التوبه
حقیقه التوبه : لا تتحقق التوبه الصادقه النصوح إلا بعد تبلورها ، واجتیازها أطواراً ثلاثه : فالطور الأول ، هو : طور یقظه الضمیر ، وشعور المذنب بالأسى والندم على معصیه الله تعالى ، وتعرضه لسخطه وعقابه ، فإذا امتلأت نفس المذنب بهذا الشعور الواعی انتقل إلى : الطور الثانی ، وهو : طور الإنابه إلى الله عزوجل ، والعزم الصادق على طاعته ، ونبذ عصیانه ، فإذا ما أنس بذلک تحول إلى : الطور الثالث ، وهو : طور تصفیه النفس من رواسب الذنوب ، وتلافی سیئاتها بالأعمال الصالحه الباعثه على توفیر رصید الحسنات ، وتلاشی السیئات ، وبذلک تتحقق التوبه الصادقه النصوح . ولیست التوبه هزل عابث ، ولقلقه یتشدق بها اللسان ، وإنما هی : الإنابه الصادقه إلى الله تعالى ، ومجافاه عصیانه بعزم وتصمیم قویین ، والمستغفر بلسانه وهو سادر فی المعاصی مستهتر کذاب ، کما قال الإمام الرضا (ع) : «المستغفر من ذنب ویفعله کالمستهزئ بربه» .
فضائل التوبه
للتوبه فضائل جمه ، ومآثر جلیله ، صورها القرآن الکریم ، وأعربت عنها آثار أهل البیت علیهم السلام . وناهیک فی فضلها أنها بلسم الذنوب ، وسفینه النجاه ، وصمام الأمن من سخط الله تعالى وعقابه . وقد أبت العنایه الإلهیه أن تهمل العصاه یتهبطون فی دیاجیر الذنوب ، ومجاهل العصیان ، دون أن یسعهم بعطفه السامی ، وعفوه الکریم ، فشوقهم إلى الأنابه ، ومهد لهم التوبه ، فقال سبحانه : «وإذا جاءک الذنی یؤمنون بآیاتنا فقل سلام علیکم ، کتب ربکم على نفسه الرحمه ، أنه من عمل منکم سوءاً بجهاله ، ثم تاب من بعده وأصلح ، فإنه غفور رحیم» (الأنعام : ۵۴) . وقال تعالى : «قل یا عبادی الذین أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله ، إن الله یغفر الذنوب جمیعاً ، إنه هو الغفور الرحیم» (الزمر : ۵۳) . وقال تعالى حاکیاً : «فقلت : استغفروا ربکم إنه کان غفاراً ، یرسل السماء علیکم مدراراً ، ویمددکم بأموال وبنین ، ویجعل لکم جنات ، ویجعل لکم أنهاراً» (نوح : ۱۰ ـ ۱۲) . وقال تعالى : «إن الله یحب التوابین ویحب المتطهرین» (البقره : ۲۲۲) . وقال الصادق (ع) : «غذا تاب العبد توبه نصوحاً ، أحبه الله تعالى فستر علیه فی الدنیا والآخره . قال الراوی : وکیف یستر الله علیه ؟ قال : ینسی ملکیه ما کتبا علیه من الذنوب ، ثم یوحی الله إلى جوارحه اکتمی علیه ذنوبه ، ویوحی إلى بقاع الأرض اکتمی علیه ما کان علیک من الذنوب ، فیلقى الله تعالى حین یلقاه ، ولیس شیء یشهد علیه بشیء من الذنوب» (1) . وعن الرضا عن آبائه علیهم السلام قال : قال رسول الله (ص) : «التائب من الذنب کمن لا ذنب له» . وقال (ص) فی حدیث آخر : «لیس شیء أحب إلى الله من مؤمن تائب ، أو مؤمنه تائبه» (2) . وعن أبی عبد الله أو عن أبی جعفر علیهما السلام قال : «إن آدم قال : یا رب سلطت علی الشیطان وأجریته مجرى الدم منی فاجعل لی شیئاً . فقال : یا آدم جعلت لک أن من هم من ذریتک بسیئه لم یکتب علیه شیء ، فإن عملها کتبت علیه سیئه ، ومن هم منهم بحسنه فإن لم یعملها کتبت له حسنه ، فإن هو عملها کتبت له عشراً . قال : یا رب زدنی . قال : جعلت لک أن من عمل منهم سیئه ثم استغفرنی غفرت له . قال : یا رب زدنی . قال : جعلت لهم التوبه حتى یبلغ النفس هذه . قال : یا رب حسبی» (3) . وقال الصادق (ع) : «العبد المؤمن إذا أذنب ذنباً أجله الله سبع ساعات ، فإن استغفر الله لم یکتب علیه ، وإن مضت الساعات ولم یستغفر کتبت علیه سیئه ، وإن المؤمن لیذکر ذنبه بعد عشرین سنه حتى یستغفر ربه فیغفر له ، وإن الکافر لینساه من ساعته» (4) . ــــــــــــــــــــــــــ(۱) الوافی ج ۳ ص ۱۸۳ عن الکافی . (۲) البحار م ۳ ص ۹۸ عن عیون أخبار الرضا (ع) . (۳) الوافی ج ۳ ص ۱۸۴ عن الکافی . (۴) البحار م ۳ ص ۱۰۳ عن الکافی .
