الصهاینه وأمریکا : جدیٌ یلعب بعقل تیس
وقد یحدث أن تنشأ بین الطرفین هُوّهٌ – ولو ضیّقه – حول مسأله ما یکون فیها الخضوع الأمریکی للأهواء الصهیونیه صعباً لأسباب موضوعیه خارجه عن إراده المسؤولین الأمریکیین . وهنا یبدأ الیهود الصهاینه فی افتعال المشکلات التی تهدف إلى إحراج الساسه الأمریکیین . وإذا کان التذمّر یبدأ بـ " النق " , فإنه قد لا ینتهی إلا بافتعال فضیحه مدوّیه کما حدث مع العدید من الرؤساء , بل وقد یصل الأمر إلى الاغتیال . وإدراک هذه المسأله من قبل القاده الأمریکیین – وخاصه الرؤساء – تجعلهم میّالین باستمرار إلى إرضاء الصهاینه بأیّ شکل من الأشکال , وتطویع عقولهم لما یریده الصهاینه ولیس لما یفترضه المنطق .
یمکن القول بأنّ العلاقه بین القاده الصهاینه الیوم وبین الإداره الأمریکیه , رغم کل تأکیدات أوباما لمتانه هذه العلاقه , والثبوتیات التی یقدّمها فی هذا الاتجاه , تنطوی على شیء من التباین الذی یراه الصهاینه تبایناً فی غایه الخطوره . وهذا التباین یتمحور الآن حول مسألتین مطروحتین بقوه , ویشکلان الشغل الشاغل للصهاینه .
وهاتان المسألتان هما :
أولاً – الرغبه الصهیونیه فی أن تتدخل الولایات المتحده ومعها الناتو عسکریاً لحسم الوضع فی سوریا على نمط التدخل الذی حدث فی لیبیا . فالصهاینه یرون مثل هذا التدخل , وعلى خلفیه الأزمه التی نجحوا فی افتعالها , فرصهً یجب ألا تضیع . وقد رأیناهم خلال الفتره الأخیره یتحدثون عن احتمالات تدخلهم هم إذا لم یتدخل الناتو .
ثانیاً – الرغبه الصهیونیه فی إیجاد حل حاسم لمشکله ملف إیران النووی حتى ولو بقیام الولایات المتحده بقیاده حرب ضدّ إیران . وهنا أیضاً نجدهم یتهددون بالذهاب إلى الحرب ضدّ إیران ولو بمفردهم , متیقنین من أن فعلتهم ستجرّ أمریکا إلى الحرب جرّاً , ما لم تقم أمیرکا بتلبیه رغبتهم فی هذا الاتجاه .
ولأن القاده الأمریکیین , السیاسیین والعسکریین , یدرکون بأن رغبتی الصهاینه هاتین هما – فی الظروف الراهنه – وصفتان لحرب عالمیه مدمّره , فإنهم یقفون متردّدین . وبین الصهاینه أنفسهم من تسیطر علیهم أیضاً حاله التردّد . فمن بین الاحتمالات التی تنطوی علیها حربٌ واسعهٌ من هذا النوع زوال الکیان الصهیونی نفسه کإحدى نتائجها المؤکده . غیر أن هذا التحسّب , وما یترتب علیه من تردّد , لا یحول دون استخدام کل وسائل الضغط , أو بالأحرى الحرب , الأخرى .
ومن هنا یأتی تکثیف الإرهاب ضدّ سوریا باعتباره النموذج المتاح لحرب واسعه تخاضُ بأدوات جدیده . وأما فی الخلیج , وبجوار الأراضی والمیاه الإقلیمیه الإیرانیه فقد ذهبت واشنطن إلى تنظیم مناورات عسکریه بمشارکه ۳۰ دوله {!!} فی محاوله لإعطاء انطباع بإمکانیه تشکیل تحالف دولی واسع ضدّ إیران فی منطقه الخلیج . إن هذه المناورات فی حد ذاتها , واشتراک مثل هذا العدد من الدول أو ما تسمّى بعضها مجازاً دولاً فیها , تعنی أن واشنطن تدرک مسبقاً أن حرباً ضدّ إیران ستکون حرباً عالمیه بالضروره , وإن کان النمط الذی اعتمدته الإداره الأمریکیه , ومنذ حرب عاصفه الخلیج , تمثل فی تشکیل تحالف دولی حتى لا تذهب إلى الحرب منفرده , وإذا لم یتشکل هذا التحالف بتغطیه قرار دولی یصدر عن مجلس الأمن , فإنها تسعى إلى قرار تتخذه مجموعه من الدول على خلفیه حلف الناتو مدّعیه بأن هذه الدول تمثل المجتمع الدولی . وهذا هو الأسلوب الذی اعتمد أیضاً فی الحربین على أفغانستان والعراق , وقبل ذلک على صربیا . وحتى فی الحرب على لیبیا , کما فی الحرب الإرهابیه على سوریه , فقد جرى تحشید أکبر عدد ممکن من الدول المتحالفه للانخراط فی الحرب بقیاده أمریکا .
