القرآن ومعجزته المعرفیه

0

وإذ قد عرفت أن القرآن معجزه إلهیه، فی بلاغته وأسلوبه فاعلم أن اعجازه لا ینحصر فی ذلک، بل هو معجزه ربانیه، وبرهان صدق على نبوه من انزل الیه من جهات شتى، فیحسن بنا أن نتعرض إلى جمله منها على نحو الاختصار:

۱- القرآن والمعارف
صرح الکتاب فی کثیر من آیاته الکریمه بأن محمدا صلى الله علیه واله وسلم أمی، وقد جهر النبی بهذه الدعوى فی ملأ من قومه وعشیرته الذین نشأ بین أظهرهم، وتربى فی أوساطهم، فلم ینکر أحد علیه هذه الدعوى، وفی ذلک دلاله قطعیه على صدقه فیما یدعیه. ومع أمیته فقد أتى فی کتابه من المعارف بما أبهر عقول الفلاسفه، وأدهش مفکری الشرق والغرب منذ ظهور الاسلام إلى هذا الیوم، وسیبقى موضعا لدهشه المفکرین، وحیرتهم إلى الیوم الاخیر، وهذا من أعظم نواحی الاعجاز.

ولنتنازل للخصوم عن هذه الدعوى، ولنفرض أن محمدا صلى الله علیه واله وسلم لم یکن أمیا، ولنتصوره قد تلقن المعارف، وأخذ الفنون والتاریخ بالتعلیم، أفلیس لازم هذا أنه اکتسب معارفه وفنونه من مثقفی عصره الذین نشأ بین أظهرهم؟ ونحن نرى هؤلاء الذین نشأ محمد صلى الله علیه واله وسلم بینهم، منهم وثنیون یعتقدون بالأوهام، ویؤمنون بالخرافات، وذلک ظاهر. ومنهم کتابیون یأخذون معارفهم وتأریخهم، وأحکامهم من کتب العهدین التى ینسبونها إلى الوحی، ویعزونها إلى الانبیاء. وإذ فرضنا أن محمداً صلى الله علیه واله وسلم أخذ تعالیمه من أهل عصره، أفلیس لازم هذا أن ینعکس على أقواله ومعارفه ظلال هذه العقائد التی اکتسبها من معلمیه ومرشدیه ومن هذه الکتب التی کانت مصدر ثقافته وعلومه؟ ونحن نرى مخالفه القرآن لکتب العهدین فی جمیع النواحی، وتنزیهه لحقائق المعارف عن الموهومات الخرافیه التی ملات کتب العهدین وغیرها من مصادر التعلم فی ذلک العصر.

وقد تعرض القرآن الکریم لصفات الله جل شأنه فی آیات کثیره، فوصفه بما یلیق بشأنه من صفات الکمال، ونزهه عن لوازم النقص والحدوث. وهذه نماذج منها:﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ کُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾۱٫  ﴿بَدِیعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا یَقُولُ لَهُ کُن فَیَکُونُ﴾۲٫ ﴿وَإِلَهُکُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِیمُ﴾۳٫ ﴿اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَیُّ الْقَیُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَهٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الأَرْضِ﴾۴٫ ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ یَخْفَىَ عَلَیْهِ شَیْءٌ فِی الأَرْضِ وَلاَ فِی السَّمَاء﴾۵٫ ﴿هُوَ الَّذِی یُصَوِّرُکُمْ فِی الأَرْحَامِ کَیْفَ یَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ﴾۶٫ ﴿ذَلِکُمُ اللّهُ رَبُّکُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ کُلِّ شَیْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ وَکِیل﴾۷٫ ﴿لاَّ تُدْرِکُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ یُدْرِکُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِیفُ الْخَبِیرُ﴾۸٫ ﴿قُلِ اللّهُ یَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ یُعِیدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَکُونَ﴾۹٫ ﴿اللّهُ الَّذِی رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَیْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ کُلٌّ یَجْرِی لأَجَلٍ مُّسَمًّى یُدَبِّرُ الأَمْرَ یُفَصِّلُ الآیَاتِ لَعَلَّکُم بِلِقَاء رَبِّکُمْ تُوقِنُونَ﴾۱۰٫ ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِی الْأُولَى وَالْآخِرَهِ وَلَهُ الْحُکْمُ وَإِلَیْهِ تُرْجَعُونَ﴾۱۱٫ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَیْبِ وَالشَّهَادَهِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِیمُ﴾۱۲٫ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِکُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَیْمِنُ الْعَزِیزُ الْجَبَّارُ الْمُتَکَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا یُشْرِکُونَ﴾۱۳٫ ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى یُسَبِّحُ لَهُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ﴾۱۴٫ هکذا یصف القرآن إلى العالمین، ویأتی بالمعارف التی تتمشى مع البرهان الصریح، ویسیر مع العقل الصحیح، وهل یمکن لبشر أمی نشأ فی محیط جاهل أن یأتی بمثل هذه المعارف العالیه؟

