ماذا تعنی ثقافه القرآن؟
(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ یَهْدِی لِلَّتِی هِیَ أَقْوَمُ) (الإسراء/ ۹).
القرآن الکریم مصدر الفکر والثقافه والعقیده، ومنهج السلوک والتربیه والأخلاق، ومستودع التشریع والأحکام والمعرفه، ومقیاس الخطأ والصواب، ومرجع الحیره والخلاف.. وهو مصدر عزّه هذه الأُمّه وأساس نهضتها، فمنذ أشرقت أنوار الوحی فی ربوع مکّه المکرّمه إنطلق التاریخ الإنسانی مرحله جدیده من الوعی والإیمان والثقافه والحضاره..
ولعظمه هذا القرآن کان النظر فیه عباده، وتلاوته عباده، وتدبّره علم ومعرفه، والعمل به هدایه ونجاه..
ومن نِعَم الله سبحانه على البشریّه جمعاء أنّ هذا القرآن محفوظ من التحریف والتلاعب فی نصِّه النیِّر المبارک.. والمشکله الکُبرى فی الفکر الإنسانی هو الإختلاف فی فهم القرآن وتفسیره، والتلاعب بدلالاته ومعانیه، وتأویله حسب الأهواء والأفکار القاصره المنحرفه..
وقد بذل أئمّه أهل البیت (ع) والعلماء جهوداً عظیمهً لحفظ القرآن من التحریف والتزییف بعد رسول الله (ص)، فقد ألّف العلماء الآلاف من الکتب والدراسات المعنیّه بالقرآن وعلومه ومعارفه وما یرتبط به من لغه وتفسیر وقراءه وتاریخ وتشریع… إلخ.
إنّما یطمح إلیه المخلصون من أتباع القرآن هو أن تعود الأُمّه إلى کتاب الله المجید، منهجاً ودستوراً للحیاه، ومصدراً للوعی والفکر والثقافه، ومقیاساً للخطأ والصواب، ومرجعاً لحل الخلاف وأساساً للوحده ونبذ الفرقه.
ومؤسسه البلاغ، هذه المؤسّسه الإسلامیه، التی ساهمت عبرَ ثلاثین عاماً بنشر الفکر والثقافه الإسلامیه ومنها القرآنیه، تضیف إلى عملها المعرفی هذا إصدار سلسله (من ثقافه القرآن)، ولکی یکون عمل السلسله منهجیّاً، إبتدأنا بهذا الکتاب: "مبادئ أساسیّه فی فهم القرآن الکریم"، وسنواصل بحث الموضوعات الثقافیه ومشاکل المجتمع وفقَ المعالجات القرآنیّه..
نسأل الله سبحانه أن یأخذ بأیدینا إلى ما فیه الخیر والصّلاح والسداد.. إنّه سمیع مجیب.
– ماذا تعنی ثقافه القرآن:
کثیراً، ما تتردّد کلمه ثقافه ومثقّف، والکثیر مَن یستعملها لا یقصد بالثقافه إلا مجموع المعارف التی یحصل علیها الإنسان.
والمثقف حسب هذا الفهم هو مَن حوى قدراً من هذه المعارف أو تلک.. أو هو حامل الشهاده الدراسیه، لا سیما فی مستویاتها الجامعیّه.. ذلک ما یفهم معظم الناس من کلمه ثقافه ومثقّف..
ونحن نرید فی هذا البحث الموجز، أن نُعرِّف بمفهوم الثقافه والمثقّف من خلال الرؤیه القرآنیّه..
تُعرِّف معاجم اللّغه بکلمه (ثقف): فتضع أمامنا المعانی الآتیه:
جاء فی معجز مفردات الراغب الأصفهانی: "الثَّقْفُ: الحِذقُ فی إدراک الشیء وفعله، ومنه استُعِیرَ المُثاقَفَه، ویُقال ثَقِفْتُ کذا إذا أدرَکتَه ببصَرِک لحِذق فی النظر، ثمّ یُتجوّز به فیُستعمل فی الإدراک وإن لم تکن معه ثقافه".
وجاء فی المعجم الوسیط: "ثقّف الشیء أقام المعوج منه وسوّاه، وثقّف الإنسان أدّبه وهذّبه وعلّمه".
وإذا عرفنا أنّ مفهوم الثقافه فی معاجم اللّغه یعنی فی بعض دلالاته: الذکاء والدّقه فی استقبال المعرفه والحذق والمهاره فی العلم والمعرفه والصناعه، وتقویم المِعْوَج وتسویته، وإزاله الزوائد منه.. فمن هذا المنطلق یجب أن نفهم مصطلح ثقافه ومثقّف ونستعمله، فلا نُسمّی المتعلِّم مثقّفاً ما لم یسلک السلوک القویم، ویُنقّی سلوکه وشخصیّته من الانحرافات، والهبوط الأخلاقی..
ومن هذا المنطق أیضاً، فإنّ ثقافه القرآن تعنی تقویم السلوک الإنسانی وتهذیبه وتنظیم البنیه الذاتیه للإنسان على أساس القِیَم والمبادئ القرآنیه، لیکون شخصیه قرآنیه فی فکره وسلوکه وطریقه تفکیره.. وهو الإستقامه:
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِیمَ) (الفاتحه/ ۶).
(فَاسْتَقِمْ کَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَکَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِیرٌ) (هود/ ۱۱۲).
ولذلک أیضاً ینهى عن الانحراف والشّذوذ، ویستنکر هذا السلوک المِعْوَج:
(فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَیْنَهُمْ أَنْ لَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِینَ * الَّذِینَ یَصُدُّونَ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ وَیَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَهِ کَافِرُونَ) (الأعراف/ ۴۴-۴۵).
إنّ القرآن یحمل إلى البشریّه مشروعاً ثقافیّاً، وحضاریّاً بنّاءً ومغیِّراً.
إنّ ثقافه القرآن الفکریه التی یخاطب بها الإنسان هی ذات طابع وهدف علمیّ.. فکلّ فکره وثقافته هو للعمل.. حتّى الثقافه العقیدیّه العقلیّه.. هی أساس ومنطلق للسلوک والعمل.. لهذا فهو یرفض القول دون العمل. جاء ذلک فی قوله تعالى: (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * کَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف/ ۲-۳).
وفی مورد آخر یربط بین الإیمان النظری والعمل التطبیقی.. ویعتبر الانفصال بینهما خساره وضیاع للإنسان.
قال تعالى: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِی خُسْرٍ * إِلا الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (سوره العصر).
ثمّ یوجِّه الإنسان للعمل، وتطبیق الفکر والثقافه النظریه على السلوک والمواقف، ویدعو إلى تجسیدها عملاً منظوراً وملموساً فی الحیاه.
نقرأ من هذه البیانات:
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَیَرَى اللَّهُ عَمَلَکُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبه/ ۱۰۵).
(وَأَنْ لَیْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْیَهُ سَوْفَ یُرَى) (النجم/ ۳۹-۴۰).
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَکَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس/ ۹-۱۰).
وهکذا فإنّ القرآن یبنی ثقافه الفکر والعمل.. ولیس المثقّف إلا مَن نقّى وثقّف سلوکه وفکره من الانحراف ومساوئ الأخلاق، وحرص على الاستقامه ومکارم الأخلاق.