدع المفید والنافع فی الدنیا والآخره.
من هذه العناوین الإجمالیه للإداره النبویه نرى ضخامه الانجازات التی تحققت حینها وما أحدثته من تغیرات جذریه فی حرکه مجتمع المدینه الإسلامی، ثم على مستوى الجزیره ککل، ثم على مستوى العالم کله، وهذا ما یثبت أن النبی (ص) کان رجل دوله من طراز رفیع، بل هو الأرفع والأرقى عبر التاریخ والعصور، وهذا الکلام لیس من باب التعصب، بل من باب الحقیقه والواقع، ولیس أدل على ذلک أن صاحب کتاب "أعظم مئه رجل فی التاریخ" وهو غیر مسلم اختار النبی محمداً (ص) الأول فی تسلسل تلک المئه بسبب إنجازاته العظیمه للإنسانیه إلى زماننا هذا وإلى آخر یوم من عمر البشر فی هذه الدنیا.
ولهذا، فإن الاقتدار النبوی على تحویل حرکه الواقع السلبی فی زمانه إلى حرکه وعی فی ضمیر ووجدان الفرد والأمه وإبراز القابلیات الإنسانیه بعد تحررها من قیود العبودیه والاستغلال البشع إلى أن تصبح حرکه منتجه وبنّاءه للوصول إلى المجتمع المطابق للنموذج الإسلامی الذی صاغه الله وأوحى به إلى نبینا محمد (ص) وتحقق فی مجتمع المدینه المنوره فی زمانه وحیاته(ص)، هذا کله یدل على الخبره الدقیقه والمعرفه الراقیه فی إداره شؤون المجتمع وقیادته نحو الأهداف الأصیله للحیاه البشریه على النحو الذی أراده الله أن یتحقق فی الحیاه الدنیا.
ــــــــــــــــ
المصادر:
۱-{الأحزاب ۴۵/۴۶}
۲- {القلم/۴}
۳- {الأنبیاء/۱۰۷}
۴- بحار الأنوار- ج۶۸- ص: ۳۸۲٫
۵- الکافی- ج۱/۲۶۶/ ح۴٫
۶- {المدثر/۱-۲-۳}
۷- {الجمعه/۲}
۸- {آل عمران/۱۰۳}
۹- {الحج /۳۹ – ۴۰}
۱۰- الدر المنثور- ج۶- ص: ۶۸٫
۱۱-{الفتح/۲۹}
۱۲- تحف العقول_ ص: ۴۸٫
۱۳- الطرائف فی معرفه مذاهب الطوائف- ص: ۳۹۰٫
۱۴- الکافی- ج۳- ص: ۵۱۲/ ح۲
۱۵- مثل سائر فی أمثال المقام.
۱۶- {الحجرات/۱۴}
۱۷- صحیح مسلم- ج۵- ص: ۱۱۴