ویتعرض القرآن لذکر الانبیاء فیصفهم بکل جمیل ینبغی أن یوصفوا به، وینسب الیهم کل مأثره کریمه تلازم قداسه النبوه، ونزاهه السفاره الالهیه، وإلیک نماذج منها:﴿الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ الأُمِّیَّ الَّذِی یَجِدُونَهُ مَکْتُوبًا عِندَهُمْ فِی التَّوْرَاهِ وَالإِنْجِیلِ یَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنکَرِ وَیُحِلُّ لَهُمُ الطَّیِّبَاتِ وَیُحَرِّمُ عَلَیْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾۱۵٫ ﴿هُوَ الَّذِی بَعَثَ فِی الْأُمِّیِّینَ رَسُولًا مِّنْهُمْ یَتْلُو عَلَیْهِمْ آیَاتِهِ وَیُزَکِّیهِمْ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَإِن کَانُوا مِن قَبْلُ لَفِی ضَلَالٍ مُّبِینٍ﴾۱۶٫ ﴿وَإِنَّ لَکَ لَأَجْرًا غَیْرَ مَمْنُونٍٍ﴾۱۷٫ ﴿وَإِنَّکَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِیمٍ﴾۱۸٫ ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِیمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِینَ﴾۱۹٫ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِیمُ لِأَبِیهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِی بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾۲۰٫ ﴿إِلَّا الَّذِی فَطَرَنِی فَإِنَّهُ سَیَهْدِینِ﴾۲۱٫ ﴿وَکَذَلِکَ نُرِی إِبْرَاهِیمَ مَلَکُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِیَکُونَ مِنَ الْمُوقِنِینَ﴾۲۲٫ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَیَعْقُوبَ کُلاًّ هَدَیْنَا وَنُوحًا هَدَیْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّیَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَیْمَانَ وَأَیُّوبَ وَیُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَکَذَلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ﴾۲۳٫٫ ﴿وَزَکَرِیَّا وَیَحْیَى وَعِیسَى وَإِلْیَاسَ کُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِینَ﴾۲۴٫ ﴿وَإِسْمَاعِیلَ وَالْیَسَعَ وَیُونُسَ وَلُوطًا وَکُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِینَ﴾۲۵٫ ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّیَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَیْنَاهُمْ وَهَدَیْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِیمٍ﴾۲۶٫ ﴿وَلَقَدْ آتَیْنَا دَاوُودَ وَسُلَیْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی فَضَّلَنَا عَلَى کَثِیرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِینَ﴾۲۷٫ ﴿وَاذْکُرْ إِسْمَاعِیلَ وَالْیَسَعَ وَذَا الْکِفْلِ وَکُلٌّ مِّنْ الْأَخْیَارِ﴾۲۸٫﴿أُوْلَئِکَ الَّذِینَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَیْهِم مِّنَ النَّبِیِّینَ مِن ذُرِّیَّهِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّیَّهِ إِبْرَاهِیمَ وَإِسْرَائِیلَ وَمِمَّنْ هَدَیْنَا وَاجْتَبَیْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَیْهِمْ آیَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُکِیًّا﴾۲۹٫(البیان – ۴)

