القوه الروحانیه عند الأئمه علیهم السلام
لکن مفهوم "الأیدیولوجیا" لا یستقیم مع المعنى الصحیح للدین وهی لیست من شأن الدین الصحیح لأن الإیمان حاله حرکیه بینما الإیدیولوجیا هی الجمود..
الدین یقوم على أساس الإیمان بقیم روحیه، فعماد الدین هو أن تؤمن بالله والیوم الآخر… وبکتبه ورسله .. والأئمه المعصومین صلوات ربى وسلامه علیهم أجمیعین …
والإنسان لا یستطیع إلا أن یؤمن بقیمه مطلقه علیا، حتى الملحد الذی لا یؤمن بالله والیوم الآخر تجده یؤمن بقیم مطلقه مثل الحق والعدل والإنسانیه، ولا یستطیع أحد أن یعتبر هذه القیم المطلقه قوالب تحد حریه التفکیر؟
وکما أن الملحد لا یرى فی الإیمان بمبادئ علیا تناقضاً مع حریته الفکریه بل دافعاً لهذه الحریه، فإن الإیمان برب أعلى مطلق القدره والإحاطه لا یتناقض مع تحرر الإنسان من القوالب التی تحد من حریه تفکیره..
أتفق مع الرأی القائل بضروره تمرد المثقف على کل القوالب والأیدیولوجیات وأن تظل حاسته النقدیه یقظهً دائماً فلا یهاب طرح الأسئله الحرجه ولا یعترف بالمناطق المحرمه ولا یتردد فی نسف المسلمات الخاطئه ولا یعترف إلا بمقیاس وحید لقبول الأفکار أو ردها وهو مقیاس الحجه والبرهان "قل هاتوا برهانکم إن کنتم صادقین"..ولهذه الایه مدلولات کثیره لا تعد ولا تحصى بالنسبه لمولى عتره ال البیت علیهم السلام .
الإیمان لا یعطل حریه التفکیر لأنه قائم أصلاً على أساس هذه الحریه، والإیمان لا یصح إلا إذا کان نتاج تفکر حر، فالإکراه لا یصنع إیماناً "لا إکراه فی الدین"، "أفأنت تکره الناس حتى یکونوا مؤمنین"، والتدین المتوارث عن الآباء هو أقرب إلى العادات والتقالید الاجتماعیه منه إلى الإیمان.
فی القرآن مئات الآیات التی تحث على التفکر والتدبر بل تجعله فریضهً، وإذا کان شرط استقلال المثقف أن ینسحب من ضجیج المجتمع وألا ینجرف مع التیار فإن القرآن یدعو مکذبیه إلى التحرر من ضغط المجتمع، والتفکر مثنى وفرادى حتى تکون لهم شخصیتهم المستقله فی اتخاذ القرار: "قل إنما أعظکم بواحده أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفکروا" ( الأیه ) ..
والقرآن یذم ثقافه القطیع فیحمل فی أکثر من أربعین آیه على أصحاب التفکیر الآبائی الذین یؤجرون عقولهم للثقافه السائده: "إنا وجدنا آباءنا على أمه وإنا على آثارهم مقتدون" ( الایه ) .
القرآن یرسخ لمنهج المحاججه العقلیه حتى فی القضایا الکبرى .. لانه أول من خلق الله العقل .. فقال له اقبل فأقبل .. أدبر فأدبر … فحین تطرح شبهات تتعلق بوحدانیه الله وربوبیته فإن القرآن یرد علیها بالحجه والبرهان ولا یقول للناس: إن مناقشه هذه الأمور کفر وما علیکم سوى السمع والطاعه، بل یطالبهم بأن یأتوا بما عندهم من أدله عقلیه "هل عندکم من علم فتخرجوه لنا"، "قل هاتوا برهانکم" (الأیه) .. یقول الأمام على علیه السلام ( بالعقل صلاح کل أمر ) .
وحین یتحدث عن حساب المشرکین فإنه یربط بین هذا الحساب وبین عدم إتیانهم ببرهان مع أن موقفهم بالإشراک مع الله أسخف من أن یکون هناک برهان یعضده لکنه التأکید على مبدأ المناقشه الفکریه: "ومن یدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا یفلح الکافرون" .. یقول الأمام على علیه السلام (لا یتحقق الصبر إلأ بمقاساه ضد المألوف ) .
