أدب الدعاء فی شهر‎ ‎رمضان

0

 
ولکل لیله ابتهال ‏مخصوص یختلف عن ابتهال أختها مثلما ‏تختلف اللیالی‎.‎ هذه الأدعیه المتوحّده رمضانیاً، متنوعه مضموناً وثواباً‎ ‎طولاً وقصراً، یدخل الإنسان إلى ‏أجوائها فیجد نفسه فی ‏روضهٍ غنّاء أزهارها ألف لون.بل یجد نفسه فی بستان أشجاره ‏مثمره، کلّما جنى ثمره شاقته أختها‎.‎لقد توزّع الدعاء الرمضانی على الحقول المؤلفه لقضایا‎ الحیاه السیاسیّه والاجتماعیه ‏والتعبدیّه‎.‎*******‎الإصلاح السیاسی أو ثوره اللاعنف‎ ‎السیاسیه‎:‎بدأها الإمام زین العابدین (علیه السلام) عندما اتخذ‎ ‎الدعاء منهجاً یُحارب سیاسه الأمویین ‏الجائره، تلک السیاسه التی ‏اضطهدت الإسلام‎ ‎والمسلمین بدیکتاتوریّه مستورده من الیهودیه‏،للحفاظ على ملک غیر شرعی‎.‎‎لم یتمکن الإمام زینُ العابدین (علیه السلام) من‎ ‎المواجهه بثوره السیف، والدعوه إلى ‏مجاهده المنافقین، ومُنعَ أیضاً ‏من الوعظ‎ ‎والإرشاد بطریقه مباشره‎.‎‎لأن الأمویین کانوا یرصدون حرکاته، ویحصون أقواله،‎ ‎وأفعاله‎.‎ولما کان الإمامُ المعصوم (علیه السلام) مُلزماً بمناصره‎ ‎الحق، ومقاومه الباطل، سلک ‏طریق الدعاء وسیلهً لمحاربه ‏الانحراف فی الحکم وکشف‎ ‎مفاسدِه وردعِهِ، مذکِّراً بقدره ‏الخالق على الاقتصاص من الظالمین، منبّهاً‎ ‎المؤمنین إلى ‏الخلل السیاسی، محرّکاً القوى ‏الفاعله على التصدّی‎.‎لقد اتخذ الإمامُ (علیه السلام) الدعاء غایهً لنشر آرائه‎، وإتمام مسیره الرساله السماویه‎.‎وهو أسلوب ذکیٌّ یعرِّض بالظالمین ومفاسدهم، دون أن‎ ‎ینالوا منه؛ إذ لا یقدر الجلاّدون ‏على إخفات صوت التعبد ‏بالدعاء‎.‎*******المسالمه والمعاداه فی الدعاء‎ ‎الرمضانی‎:‎حدّد الدعاء مفهوم السلام والمسالمه، والأعداء والمعاداه:‏‎ ‎وردَ فی دعاء الإمام زین ‏العابدین (علیه السلام)، فی ‏استقبال شهر رمضان‎:”‎وأنْ نسالم مَن عادانا حاشا‎ ‎من عودی فیکَ ولک، فإنّه العدو الذی لا نُوالیه، والحزبُ ‏الذی لا نصافیه(۱)” ‏‎میّز ‏نوعین من التعادی:‏‎ ‎موقف التخاصم الشخصی؛ والتخاصم العقیدی‎.‎علَّمنا الإمام أن نستقبل شهر رمضان المبارک بقلبٍ سلیم‎ ‎محضر للتوبه، وقبولٍ الغفران ‏بالمحافظه علیه.‏‎ ‎فالمسلم یُبادر إلى الإکثار من الحسنات، مقابل وأد‎ ‎السیئات، بالتّواصل والتراحم، والعفو ‏عن المسیء ما دامت ‏الإساءه ترتبط بالذات‎ ‎الإنسانیه، والأمور المادیّه‎.‎علمنا أن نبادرَ: – رحماً وجیراناً ومواطنین – إلى‎ ‎التّصافی والمسالمه نزولاً عند رغبه الله ‏ورسوله والأئمه، وتبرُّکاً ‏بکرامات هذا‎ ‎الشهر الشریف‎.‎أما التَّخاصم العقیدی فلا یتحوَّل إلى مسالمه ما دام‎ ‎الأعداء یریدون تشویه عقیدتنا، أو ‏إزالتها من الوجود‎.‎‎فالإنسان الذی یبادرُنا العداوه لأننا نحب الله، ونتطهر‎ ‎من الارجاس، لا نرکن إلیه، ولا ‏نوالیه، والأحزاب التی ‏تواجهنا بالحرب مستهدفهً‎ ‎إسلامنا لا نصافیها ولا نُهادنها‎.‎رسم الإمام زین العابدین (علیه السلام) علاقاته مع‎ ‎الأفراد والأحزاب من خلال الدعاء ‏جاعلاً محورها الأساسی ‏العلاقه الإلهیه‎.‎‎وربطها بالعفو والتسامح إلا عندما یصرُّ العدوّ على‎ ‎محاربه عقیدتنا، ویسعى للقضاء علیها‎.