هذه جمله من الآیات التی جاء بها الکتاب العزیز فی تنزیه الانبیاء وتقدیسهم، وإظهارهم على حقیقتهم من القداسه والنزاهه وجمیل الذکر.

أما کتب العهدین فقد تعرضت أیضا لذکر الانبیاء ووصفتهم، ولکن بماذا وصفتهم؟! وبأی منزله وضیعه انزلت هؤلاء السفره الابرار، ولنذکر لذلک أمثله:

۱- ذکرت التوراه فی الاصحاحین الثانی والثالث من سفر التکوین. قصه آدم وحواء وخروجهما من الجنه. وذکرت أن الله أجاز لآدم أن یأکل من جمیع الاثمار إلا ثمره شجره معرفه الخیر والشر. وقال له: "لانک یوم تأکل منها موتا تموت" ثم خلق الله من آدم زوجته حواء وکانا عاریین فی الجنه لانهما لا یدر کان الخیر والشر، وجاءت الحیه ودلتهما على الشجره، وحرضتهما على الاکل من ثمرها وقالت: إنکما لاتموتان بل إن الله عالم أنکما یوم تأکلان منه تنفتح أعینکما وتعرفان الخیر والشر فلما أکلا منها انفتحت أعینهما، وعرفا أنهما عاریان. فصنعا لانفسهما مئزرا فرآهما الرب وهو یتمشى فی الجنه، فاختبأ آدم وحواء منه فنادى الله آدم أین أنت؟ فقال آدم: سمعت صوتک فاختبأت لانی عریان. فقال الله: من أعلمک بأنک عریان، هل أکلت من الشجره؟ ثم إن الله بعد ما ظهر له أکل آدم من الشجره. قال: هو ذا آدم صار کواحد منا عارف بالخیر والشر، والآن یمدیده فیأکل من شجره الحیاه، ویعیش إلى الابد، فأخرجه الله من الجنه، وجعل على شرقیها ما یحرس طریق الشجره. وذکر فی العدد التاسع من الاصحاح الثانی عشر أن الحیه القدیمه هو المدعو إبلیس، والشیطان الذی یضل العالم کله.

انظر کیف تنسب کتب الوحی إلى قداسه الله أنه کذب على آدم، وخادعه فی أمر الشجره، ثم خاف من حیاته، وخشی من معارضته إیاه فی استقلال مملکته فأخرجه من الجنه، وأن الله جسم یتمشى فی الجنه، وأنه جاهل بمکان آدم حین اختفى عنه، وأن الشیطان المضل نصح لآدم، وأخرجه من ظلمه الجهل إلى نور المعرفه، وإدراک الحسن والقبح.

۲- وفی الاصحاح الثانی عشر من التکوین: أن "ابراهیم" إدعى أمام"فرعون" أن "ساره" اخته وکتم أنها زوجته، فأخذها فرعون لجمالها"وصنع إلى ابراهیم خیرا بسببها، وصار له غنم وبقر وحمیر وعبید وإماء وأتن وجمال". وحین علم فرعون أن ساره کانت زوجه إبراهیم ولیست اخته قال له:"لماذا لم تخبرنی أنها امرأتک؟ لماذا قلت: هی اختی حتى أخذتها لی لتکون زوجتی". ثم رد فرعون ساره إلى إبراهیم.