فإذا کان القرآن یفتح الباب للمناقشه العقلیه فی القضایا الکبرى فمن باب أولى ألا یضیق بطرح الأسئله وإثاره النقاش فیما دون ذلک من قضایا.ومن یؤسس إیمانه على الدلیل والبرهان والوضوح العقلی فإن هذا الوضوح العقلی سیغدو منهجاً عاماً یلون حیاته ولن یقبل بعد ذلک بالأفکار الشائعه دون تدقیق وتمحیص وسؤال عن البرهان.
لا أدافع عن واقع المسلمین فنحن لا نشجع حریه التفکیر ولا نرحب بطرح الأسئله، لکنه خلل فی الثقافه وغیاب لمعنى التجدید الدینی، ولیست المشکله فی الدین .. یقول الأمام على علیه السلام (ثلاث من أبواب البر: سخاء النفس وطیب الکلام والصبر على الأذى ) ..
لیست القضیه فی أن الإیمان لا یعطل التساؤل وحریه التفکیر وحسب، إذاً لاستوى أن یکون المرء مؤمناً أو ملحداً، وربما لکان خیار الإلحاد أفضل لأنه آکد على التحرر من القوالب والقیود..
لکن الإیمان لا یکتفی بالسماح بالتفکیر، بل إنه أفضل الطرق لضمان التحرر والاستقلال وولاده المفکر الحقیقی..
کلمه "لا إله إلا الله" التی هی أساس الدین فی عمقها تعنی التجدید الدائب، والحذر من الجمود على أی هیئه أو حاله لأن الجمود هو الصنمیه..مهما بلغت من مکانه مرتفعه أو ثناء بین الناس أو تحقیق انتصار، أو درجه من العلم فإن ارتباطک بمعنى مطلق یحول بینک وبین الرکون إلى هذه الحاله والرضا بها ویبقی قلبک متوجهاً نحو الغایه الکبرى التی لم تصلها بعد .. یقول الأمام على علیه السلام (لسان العاقل وراء قلبه ،وقلب الأحمق وراء لسانه ) .
وبذلک یظل الإنسان فی حاله دائبه من السعی والکدح "یاأیها الإنسان إنک کادح إلى ربک کدحاً فملاقیه"، "لترکبن طبقاً عن طبق"، "یا أیها الذین آمنوا آمنوا".. لا یعرف الاستقرار إلیه سبیلاً فی هذه الدنیا، مثله کمثل العائم فوق سطح الماء یقاوم التیار دون أن تستقر قدماه على الأرض.
ومن عاش بهذه النفسیه فإنه سیظل محافظاً على حاله الیقظه العقلیه والحاسه النقدیه، ولن تغریه مغریات الدنیا بخیانه رسالته الإنسانیه فی الصدع بکلمه الحق والتصدی للسلطه الجائره .. یقول الأمام على علیه السلام (سکین ابن آدم مکتوم الأجل مکنون العلل محفوظ العمل تؤلمه البقه وتنته العرقه و تقلته الشرقه ) ..
إن الإیمان ب"لا إله إلا الله" فی معناها الحی المتجدد ولیس کإیدیولوجیا جامده هو الذی یصنع المفکر الحقیقی لأن قلبه سیظل معلقاً بالمطلق وسیمنحه هذا الإیمان القدره على تجاوز أی مستوى یبلغه والتطلع لما بعده، وبذلک یواصل السیر الحثیث نحو غایه وجوده محاذراً أن یقع فی عباده الأصنام، وکل توقف عند هیئه نفسیه أو اجتماعیه أو ثقافیه هو مثال على الصنمیه .. یقول الأمام على علیه السلام (الدین شجره أصلها التسلیم والرضا ) ..
الإیمان بالله والیوم الآخر کما أنه یوجد لدى صاحبه الیقظه العقلیه الدائمه فإنه یمده قبل ذلک بالطاقه الروحیه اللازمه لتحمل التضحیه فی سبیل الأفکار التی یؤمن بها، إذ ما الذی یجبر إنساناً على تحمل المصاعب التی تسببها مخالفه تیار المجتمع والصدع بکلمه الحق فی وجه السلطان الجائر، وترک حیاه الدعه والراحه لو لم تکن هناک قیم علیا یؤمن بها تهون علیه هذه المصاعب .. یقول الأمام على علیه السلام (لن تهتدی إلى المعروف حتى تظل عن المنکر ) ..