وقال (ع) : «ما من مؤمن یقارف فی یومه ولیلته أربعین کبیره فیقول وهو نادم : «أستغفر الله الذی لا إله إلا هو الحی القیوم بدیع السماوات والأرض ذو الجلال والإکرام وأسأله أن یصلی على محمد وآل محمد وأن یتوب علی» إلا غفرها الله له ، ولا خیر فیمن یقارف فی یومه أکثر من أربعین کبیره» (1) .
وجوب التوبه وفوریتها
لا ریب فی وجوب التوبه ، لدلاله العقل والنقل على وجوبها : أما العقل : فمن بدیهیاته ضروره التوقی والتحرز عن موجبات الأضرار والأخطار الموجبه لشقاء الإنسان وهلاکه . لذلک وجب التحصن بالتوبه ، والتحرز بها من غوائل الذنوب وآثارها السیئه ، فی عاجل الحیاه وآجلها . وأما النقل : فقد فرضتها أوامر القرآن والسنه فرضاً محتماً ، وشوقت إلیها بألوان التشویق والتیسیر . فعن أبی عبد الله (ع) قال : «قال رسول الله (ص) : من تاب قبل موته بسنه قبل الله توبته ، ثم قال : إن السنه لکثیر ، من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته . ثم قال : إن الشهر لکثیر ، من تاب قبل موته بجمعه قبل الله توبته . ثم قال : إن الجمعه لکثیر ، من تاب قبل موته بیوم قبل الله توبته . ثم قال : إن یوماً لکثیر ، من تاب قبل أن یعاین قبل الله توبته» (2) . وعن الصادق عن آبائه علیهم السلام قال : قال رسول الله (ص) : «إن لله عزوجل فضولاً من رزقه ینحله من یشاء من خلقه ، والله باسط یدیه عند کل فجر لمذنب اللیل هل یتوب فیغفر له ، ویبسط یدیه عند مغیب الشمس لمذنب النهار هل یتوب فیغفر له» (3) . ــــــــــــــــــــــــــــــــ (۱) الوافی ج ۳ ص ۱۸۲ عن الکافی . (۲) الوافی ج ۳ ص ۱۸۴ عن الکافی . (۳) البحار م ۳ ص ۱۰۰ عن ثواب الأعمال للصدوق (ره) .
تجدید التوبه
من الناس من یهتدی بعد ضلال ، ویستقیم بعد انحراف ، فیتدارک آثامه بالتوبه والإنابه ، ملبیاً داعی الإیمان ، ونداء الضمیر الحر . بید أن الإنسان کثیراً ما تخدعه مباهج الحیاه ، وتسرقه بأهوائها ومغریاتها ، فیقارف المعاصی من جدید ، منجرفاً بتیارها العرم ، وهکذا یعیش صراعاً عنیفاً بین العقل والشهوات ، ینتصر علیها تاره ، وتنتصر علیه أخرى ، وهکذا دوالیک . وهذا ما یعیق الکثیرین عن تجدید التوبه ، ومواصله الإنابه خشیه النکول عنها ، فیظلون سادرین فی المعاصی والآثام . فعلى هؤلاء أن یعلموا أن الإنسان عرضه لأغواء الشیطان ، وتسویلاته الآثمه ، ولا ینجو منها إلا المعصومون من الأنبیاء والأوصیاء علیهم السلام ، وإن الأجدر بهم إذا ما استزلهم بخدعه ومغریاته ، أن یجددوا عهد التوبه والإنابه بنیه صادقه ، وتصمیم جازم ، فإن زاغوا وانحرفوا فلا یقنطهم ذلک عن تجدیدها کذلک ، مستشعرین قول الله عز وجل : « قل یا عبادی الذین اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمه الله ، ان الله یغفر الذنوب جمیعاً ، إنه هو الغفور الرحیم» (الزمر : ۵۳) . وهکذا شجعت أحادیث أهل البیت علیهم السلام على تجدید التوبه ، ومواصله الإنابه ، إنقاذاً لصرعی الآثام من الانغماس فیها ، والانجراف بها . وتشویقاً لهم على استئناف حیاه نزیهه مستقیمه . فعن محمد بن مسلم قال : قال الباقر (ع) : «یا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب عنها مغفوره له ، فلیعمل المؤمن لما یستأنف بعد التوبه والمغفره ، أما والله إنها لیست إلا لأهل الإیمان . قلت : فإن عاد بعد التوبه والاستغفار فی الذنوب ، وعاد فی التوبه . فقال : یا محمد بن مسلم أترى العبد المؤمن یندم على ذنبه ویستغفر الله تعالى منه ویتوب ثم لا یقبل الله توبته !! قلت : فإنه فعل ذلک مراراً ، یذنب ثم یتوب ویستغفر . فقال : کلما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبه ، عاد الله علیه بالمغفره وإن الله غفور رحیم ، یقبل التوبه ، ویعفو عن السیئات ، فإیاک أن تقنط المؤمنین من رحمه الله تعالى» (1) . ـــــــــــــــــــــــــــــ(۱) الوافی ج ۳ ص ۱۸۳ عن الکافی .