ومغزى هذه القصه أن إبراهیم صار سببا لاخذ فرعون ساره زوجه إبراهیم زوجه له. وحاشا إبراهیم – وهو من أکرم أنبیاء الله – أن یرتکب ما لا یرتکبه فرد عادی من الناس.

۳- وفی الاصحاح التاسع عشر من سفر التکوین: قصه"لوط"مع ابنتیه فی الجبل، وأن الکبیره قالت لاختها:"أبونا قد شاخ ولیس فی الارض رجل لیدخل علینا.. هلم نسقی أبانا خمرا، ونضطجع معه فنحیی من أبینا نسلا فسقتا أباهما خمرا فی تلک اللیله"واضطجعت معه الکبیره. وفی اللیله الثانیه سقتاه الخمر أیضا، ودخلت معه الصغیره فحملتا منه، وولدت البکر إبنا وسمته "موآب" وهو أب الموآبیین، وولدت الصغیره إبنا فسمته"بن عمی"وهو أبو بنی عمون إلى الیوم. هذا ما نسبته التوراه الرائجه إلى لوط نبی الله وإلى ابنتیه، ولیحکم الناظر فیها عقله، ثم لیقل ما یشاء.

۴- وفی الاصحاح السابع والعشرین من التکوین: أن "إسحق" أراد أن یعطی إبنه "عیسو" برکه النبوه فخادعه "یعقوب" وأوهمه أنه عیسو، وقدم له طعاما وخمراً فأکل وشرب، وبهذه الحیله والکذب المتکرر توسل إلى أن بارکه الله. وقال له اسحق:"کن سیدا لاخوتک، ویسجد لک بنو أمک لیکن لاعنوک ملعونین، ومبارکوک مبارکین"، ولما جاء عیسو علم أن أخاه یعقوب قد انتهب برکه النبوه. فقال لابیه: "بارکنی أنا أیضا یا أبی. فقال: جاء أخوک بمکرو أخذ برکتک". ثم قال عیسو: "أما أبقیت لی برکه"؟ فقال إسحق: "إنی قد جعلته سیدا لک، ودفعت إلیه جمیع إخوته عبیدا، وعضدته بحنطه وخمر. فماذا أصنع الیک یا ابنی؟ ورفع عیسو صوته وبکى".

أفهل یعقل انتهاب النبوه؟ وهل یعطی الله نبوته لمخادع کاذب، ویحرم منها أهلها؟ وهل أن یعقوب بعمله هذا خادع الله أیضا کما خادع إسحق ولم یقدر الله بعد ذلک على إرجاعها إلى أهلها؟!! تعالى الله عن ذلک علوا کبیرا. ولعل سکره الخمر دعت إلى وضع هذه السخافه، والى نسبه شرب الخمر إلى إسحق.

۵- وفی الاصحاح الثامن والثلاثین من التکوین: أن "یهوذا" بن یعقوب زنى بزوجه ابنه"عیر"المسماه"بثامار"وأنها حبلت منه وولدت له ولدین "فارص" و"زارح"، وقد ذکر انجیل متى فی الاصحاح الاول نسب یسوع المسیح تفصیلا، وجعل المسیح وسلیمان وأباه داود من نسل فارص"هذا الذی ولد من زنا یهوذا بکنته ثامار".

حاشا أنبیاء الله أن یولدوا من الزنى، کیف وأن تنسب الیهم الولاده من الزنى بذات محرم!! ولکن واضع التوراه الرائجه لا یبالی بما یکتب وبما یقول!!.