ما الذی یجبر الإنسان على السباحه ضد التیار وعلى تحمل قدر هائل من الأذى والمعاناه وعلى حرمان نفسه من الراحه والاستقرار..ما الذی یجبر الأمام الحسین علیه السلام على حیاه الوقوف فى وجهه الظالمین التی یتحدث الان الملایین من محبیه والتی تعنى أن یظل المثقف طوال حیاته کالعائم فوق الماء لا یعرف ما الخبایا التى حدثت فى نظره الأمام الحسین علیه السلام فى موقعه کربلاء ..
إنها حاله رائعه ولکنها تبدو خیالیهً إذا تناولنا الإنسان معزولاً عن أبعاد أخرى تتجاوز مادیته الملتصقه بالطین المجبوله على حب الدعه والراحه والشهوات..
إن بقاء حاله الیقظه العقلیه النقدیه لدى المثقف یحتاج لطاقه روحیه تنشطها إذا فترت وتعین صاحبها على الصمود أمام تیار المغریات الجارف.
یفسر معارضو الفکر الشیعیى استعداد الإنسان للتضحیه والبذل على حساب راحته واستقراره بإیمانه بقیم العداله والحق والإنسانیه..
حسناً..إذاً هناک قیم مطلقه یناضل الإنسان فی سبیلها وهذه القیم لا تنتمی إلى عالم الماده والأشیاء، فلا بد من وجود بعد آخر نستطیع من خلاله تفسیر استعداد الإنسان للتضحیه بل والموت فی سبیل هذه القیم وهذا هو البعد الروحی .. وما حدث للأئمه الأطهار لهو أکبر دلیل على مابذل هؤلاء المعصومین حتى ینیروا الطریق بمشاعل من نور وروح وریحان وربا" لهم غیر غضبان .. بل ربا" أحبهم وکرمهم وجعل الجنه مثواهم فى سبیل أنهم خضبوا دمائهم فى سبیل أعلاء کلمه الحق فى وجهه حاکما" ظالم .. حاکما" بداء بالتأمر على العتره علیهم السلام بعد وفاه .. أو أستشهاد الرسول الأعظم محمدا" صلى الله علیه واله وسلم .. فهل ینسى الله من ترکوا بصمات الدماء على أرض کربلاء .. ( هیات .. هیهات .. ما هذا الظن بک .. وما المعروف عنک ربنا ورب کل شىء وملیکه سبحانه وتعالى ..
نحن نفسر هذا المطلق بشکل أکثر تحدیداً من خلال الإیمان بالله والیوم الآخر، بینما یسمیه آخرون إیماناًَ بالعدل والحق..واللافت أن من أسماء الله الحق والعدل، فالقیم المطلقه التی یتحدثون عنها لتفسیر استعداد المثقف للبذل وحرمان نفسه من الملذات هی فی جوهرها أبعاد روحیه..
هذا التحدید الذی یتسم به الفکر الدینی ضروری لتقدیم تصور متکامل یحقق التوافق والانسجام ویجنبنا الشعور بالتناقض والعبثیه، فالحدیث عن قیم الحق والعداله والإنسانیه حین ننزعها عن الإیمان بالله والیوم الآخر لا یکفی لتحقیق التوافق والتکامل، لأن الإنسان ربما یحب الحق والعدل والإنسانیه ویناضل فی سبیل هذه القیم، ولکن فی ظل غیاب تصور متکامل یربط هذه القیم بقدره علیا تنصرها وتقدر العاقبه لها فإنه یصاب بالیأس والإحباط وتتأثر دافعیته للتضحیه لأنه لیس متأکداً وهو یناضل فی سبیل الحق أن هذا الحق سینتصر حتماً فی نهایه المطاف .. وهذا ما حدث مع أل البیت علیهم السلام ومن اتبعهم بأحسان الى یوم الدین …
ولن یکون متأکداً بأن مجریات التاریخ تجری وفق خطه حکیمه، فظاهرها یوحی بالعبثیه إذ تجد ظالماً طغى وتجبر ومع ذلک یتمتع بالملذات ویبات آمناً من الحساب والعقاب، وفی المقابل تجد مظلوماً عاش ومات بقهره دون أن یسترد حقه..
إن هذا التناقض الظاهری یصیب الإنسان بالإحباط ما لم یکن هناک إیمان بالله والیوم الآخر ینقذه، وحین یرى الموالى کل هذا القدر من التناقض الذی تتصف به الحیاه فإن دافعیته فی النضال فی سبیل الحق والعدل ستتأثر إذ ما الذی یجبره على التضحیه فی سبیل مبدأ لیس متأکداً أنه سینتصر وأن العاقبه ستکون له فی نهایه المطاف..