وعن أبی بصیر قال : «قلت لأبی عبد الله (ع) : «یا أیها الذین آمنوا توبوا إلى الله توبه نصوحاً» (التحریم : ۸) ؟ قال : هو الذنب الذی لا یعود إلیه أبداً . قلت : وأینا لم یعد . فقال : یا أبا محمد ، إن الله یحب من عباده المفتن التواب» (1) . ــــــــــــــــــــــــــ (۱) الوافی ج ۳ ص ۱۸۳ عن الکافی .
المراد بالمفتن التواب : هو من کان کثیر الذنب کثیر التوبه . ولا بدع أن یحب الله تعالى المفتن التواب ، فإن الإصرار على مقارفه الذنوب ، وعدم ملافاتها بالتوبه ، دلیل صارخ على موت الضمیر وتلاشی الإیمان ، والاستهتار بطاعه الله عزوجل ، وذلک من دواعی سخطه وعقابه .
منهاج التوبه
ولا بد للتائب أن یعرف أسالیب التوبه ، وکیفیه التخلص من تبعات الذنوب ، ومسؤولیاتها الخطیره ، لیکفر عن کل جریره بما یلائمها من الطاعه والإنابه . فللذنوب صور وجوانب مختلفه : منها ما یکون بین العبد وخالقه العظیم ، وهی قسمان : ترک الواجبات ، وفعل المحرمات . فترک الواجبات : کترک الصلاه والصیام والحج والزکاه ونحوها من الواجبات . وطریق التوبه منها بالاجتهاد فی قضائها وتلافیها جهد المستطاع . وأما فعل المحرمات : کالزنا وشرب الخمر والقمار وأمثالها من المحرمات ، وسبیل التوبه منها بالندم على اقترافها ، والعزم الصادق على ترکها . ومن الذنوب : ما تکون جرائرها بین المرء والناس ، وهی أشدها تبعه ومسؤولیه ، وأعسرها تلافیاً ، کغصب الأموال ، وقتل النفوس البریئه المحرمه ، وهتک المؤمنین بالسب والضرب والنم والاغتیاب . والتوبه منها بإرضاء الخصوم ، وأداء الظلامات إلى أهلها ، ما استطاع إلى ذلک سبیلا ، فإن عجز عن ذلک فعلیه بالاستغفار ، وتوفیر رصید حسناته ، والتضرع إلى الله عزوجل أن یرضیهم عنه یوم الحساب .
قبول التوبه
لا ریب أن التوبه الصادقه الجامعه الشرائط مقبوله بالإجماع ، لدلاله القرآن والسنه علیها : قال تعالى : «وهو الذی یقبل التوبه عن عباده» (الشورى : ۲۵) . وقال تعالى : «غافر الذنب ، وقابل التوب» (غافر : ۳) . وقد عرضنا فی فضائل التوبه طرفاً من الآیات والأخبار الناطقه بقبول التوبه ، وفوز التائبین بشرف رضوان الله تعالى ، وکریم عفوه ، وجزیل آلائه . وأصدق شاهد على ذلک ما جاء فی معرض حدیث للنبی (ص) حیث قال : «لو لا أنکم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقاً حتى یذنبوا ثم یستغفروا الله فیغفر لهم ، إن المؤمن مفتن تواب ، أما سمعت قول الله «إن الله یحب التوابین ویحب المتطهرین» » (البقره : ۲۲۲) (۱) . ـــــــــــــــــــــــ (۱) البحار م ۳ ص ۱۰۳ عن الکافی .
أشواق التوبه
تتخلص النصائح الباعثه على التوبه والمشوقه إلیها فیما یلی : 1 ـ أن یتذکر المذنب ما صورته الآیات الکریمه ، والأحادیث الشریفه ، من غوائل الذنوب ، ومآسیها المادیه والروحیه ، فی عاجل الحیاه وآجلها ، وما توعد الله علیها من صنوف التأدیب وألوان العقاب . 2 ـ أن یستعرض فضائل التوبه ومآثر التائبین ، وما حباهم الله به من کریم العفو ، وجزیل الأجر ، وسمو العنایه واللطف ، وقد مر ذلک فی بدایه هذا البحث . وکفى بهاتین النصیحتین تشویقاً إلى التوبه ، وتحریضاً علیها ، ولا یرغب عنها إلا أحمق بلید ، أو ضعیف الإیمان والبصیره .