۶- وفی الاصحاحین الحادی والثانی عشر من صموئیل الثانی: أن داود زنى بامرأه"اوریا" المجاهد المؤمن. وحملت من ذلک الزنى، فخشی داود الفضیحه، وأراد تمویه الامر على اوریا، فطلبه وأمره أن یدخل بیته فأبى "اوریا" وقال: "سیدی – یوآب – وعبید سیدی نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتی إلى بیتی لآکل وأشرب وأضطجع مع امرأتی، وحیاتک وحیاه نفسک لا أفعل هذا الامر "فلما یئس داود من التمویه أقامه عنده الیوم، ودعاه فأکل عنده وشرب وأسکره وفی الصباح کتب داود إلى یوآب: "اجعلوا اوریا فی وجه الحرب الشدیده، وارجعوا من ورائه فیضرب ویموت"وقد فعل یوآب ذلک فقتل اوریا، وأرسل إلى داود یخبره بذلک، فضم داود امرأه اوریا إلى بیته وصارت امرأه له بعد انتهاء مناحتها على بعلها. وفی الاصحاح الاول من انجیل متى: أن سلیمان بن داود ولد من تلک المرأه.

تأمل کیف تجرأ هذا الوضع على الله؟ وکیف تصح نسبه هذا الفعل إلى من له أدنى غیره وحمیه فضلا عن نبی من أنبیاء الله؟ وکیف یجتمع هذا مع ما فی انجیل لوقا من أن المسیح یجلس على کرسی داود أبیه؟!!

۷- وفی الاصحاح الحادی عشر من الملوک الاول: أن سلیمان کانت له سبعمائه زوجه من السیدات، وثلاثمائه من السراری، فأمالت النساء قلبه وراء آلهه اخرى"فذهب سلیمان وراء عشتورث إلهه الصیدونیین، وملکوم، رجس العمونیین، وعمل سلیمان الشر فی عینی الرب.. فقال الرب: إنی امزق المملکه عنک تمزیقا وأعطیها لعبدک". وفی الثالث والعشرین من الملوک الثانی: أن المرتفعات التی بناها سلیمان لعشتورث رجاسه الصیدونیین ولـ"کموش" رجاسه الموآبیین ولملکوم کراهه بنی عمون نجسها الملک "یوشیا" وکسر التماثیل وقطع السواری، وکذلک فعل بجمیع آثار الوثنیین.

هب أن النبی لا یلزم أن یکون معصوما – والادله العقلیه قائمه على عصمته – فهل یجوز له فی حکم العقل أن یعبد الاصنام، وأن یبنی لها المرتفعات ثم یدعو الناس إلى التوحید والى عباده الله؟ کلا!!!

وفی الاصحاح الاول من کتاب "هوشع": أن"أول ما کلم الرب هوشع. قال الرب لهوشع: اذهب خذلنفسک امرأه زنى، وأولاد زنى، لان الارض قد زنت زنى تارکه الرب، فذهب وأخذ "جومر" بنت دبلایم فحبلت، وولد له ابنان وبنت". وفی الاصحاح الثالث: أن الرب قال له: "إذهب أیضا أحبب امرأه – حبیبه صاحب وزانیه – کمحبه الرب لبنی إسرائیل".

أهکذا یکون أمر الله، یأمر نبیه بالزنى وبمحبه امرأه زانیه؟ تعالى عن ذلک علوا کبیرا. ولا عجب فی أن الکاتب لا یدرک قبح ذلک. وإنما العجب من الامم المثقفه ورجال العصر، ومهره العلوم الناظرین فی التوراه الرائجه، والمطلعین على ما اشتملت علیه من الخرافات، کیف تعتقد بأنها وحی إلهی وکتاب سماوی. نعم ان تقلید الآباء کالغریزه الثانویه، یصعب التنازل عنه إلى اتباع الحق والحقیقه. والله الهادی والموفق.

۹- وفی الاصحاح الثانی عشر من إنجیل متى، والثالث من مرقس والثامن من لوقا: أن المسیح فیما هو یکلم الجموع"إذا أمه وإخوته قد وقفوا خارجا طالبین أن یکلموه. فقال له واحد: هو ذا أمک وإخوتک واقفون خارجا طالبین أن یکلموک. فأجاب وقال للقائل له: من هی أمی ومن هم إخوتی، ثم مدیده نحو تلامیذه وقال: هاأمی وإخوتی، لان من یصنع مشیئه أبی الذی فی السموات هو أخی وأختی وأمی".