وبوسعنا أن نلاحظ أنه فی کل هذه الحروب الأمریکیه تبدو إسرائیل وکأنها تقف جانباً , ولا تقتحم المشهد کشریک مباشر فی الحرب بشکل معلن . ولکن , هل هذا هو واقع الحال فعلاً ؟ .
یمکن القول إنه ما من مکان فی العالم إلا وتعمل إسرائیل على أن تدسّ أنفها فیه بشکل أو بآخر . والأمر لا یرتبط فقط بالعلاقه مع الجالیات الیهودیه , وإنما یرتبط بنشاطات أخرى من بینها نشاطات الموساد الصهیونی , وقد تتقاطع هذه النشاطات مع المافیات المتنوعه , ومنها مافیات تجاره الماس والمخدرات . وثمه بین الباحثین من یعتقد أن الصهاینه یلعبون أدوارهم الخاصه فی کل الحروب ولکن على طریقتهم .
وهذا أکید . وهناک العدید من الباحثین ممّن یعتقدون بأنّ السلوک الیهودی الصهیونی المنفلش والمتسبّب فی إثاره الفتن یتمُّ جزءٌ منه على الأقل بمعزلٍ عن الارتباط المباشر مع الأوساط الامبریالیه الحلیفه للصهیونیه , بمعنى أن الصهاینه یفضلون فی بعض الحالات أن یلعبوا لعبتهم – مهما کانت خطیره – بمنأى عن إبلاغ الآخرین وفی مقدمتهم الولایات المتحده بما تفعل . وهذا الاعتقاد له فی الواقع ما یبرّره من خلال استعراض الوقائع التاریخیه , کما أن له ما یفسّره من الناحیه المنطقیه .
من المعروف مثلاً أن العصابات الإرهابیه الصهیونیه نفذت عملیات إرهابیه ضدّ سلطات الانتداب البریطانی فی فلسطین رغم تحالف هذه السلطات مع الصهاینه . کما أن الموساد فیما تعرف بفضیحه لافون دبّر عملیات إرهابیه یهودیه ضدّ مؤسسات أمریکیه فی مصر لاتهام المصریین باستهداف الأمریکیین . وکان الصهاینه قد ذهبوا فی سلوکهم الشاذ أبعد من ذلک حین أغرقوا سفینه تقل مهاجرین یهوداً أمام شاطئ حیفا لإجبار البریطانیین على السماح لمن ینجو منهم بالنزول . وفی العراق قام الموساد بعملیات عنف إرهابیه ضدّ یهود العراق لحملهم على الهجره إلى فلسطین .
والأغرب من هذا کله أن الیهود الصهاینه بعد أن ساعدتهم سفینه التجسس الأمریکیه لیبرتی فی التشویش على اتصالات الجیش المصری فی سیناء خلال حرب حزیران عام ۱۹۶۷ , عمدوا بدلاً من إزجاء الشکر لها , إلى مهاجمتها وقصفها وقتل وجرح العشرات من الضباط والجنود الأمریکیین . وکل هذه الوقائع تعنی أنه بالنسبه للصهاینه ومصالحهم الخاصه " لا توجد ذقنٌ ممشطه " حتى ولو کانت ذقن العم سام الممثل لأمیرکا . فحتى أرواح الیهود أنفسهم یمکن أن تحصد إذا استلزم تنفیذ المخططات الصهیونیه ذلک , فکیف إذا تعلق الأمر بالأغیار , مهما کان وأیاً کان هؤلاء الأغیار ؟ .
وهذه العقلیه تعنی أن الصهاینه إذا وجدوا فی ظرف ما أن من مصلحتهم توریط أمریکا فإنهم لن یترددوا فی الإقدام على فعل یورّطها مهما کانت خطورته . والمشکله أنه باستثناء السابقه التی سجلها الرئیس الأمیرکی دوایت آیزنهاور عام ۱۹۵۶ بمواجهه العدوان الثلاثی البریطانی – الفرنسی – الإسرائیلی على مصر , والذی حدث دون علم أمیرکا أو استئذانها مما جعله یعترض , فإن الرؤساء الأمریکیین لا یجرؤون على الوقوف ضد السلوک الصهیونی , بل یحاولون التوافق معه , والانحناء أمام الصهاینه .