‎*******‎التندید بالظلم‎:‎حذَّر الإمام المهدی (عجّل الله فَرَجه) فی دعاء ‎الافتتاح الظالمین وکشف ضعفهم أمام قوّه ‏الخالق، وقوه الحق، ورسم ‏بوضوح تتابع دول‎ الملوک، وتهاویها سریعاً‎ ‎”الحمد لله الذی ‏یؤمن الخائفین،‏‎ ‎وینجِّی الصالحین ویرفع المستضعفین، ‏ویضَع المستکبرین، ویهلک ‏ملوکاً ویستخلف‎ ‎آخرین، والّحمد لله قاصم الجبَّارین، مبیر الظالمین، مدرک الهاربین، ‏‏نکال‎ ‎الظالمین(۲)”.‏عرض الإمام المهدی (عجّل الله فَرَجه) فی هذه العبارات،‎ ‎لوحات تحکی تاریخ الأمم ‏والشعوب:‏‎ ‎فریقٌ مستضعفٌ خائفٌ، مؤمن یقابله فریقُ الحکّام‎ ‎والجبابره‎.‎وقف الإمام (عجّل الله فَرَجه) منذ غیبته الأولى یتأمل‎ ‎الظلم، ویراقبُ الملوک، تتعالى ‏أصواتهم فی عنفوان سلطانهم، ‏ویظنون أن لن یقدر ‎علیهم أحد، وفجأه یأتیهم أمرُ الله، ‏فیدمرهم، ویتلاشى حکمهم، وتقوم دوله عتاه جدد‎.‎هکذا تتوالى الحقب والدهور والإمام یراقبُ منتظراً، لقد‎ ‎علّمنا بدعائه أمرین‎: إن الله ینصر المؤمنین ویرفع المستضعفین ویهلک‎ ‎المستکبرین راسماً نهایتهم السیئه‎.‎‎وهل نجد ألفاظاً أقوى من الألفاظ التی استخدمها الإمام: “‎قاصم، مبیر، نکال، مدرک‎”‎، لتهدید‎ ‎الظالمین وإنکار ‏الظلم، والبراءه منه، ومحاربته، وکشف نهایاته، حین لا یجدُ‎ ‎المستضعفُ معیناً‎.‎‎وکلٌ من هذه المفردات اسم فاعل یدلُّ على الفعل بصفهٍ‏‎ ‎استمراریَّه غیر مقترن بزمن ‏محدود‎.‎*******‎الاستنصار والتوجیه فی الدعاء‎:‎الدعاء فی مضمونه اللغوی طلب المؤازره فی أمرٍ یصعب‎ ‎تحقیقه، لذلک عالج الدعاء طلب ‏الانتصار على الحاکم ‏الجائر‎.‎لنقرأ هذه العبارات: وردت فی دعاء الافتتاح: “‏‎وانصرنا على عدوّک وعدوّنا إله الحق ‏آمین‎”.‎الطلبُّ هو للاستعانه والتوجیه، یستعین بالخالق على‎ ‎الأعداء، ویوجّه المؤمن إلى تحقیق ‏النصر بالسعی والإعداد‎.‎‎وجاء فی الدعاء نفسه: ‎”اللهم‎ ‎إنّا نرغب إلیک فی دولهٍ کریمه تعزُّ بها الإسلام وأهله، ‏وتذلُّ بها النفاق وأهله‎، وتجعلنا ‏فیها من الدعاه إلى طاعتک والقاده إلى سبیلک‎”.إن الدوله المطلوبه فی الدعاء هی دوله الإسلام التی تعزُّ‎ ‎المسلمین، وتذلُّ المنافقین، إنها ‏ثمره العمل، ولیس المقصودُ ‏التقیَد بلفظ‎ ‎العباده، بل التأمل فی معانیها، والسعی لتحقیق ‏مضمونها. وإلاَّ کیف تتشکل دولهُ‏‎ ‎الإسلام فی مجتمع منافق ‏یتآمر أفراده، ملوکاً وأتباعاً ‏ضد الدین؟ یحتاجُ بناؤها‎ ‎إلى تخطیط وتنظیم وتضحیات‏‎.‎هذا مفهوم الدعاء: “‎اللهم إنّا‎ ‎نرغبُ إلیک فی دولهٍ کریمه…”.‏‎وإلاَّ ما معنى أن نردد العباره کلَّ لیله من شهر رمضان‎، والنعاسُ یغلب علینا، نرددها ‏کالببغاء دون أن نستلهم ‏معطیاتها العملیّه‎.‎أمَّا عباره‎: “القادهِ إلى‎ ‎سبیلک‎” مقرونه إلى طاعهٍ الله، فدعوه للإسهام فی قیاده الأمَّه،‎ ‎بنیَّه تطویرها، وترقیتها على ‏الصُّعد السیاسیه والاقتصادیَّه والاجتماعیه‎ ‎والثقافیّه‎.‎هذه الأعمال قرنها الدعاء بطاعه الله، لیُخرج منها‎ ‎القیاده التسلطیه حُبّا بالزعامه، وطمعاً ‏فی المنصب، وإن تردَّت ثوباً ‏دینیاً‎.‎إن أدعیه شهر رمضان المبارک غنیَّهٌ بالمضامین السیاسیّه،‎ ‎والمقاصد التوجیهیَّه، والمناحی ‏السلوکیّه، یبقى على ‏المؤمن أن یقرأ الدعاء بوعی‎ ‎لاستخلاص أحکامه‎.‎ ـــــــــــــــــــــــــ(۱) ‎مفتاح الجنات: ج۳‏‎/ ‎ص۱۴۹‏‎.‎(2) ‎مفتاح الجنات: ج۳/ ص۲۰۲٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.