انظر إلى هذا الکلام وتأمل ما فیه من سخافه. ینتهر المسیح امه القدیسه البره ویحرمها رؤیته، ویعرض بقداستها، ویفضل تلامیذه علیها وهم الذین قال فیهم المسیح:"إنهم لا إیمان لهم"کما فی الرابع من مرقس، وإنه لیس لهم من الایمان مثل حبه خردل کما فی السابع عشر من متى، وهم الذین طلب منهم المسیح أن یسهروا معه لیله هجوم الیهود علیه فلم یفعلوا، ولما أمسکه الیهود فی الظاهر ترکه التلامیذ کلهم وهربوا، کما فی الاصحاح السادس والعشرین من إنجیل متى، إلى ما سوى ذلک من الشنائع التی نسبتها الیهم الاناجیل.

۱۰- وفی الاصحاح الثانی من یوحنا: أن المسیح حضر مجلس عرس فنفد خمرهم، فعمل لهم سته أجران من الخمر بطریق المعجزه. وفی الحادی عشر من متى، والسابع من لوقا: أن المسیح کان یشرب الخمر، بل کان شریب خمر "کثیر الشرب لها".

حاشا قدس المسیح من هذا البهتان العظیم. فقد جاء فی العاشر اللاویین أن الرب قال؟ لهرون:"خمرا ومسکرا لا تشرب أنت وبنوک معک عند دخولکم خیمه الاجتماع لکی لا تموتوا، فرضا دهریا فی أجیالکم، وللتمییز بین المقدس والمحلل، وبین النجس والطاهر". وفی الاول من لوقا فی مدح یوحنا المعمدان: "لانه یکون عظیما أمام الرب وخمرا ومسکرا لا یشرب". إلى غیر ذلک مما دل على حرمه شرب الخمر فی العهدین.

هذه أمثله یسیره فی کتب العهدین الرائجه من سخافات وخرافات، وأضالیل وأباطیل لا تلتئم مع البرهان، ولا تتمشى مع المنطق الصحیح، وضعناها أمام القارئ لیمعن النظر فیها، ولیحکم عقله ووجدانه. وهل یمکن أن یحکم أن محمدا – ص – قد اقتبس معارفه، وأخذ محتویات قرآنه العظیم من هذه السخافات وهو على ما هو علیه من سمو المعارف، ورصانه التعلیم؟ وهل یمکن أن تنسب هذه الکتب السخیفه إلى وحی السماء وهی التی لوثت قداسه الانبیاء بما ذکرناه وبما لم نذکره۳۰؟

۳- القرآن والاستقامه فی البیان
قد علم کل عاقل جرب الامور، وعرف مجاریها أن الذی یبنی أمره على الکذب والافتراء فی تشریعه وأخباره، لا بد من أن یقع منه التناقض والاختلاف، ولا سیما إذا تعرض لکثیر من الامور المهمه فی التشریع والاجتماع والعقائد، والنظم الاخلاقیه المبتنیه على أدق القواعد، وأحکم الاسس، ولا سیما إذا طالت على ذلک المفتری أیام، ومرت علیه أعوام. نعم لا بد من أن یقع فی التناقض والتهافت من حیث یرید أو لا یرید، لان ذلک مقتضى الطبع البشری الناقص إذا خلا من التسدید. وقد قیل فی المثل المعروف: لا حافظه لکذوب.

