تجریم الإساءه
لم یتجرأ أحد على رسولنا الکریم (ص)، وعلى مقدساتنا إلا حین أغرته جرأتنا على بعضنا، لحظه موّلنا الفضائیات التی تنال بعضها من بعض، فلا تحترم عقیدهً ولا تقدّر مذهباً، ولا تراعی خصوصیه أحد. فقد شرَّعنا لأنفسنا ولأبنائنا وأجیالنا مبدأ التمادی ضد مقدسات الغیر، وأی غیر هذا؟ إنه واحدٌ من دائرتنا الدینیه الکبرى.
منابرنا ومساجدنا وخطب صلواتنا التی یفترض أن تعلّمنا الطهر والکرامه والمحبه للغیر، جعلناها حلبهً للسباب والتراشق بأقبح الألفاظ، وصنعنا حولنا هیاجاً جماهیریاً یعتبر ما نقوله نصراً على الآخر منا.
خطباؤنا ووعاظنا الذین أفسدونا، وأفسدوا قیمنا بما ینفثونه من سموم الجهل والحماقه والتحامل على الآخرین، تخصّصوا فی الشتم والسب والتجریح فی الآخرین، وهم غیر مدرکین لعواقب الأمور، أو مدرکین لها لکنهم وجدوا فی استثاره العواطف، وتحریک العصبیات طریقاً مختصراً للمکانه الاجتماعیه، والتربّع على قلوب الناس.
نبشنا نحن المسلمون تراث بعضنا فقسونا فی تحمیله ما لا یحتمل، وتکلفنا فی استنتاجاتنا منه، وجعلنا البحث عن الحقیقه، ومعرفه الحق والهدایه عناوین ولافتات فقط، لنوجه أغلب بحوثنا التراثیه فی مثالب هذا وسقطات ذاک، إلا ما رحم ربک.
مناهجنا الدینیه فی العالم العربی والإسلامی تحتاج إلى تحدیث وصیاغه تمکّن دارسیها من معرفه الأدیان والمذاهب بصوره حضاریه، فلا یتخرج الطالب إلا والخلاف عنده مؤطر فی إطاره العلمی والمعرفی السلیم، خلافٌ یُمکّنه من الاقتراب من الآخر بمحبه وأخوه وإعذار.
إن مطالبه العالم بسن قوانین تجرِّم الإساءه للأدیان هی خطوهٌ مهمه، لکنها هروبٌ للأمام، فقبل کل العالم بأدیانه، هناک المسلمون باختلافهم وتعدد مشاربهم.
لعل الأولى فیما أظن، هو أن نتحرّک نحن فی سن قوانین تجرّم الإساءه لبعضنا، وتوقف النیل من مقدسات بعضنا بألسن وأقلام بعضنا الآخر، کی لا نشاهد علماءنا على الفضائیات یتصارعون تصارع الدیکه، وبکلمات سوقیه یترفع عنها أبناء الشوارع، وهم یسوّقونها علینا باعتبارها نقاشاً وحواراً.
إن سنه الحیاه تعلمنا، أن الأدیان والمذاهب أعقد من أن تخضع لفکره ناقده من هنا، أو سهم یوجه لها من هناک. وکل الحدیث الذی یردّده هذا الطرف أو ذاک، عن آلاف البشر الذین تغیّروا وتبدّلوا وتحوّلوا على یدیه، هو حدیثٌ للتسلیه والضحک على الذات. إنها انتصاراتٌ موهومه، لا تساوی شیئاً مقابل التمزق الذی تحدثه فی الأمه.
وإذا عجزنا عن قانونٍ یجرّم الإساءه بیننا، فنحن عن غیره من القوانین أعجز.