حین ننظر إلى واقعه إنتاج الیهود الصهاینه للفیلم المسیء للمسلمین کحادثه وقعت فی سیاق سلسله من الأحداث , نتساءل بدایهً : أما کان بوسع منتجیه الصهاینه أن ینجزوا هذا العمل فی تل أبیب مثلاً بدلاً من إنجازه فی أمریکا ؟ . ونحن نعرف کم من " التخبیص " العنصری الذی یحدث فی الکیان الصهیونی مما لا یلتفت إلیه أحد مهما کان مضمونه باعتبار أنه لیس متوقعاً من الکیان الصهیونی غیر أنماط السلوک العنصریه التی یمارسها .
من المؤکد أنه کان بوسعهم ذلک , لکن مصلحتهم تتطلب غیر ذلک . فأمریکا هی " ممسحه الزفر " التی یمسح بها الیهود الصهاینه ذقونهم دون أن یرفّ لهم جفن , وهی أیضاً المنصه التی یستطیعون اعتلاءها وممارسه العبث الذی یشاءون علیها , وعلى أمریکا أن تتحمّل نتائج أفعالهم حتى وإن کان الکیان الصهیونی نفسه غیر مستعد لتحمل نتائج هذه الأفعال , بل إن على أمریکا أن تبرّر لهم أفعالهم ولو بالتنصل من المسؤولیه والادّعاء بأن ما یفعلون هو تعبیر عن الحریه الفردیه أو حریه التعبیر .
إن المشکله فی الواقع لیست متمثله فی أن الصهاینه یمارسون مجرّد لعبه صبیانیه یقوم فیها الصبی المدلل بممارسه الدلع وهو فی حضن أبیه کما قد یتصوّر البعض حین یرى مثل هذه الممارسات " اللامسؤوله " , وإنما هی بالضروره فعل له غایه أو غایات محدّده بکل تأکید , ولیست مجرّد عبث صبیانی " یلعبُ فیه الجدی بعقل التیس " . فما هی هذه الغایه أو الغایات ؟ .
– ربما کانت الغایه تتمثل فی اختبار الساسه الأمریکیین من خلال وضعهم فی مواقف حرجه علیهم من خلالها أن یحددوا انحیازهم المطلق للصهاینه أو أن یکشفوا عن وجود تردد ما فی هذا الانحیاز .
– وربما تواطأ الصهاینه مسبقاً مع الساسه الأمریکیین على إطلاق هذا الفعل لیکون بمثابه بالون اختبار للأوضاع القائمه فی العالم العربی والإسلامی فی أعقاب أحداث ما أسموه بالربیع العربی . فمن خلال الإساءه إلى الإسلام والمسلمین یختبرون سلوک الحکومات الجدیده التی یصفونها بأنها تمثل ما یسمّونه " الإسلام المعتدل " , ویرون کیف ستکون ردود فعل جماعه الإخوان المسلمین بشکل خاص , وکیف ستتعامل مع الإساءه . کما أن هذا الفعل سیسمح لهم بنوع من الاختبار المیدانی للجماعات السلفیه التکفیریه الأخرى ومعرفه حجمها المیدانی من خلال رصد سلوکها . ولعل الغایه کانت أوسع من ذلک , وتمثلت فی اختبار مواقف جمیع القوى السیاسیه المحلیه فی الأقطار العربیه والإسلامیه والأحجام التقریبیه لهذه القوى وخاصه فی تأثیرها على الشارع .
– وربما کانت الغایه أبعد من ذلک , وتتمثل فی إیجاد الظروف المناسبه لانفجار فتن محلیه فی البلدان العربیه والإسلامیه تشتجر هذه المرّه بین الأنظمه التی تدّعی أنها تمثل " الإسلام المعتدل " وبین الجماعات السلفیه التکفیریه المتطرفه والقوى الأخرى على أسس مذهبیه أو طائفیه أو إثنیه أو غیر ذلک .
– وأخیراً , فإنه من الواضح تماماً أن الولایات المتحده تواطأت مع الصهاینه لافتعال مشکله تحاول من خلالها خداع الرأی العام الأمیرکی والعالمی بعد أن وصل الحجر المتدحرج المتمثل بثبوت تبعیه القاعده لواشنطن إلى واشنطن بالفعل فی ضوء الدور الإجرامی الذی تؤدیه القاعده فی خدمه واشنطن فی سوریا , وذلک من خلال إظهار القاعده فی مظهر العدو الذی یستهدف أمیرکا والأنظمه التابعه لها ولا یستهدف سوریا وحدها أو الأنظمه المستهدفه من قبل أمیرکا فقط .