التصور المتکامل یقتضی بأن تکون هناک قدره علیا مطلقه وحکیمه وعلیمه تدعم هذا الحق والعدل وتسیر أحداث التاریخ فی اتجاه محدد بما یخدم الحق وینصره .. وکما نرى کیف تعالت مقامات ال البیت علیهم السلام فى بقاع الارض .. والقباب والمأزن تلمع ببریق الذهـــــــب … وقبور المقبروین وضعت فى أرض ( خربه !!) ..
لا شیء یمنح الإنسان قوهً لمواجهه قوالب المجتمع وأصنامه مثل أن یستمد العون من إله مطلق أعلى قوی قادر محیط علیم حق عدل، ولا شیء یعزی الإنسان عن فقدان راحته واستقراره فی هذه الدنیا أکثر من إیمانه بدار آخره فیها السعاده المطلقه والخلود الأبدی .. ونرى معجزرات ال البیت علیهم السلام تتخطى الحدود .. وتشعل الأرض بالخلود ..
أما من یؤمن بأن هذه الدنیا هی نهایه المطاف وأن کل شیء ینتهی بمجرد مواراه الإنسان فی التراب فسیکون لإیمانه بالمبادئ حدوداً وقد یخذله هذا الإیمان حین یخضع الأمر لموازانات المصلحه فیرى أن تنعمه فی هذه الحیاه القصیره خیر له من حیاه التعب والعناء فی سبیل الآخرین الذین لن ینفعوه شیئاً بعد أن یموت..
إن إضافه البعد الروحی یبدو ضروریاً لیکون لنضالنا فی سبیل العداله معنى.. یلجأ معارضو التفکیر الدینی للخروج من التناقض بتعلیل تحمل المحبیین الموالیین للأعباء التی یسببها له الإیمان بمبدئه وحرمان نفسه من المکافآت المادیه بأن حیاه المبادئ على صعوبتها تحمل مکافآت وامتیازات، من هذه المکافآت ما أسماه إدوارد سعید (فرح الاندهاش)، وعدم قبول أی شیء کبدیهی، وتعلم البدیل المؤقت فی ظروف عدم الاستقرار المتزعزع التی تربک معظم الناس..
إذاً الهدیه التی یجنیها المثقف المناضل هی تحقیقه لفرح الاندهاش وشعوره بالسعاده النابع من قدرته على الطمأنینه مع عالم مضطرب..
هذه السعاده هی فی جوهرها سعاده روحیه-أی أنها تنتمی لبعد آخر غیر البعد المادی- هذه الفرحه الروحیه تؤکد الإیمان بالله والیوم الآخر ولا تحل بدیلاً عنه لأنها البرهان على وجود عالم آخر یتجاوز عالمنا المادی المحدود..
إن وجود المفکر الحر حریهً حقیقیهً کاملهً خارج دائره الإیمان بالله والیوم الآخر هو ضرب من الوهم، فهو یخرج من قیود الدین، ولکنه یدخل فی أسر قیود أکثر إحکاماً وهی قیود نفسه بارتکاساتها وإشراطاتها، وهذه الارتکاسات النفسیه تشکل عائقاً خطیراً أمام أداء رسالته الأخلاقیه، فهو کثیراً ما یتعرض لجاذبیه هذه النفس وأهوائها وانفعالاتها وعقدها، بینما الإیمان هو الذی یطلق النفس من عقالها ویحررها من إصرها وأغلالها فیشعر صاحبها بخفه روحه وهی تحلق فی السماء فیمنحه ذلک قدرهً مضاعفهً على العطاء والبذل فی سبیل مبدئه الذی یؤمن به..
خلاصه القول أن الفکر الدینی الناصبى معطل للعقل ومدمر إذا تحول إلى إیدیولوجیا تضع أتباعها فی قوالب محکمه الإغلاق وتقدم لهم حلولاً جاهزهً لا تقبل المراجعه والنقد.
لکن حین یقوم الدین بدوره الصحیح فی منح صاحبه قوهً روحیهً واتصالاً بالمطلق ویشجعه على التفکر والتدبر فإن الإیمان یکون هنا ضروریاً ولا غنى عنه لتحمل القدر الهائل من الابتلاءات والمحن التی تعترض طریق المفکر فی أداء رسالته..