فرنسا والحرّیّات الکاذبه
وأنّها الحقّ المقدّس الذی لا یجوز المساس به بأیّ شکلٍ من الأشکال، وهی حقّ لکلّ إنسانٍ على هذه البسیطه، مهما کان لونه، أو اسمه، أو شکله، أو عرقه، أو دینه، أو انتماؤه، أو فکره، أو سنّه، أو…
هکذا یزعمون، وهکذا یحاولون من خلال الدعایات المرکّزه، والإعلام الموجّه، أن یقنعوا العالم بذلک. وتروّج أمریکا للدیمقراطیّه الأمریکیّه، وفرنسا للحرّیّات الباریسیّه، ولندن للتعدّدیّه الانجلیزیّه، والدانمارک لحرّیّه الإعلام الدانمارکیّه، وألمانیا لحرّیّه التعبیر، وهکذا…
ولکنّ هذه الدول الیوم انکشف وجهها الحقیقیّ، وبان المبیّت من نوایاها السوداء، وافتُضح أمرها، وانکشف کلّ الزیف الذی سعت عبر سنین طویله متمادیه إلى أن تخدع وتضلّل به شعوب الأرض، واتّضح لکلّ ذی عینین أنّها دول أبعد ما تکون عن الدیمقراطیّه وصیانه الحرّیّات وحقوق الإنسان والسلام العالمیّ، بل ما هی فی الحقیقه إلّا أکثر الدول قمعاً للحرّیّات، وحدّاً وتقییداً وخنقاً وتزویراً وانتهاکاً لها، وتحجیراً وتضییقاً واعتداءاً علیها.
نتحدّث هنا عن الحرّیّات الشخصیّه، وهی ـ فی المفهوم العالمیّ المعاصر ـ عباره عن أن یفعل الإنسان ما بدا له، وما یشاء، بشرط أن لا یتعدّى على حرّیّه الغیر، وعلى حقوق الآخرین، أی: أنّ حرّیّه کلّ شخصٍ تتوقّف عند هذا الحدّ. هکذا أیضاً یزعمون على مستوى التنظیر والتعریف وبیان المفهوم.
ولکن على مستوى التطبیق، فهم أبعد ما یکونون عن هذا التحدید، وعن هذا المفهوم، بل هم یطبّقونها بشکلٍ عکسیّ ومقلوب.
ولنأخذ فرنسا على سبیل المثال، فالحرّیّه عندها أنّه یحقّ لک أن تفعل کلّ شیء، ولکن بشرط أن لا تکون مسلماً، وأمّا إن کنت مسلماً، فأنت إنسان مهان ومنبوذ عندها وممنوع من ممارسه حرّیّتک الشخصیّه. فهم یمنعون النسوه المسلمات من ارتداء الحجاب مثلاً، مع أنّ ارتداء الحجاب فعلاً یُعدّ من الحرّیّه الشخصیّه، ولیس فیه أیّ شکلٍ من أشکال التعدّی على حرّیّه الآخرین، کما أنّ الخلاعه ـ فی المقابل ـ حرّیّه لا تعدّی فیها على حرّیّه الآخرین بالنظر الأوّلیّ (بصرف النظر عن رأی الشرع فی ذلک)، فلماذا إذاً لا یمنعون الخلاعه والانحلال الخلقیّ ویمنعون الحجاب؟؟؟
وعندما تکون مسلماً فی فرنسا، فإنّک تسمع الإهانات الموجّهه إلیک، وتسمع التطاول على مقدّساتک، وتسمع الشتائم والإهانات تُوجّه إلى أقدس الکائنات، وهو النبیّ محمّد (ص)، ولا یسمح لک حتى برفع الصوت، فضلاً عن التظاهر والاحتجاج؛ ذلک تحت ذریعه أنّ الجهه التی أساءت إلى نبیّ الإسلام تمتلک حرّیّه التعبیر، وأنّه لا بدّ من الدفاع عن حرّیّه الصحافه والإعلام.
ولکنّ حرّیّه الإعلام هذه، وحرّیّه التعبیر، وحرّیّه الصحافه، وحرّیّه الرأی، و… کلّ هذا، لا وجود له تماماً عندما یتعلّق الأمر بالحدیث عن جرائم الصهاینه فی فلسطین، وفی غیر فلسطین، ولا عندما یتعلّق الأمر بالحدیث عن الابتزاز الصهیونیّ للعالم کلّه على خلفیّه المحرقه الأسطوره، أو عن جرائم الامبراطوریّه الفرنسیّه فی البلدان التی کانت واقعهً تحت استعمارها وسیطرتها واحتلالها… فهذا لا مجال فیه لحرّیّه الرأی، ولا لحرّیّه الصحافه والإعلام، ولا لحریّه التعبیر، ولا لأیّ حرّیّهٍ أُخرى!! هو ـ بکلّ بساطه ـ فوق کلّ الحرّیّات، وناسخ لکلّ الحقوق!!
وفیما یتعلّق بالفیلم المسیء لنبیّ الإسلام العظیم (ص)، وکذلک الرسوم المسیئه واللّاأخلاقیّه التی أرادوا من خلال انتهاک حرمه الرسول (ص)، نقول: إنّ هذه الانتهاکات لم تسئ إلى رسول الله (ص)، فالله تعالى یقول: (إنّا کفیناک المستهزئین)، وإنّما أساءت إلى أصحابها، حیث کشفت عن جنونهم، وعن هوسهم المختزن فی ذواتهم أمام ما شاهدوه من عظمه نبیّ الاسلام محمّد (ص).
ولکن ما هی وظیفتنا نحن المسلمین إزاء هذه الانتهاکات؟!
إنّ أُولى وظائفنا الیوم کأمّه إسلامیّه هی أن نتّحد فیما بیننا، ونخلّص أمّتنا من مرض الانقسام والتشرذم الذی تعانی منه منذ قرون من الزمن. ثمّ بعد ذلک علینا أن نتعامل مع تلک الدول المسیئه للإسلام، وعلى رأسها أمریکا و"إسرائیل" والدول الأُوروبّیّه الکبرى، على أساس أنّها دول محاربه للإسلام والمسلمین؛ لأنّ الحرب لا تقتصر على القتال والتحرّک العسکریّ فحسب، وإذا کانت دولاً عدوّهً ومحاربهً، فعلینا أن نتصدّى لمحاربتها بما یتناسب مع عدائها لنا، وبکلّ الوسائل المشروعه المتاحه والممکنه، بدءاً بطرد سفاراتها من بلاد المسلمین، والنیل من مصالحها أینما وُجدت، ومقاطعه کافّه منتجاتها (بعد العمل على توفیر البدائل)، إلى غیر ذلک.
قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِینَ یُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَیَسْعَوْنَ فِی الأَرْضِ فَسَادًا أَن یُقَتَّلُواْ أَوْ یُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَیْدِیهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ یُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِکَ لَهُمْ خِزْیٌ فِی الدُّنْیَا وَلَهُمْ فِی الآخِرَهِ عَذَابٌ عَظِیم).