إن ما حدث فی أوساط التنظیمات الإسلامیه من " إحجام " و " إقدام " فی مواجهه الفیلم المسیء للإسلام هو فی الواقع أمرٌ له دلالته الهامه . فجماعه الإخوان المسلمین فی مصر مثلاً وبعد أن أعلنت عن نیتها فی التظاهر احتجاجاً , سرعان ما تراجعت , واکتفت بوقفات أمام المساجد عقب صلاه الجمعه , بینما توجهت حشود تواجد فی وسطها أفراد من أصحاب اللحى الطویله فوق المعتاد ویحملون أعلام القاعده السوداء , لمهاجمه السفاره الأمریکیه فی القاهره , وإحراق العلم الأمیرکی ورفع علم القاعده . وقد شهد الیوم التالی للحدث هجمات لجماعات مسلحه على القوات المصریه فی سیناء , مما أعاد أجواء الصدام المسلح بین القوات المصریه والجماعات السلفیه المتطرفه .
وما نفهمه من رفع علم القاعده على السفاره الأمریکیه أن هذه المنظمه التی تهاجم الجنود المصریین فی سیناء قادره على أن تمارس الإرهاب داخل القاهره . فهل کان إظهار القاعده على هذا النحو جزءاً من مخطط صهیونی یبرز تهدیداً جدیداً للسلطه الحاکمه فی مصر مفاده أن الإرهاب یمکن أن یضرب فی القاهره ؟ .
إن هذا السؤال یکتسب جدّیه إضافیه فی ضوء ما حدث فی لیبیا , وخاصه فی بنغازی حیث قتل السفیر الأمیرکی , وحیث قیل بأنه جرى تهریب البعض من أعضاء منظمه " أنصار الشریعه " لیتسللوا إلى سوریه , کما قیل بأنه جرى اعتقال أکثر من ۵۰ شخصاً من السلفیین بدعوى التحقیق فی واقعه الهجوم على السفاره الأمریکیه , وکذلک ما حدث فی تونس حیث وقعت صدامات بین سلطه حزب النهضه وبین الجماعات السلفیه التکفیریه , وما حدث فی الخرطوم حیث رفع بعض مهاجمی السفارات الأجنبیه أعلام القاعده , وکذلک فی الیمن .
ما بین " إحجام " أصحاب " الإسلام المعتدل " بالمفهوم الأمیرکی فی بعض الدول , وما بین " إقدام " القاعده والمنظمات الشبیهه بها , واستغلال واشنطن لما حدث فی إرسال قوات من المارینز وخاصه إلى السودان والیمن ولیبیا ومصر بدعوى حمایه السفارات , یمکن القول بأن " الشراره الأولى " لفتنه یرادُ إشعالها قد جرى إطلاقها بالفعل , وأن الهدف من إرسال المارینز یستهدف زیاده هذه الشراره اشتعالاً .
فبالإضافه إلى الاحتجاج على الإساءه للإسلام بات هناک الآن احتجاج على تواجد المارینز کقوات احتلال مهما کان حجم هذا التواجد . والواقع أن ما یهم الأمریکیین من هکذا اختبار هو تسجیل سابقه تقول بأن بوسع القوات الأمریکیه أن تتواجد ببساطه فی أیه لحظه تستوجب فیها الظروف ذلک " دون إذن أو حاظور " من حکومات الدول فی المنطقه العربیه . ومن یرید إشعال فتنه سیحاول بالتأکید أن یبعد عن نفسه شبهه ارتباط الطرفین المنخرطین فی الفتنه بالعماله له معاً فی وقت واحد , وإنما سیعمل على تعزیز هیمنته على الطرف الحاکم من خلال تشدید ضغوط التحدیات التی یمثلها الطرف المتمرّد الذی یلجأ لممارسه الإرهاب . فهو فی هذه الحاله مثل شخص یحرّض وحشاً على مهاجمه شخص ما من أجل جعل ذلک الشخص یلقی بنفسه بین أحضانه لعله یحمیه من الوحش . وبالطبع سیکون علیه أن ینهر الوحش بعد ذلک , أو حتى أن یتظاهر بمطاردته .
ومن المثیر للانتباه فی هذا السیاق ما ذهب إلیه بعض المحللین السیاسیین , ومنهم الفرنسی تیری میسان , من اتهام للموساد الصهیونی بأنه هو المدبّر الفعلی للهجمات التی تعرّضت لها السفارات الأمریکیه . وهی مسأله – إن تأکدت – تثبت مره أخرى أن العلاقه بین الصهاینه وبین واشنطن ینطبق علیها بالفعل المثل القائل " جدی یلعب بعقل تیس " !! .