ماهیه الإمامه عند أهل السنّه
وأمّا الشیعه الإمامیه، فینظرون إلى الإمامه بأنّها استمرار لوظائف الرساله (لا لنفس الرساله، فإنّ الرساله والنبوه مختومتان بالتحاق النبی الأکرم بالرفیق الأعلى)، ومن المعلوم أنّ ممارسه هذا المقام، یتوقف على توفر صلاحیات عالیه، لا ینالها الفرد، إلاّ إذا وقع تحت عنایه إلهیه ربّانیه خاصه، فیخلُف النبیَّ فی علمه بالأصول والفروع، وفی عدالته وعصمته، وقیادته الحکیمه، وغیر ذلک من الشؤون.
وممّا یعرب عن أنّ الإمامه عند أهل السنّه أشبه بسیاسه وقتیه زَمَنِیّه، یشغلها فرد من الأُمّه بأحد الطرق، ما اشترطوه من الشروط، وذکروه من الأوصاف فی حق الإمام، وستوافیک فیما یأتی. ولأجل إیقاف الباحث على صحّه هذا التحلیل نشیر إلى بعض کلماتهم.
قال الباقلانی: "لا ینخلع الإمام بفسقه وظُلْمِهِ بغصب الأموال، وضَرْب الأبشار، وتناول النفوس المحرمه، وتضییع الحقوق، وتعطیل الحدود، ولا یجب الخروج علیه، بل یجب وعظه وتخویفه وترک طاعته فی شیء ممّا یدعو إلیه من معاصی الله"1.
وقال الطحاوی: "ولا نرى الخروج على أئمتنا ووُلاه أُمورنا، وإن جاروا، ولا ندعوا علیهم، ولا ننزع یداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعه الله عزوجل فریضه، ما لم یأمروا بمعصیه، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاه"2. وقال: "والحج والجهاد ماضیان مع أُولی الأمر من المسلمین، بَرِّهِم وفاجِرِهِم، إلى قیام الساعه، ولا یبطلهما شیء ولا یَنْقُضهما"3.
قال التفتازانی: "ولا یَنْعَزِلُ الإمام بالفسق، أو بالخروج عن طاعه الله تعالى، والجور (أی الظلم على عباد الله)، لأنّه قد ظهر الفسق، وانتشر الجور من الأئمه والأُمراء بعد الخلفاء الراشدین، والسلف کانوا ینقادون لهم، ویقیمون الجُمَع والأعیاد بإذنهم، ولا یرون الخروج علیهم". ونَقَل عن کتب الشافعیه أنّ القاضی ینعزل بالفسق بخلاف الإمام، والفرق أن فی انعزاله ووجوب نصب غیره إثاره الفتنه، لما له من الشوکه، بخلاف القاضی۴٫
إلى غیر ذلک من الکلمات الّتی ذکروها فی وجوب إطاعه السلطان الجائر، وحرمه الخروج علیه۵٫ فإنّ هذه الکلمات تبین لنا موقع منصب الإمامه عند أهل الحدیث والأشاعره، وکلّها تعرب عن أنّهم ینظرون إلى الإمامه کسیاسه وقتیه زمنیه، وإلى الإمام کسائس عادیّ یقود أُمّته فی حیاتهم الدنیویه. ولأجل ذلک لا یکون الفسق والجور، وهتک الأستار، قادحاً فی إمامتهم، کما أنّ التسلط على الرقاب بالقهر والإستیلاء، والنار والحرب، أحد الطُرق المسوغه للتربع على منصّه الإمامه.
فإذا کانت هذه هی حقیقه الإمامه، وکان هذا هو الإمام عند أهل السنه، فلا غرابه حینئذ فی جعلها من الأحکام الفرعیه.