وقد تعرض القرآن الکریم لمختلف الشؤون، وتوسع فیها أحسن التوسع فبحث فی الالهیات ومباحث النبوات، ووضع الاصول فی تعالیم الاحکام و السیاسات المدنیه، والنظم الاجتماعیه، وقواعد الاخلاق. وتعرض لامور أخرى تتعلق بالفلکیات والتاریخ، وقوانین السلم والحرب، ووصف الموجودات السماویه والارضیه من ملک وکواکب وریاح، وبحار ونبات وحیوان وإنسان، وتعرض لانواع الامثال، ووصف أهوال القیامه ومشاهدها فلم توجد فیه أیه مناقضه ولا أدنى اختلاف ولم یتباعد عن أصل مسلم عندالعقل والعقلاء. وربما یستعرض الحادثه الواحده مرتین أو أکثر، فلا تجد فیه أقل تهافت وتدافع. وإلیک قصه موسى علیه السلام، فقد تکررت فی القرآن مرارا عدیده، وفی کل مره تجد لها مزیه تمتازبها من غیر اختلاف فی جوهر المعنى.

وإذاعرفت أن الآیات نزلت نجوما متفرقه على الحوادث، علمت أن القرآن روح من أمر الله، لان هذا التفرق یقتضی بطبعه عدم الملاءمه والتناسب حین یجتمع. ونحن نرى القرآن معجزا فی کلتا الحالتین، نزل متفرقا فکان معجزا حال تفرقه، فلما اجتمع حصل له إعجازآخر. وقد أشار إلى هذا النحو من الاعجاز قوله تعالى:﴿أَفَلاَ یَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ کَانَ مِنْ عِندِ غَیْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِیهِ اخْتِلاَفًا کَثِیرًا﴾۳۱٫

وهذه الآیه تدل الناس على أمر یحسونه بفطرتهم، ویدرکونه بغریزتهم، وهو أن من یعتمد فی دعواه على الکذب والافتراء لا بد له من التهافت فی القول، والتناقض فی البیان، وهذا شئ لم یقع فی الکتاب العزیز.

والقرآن یتبع هذه الخطه فی کثیر من استدلالاته واحتجاجاته، فیرشد الناس إلى حکم الفطره، ویرجعهم إلى الغریزه، وهی أنجح طریقه فی الارشاد، وأقربها إلى الهدایه. وقد أحست العرب بهذه الاستقامه فی أسالیب القرآن، واستیقنت بذلک بلغاؤهم. وإن کلمه الولید بن المغیره فی صفه القرآن تفسر لنا ذلک، حیث قال – حین سأله أبو جهل أن یقول فی القرآن قولا:

"فما أقول فیه؟ فوالله ما منکم رجل أعلم فی
الاشعار منی ولا أعلم برجزه منی، ولا بقصیده، ولا
بأشعار الجن. والله ما یشبه الذی یقول شیئا من هذا،
ووالله إن لقوله لحلاوه، وإنه لیحطم ما تحته، وإنه
لیعلو ولا یعلى.
قال أبو جهل: والله لا یرضى قومک حتى تقول فیه
قال الولید: فدعنی حتى افکر فیه فلما فکر. قال:
هذا سحر یأثره عن غیره"32.
وفی بعض الروایات قال الولید:
"والله لقد سمعت منه کلاما ما هو من کلام الانس
ومن کلام الجن، وإن له لحلاوه، وإن علیه لطلاوه
وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه لیعلو ولا
یعلى علیه، وما یقول هذا بشر"33…

وإذا أردت أن تحس ذلک من نفسک فانظر إلى الکتب المنسوبه إلى الوحی، فانک تجدها متناقضه المعانی، مضطربه الاسلوب، لا تنهض ولا تتماسک. وإذا نظرت إلى کتب العهدین، وما فیها من تضارب وتناقض تجلت لک حقیقه الامر، وبان لک الحق من الباطل. وهنا نذکر أمثله مما وقع فی الاناجیل من هذا الاختلاف:

۱- فی الاصحاح الثانی عشر من إنجیل متى، والحادی عشر من لوقا: إن المسیح قال:"من لیس معی فهو علی، ومن لا یجمع معی فهو یفرق". وقال فی التاسع من مرقس، والتاسع من لوقا:"من لیس علینا فهو معنا".

۲- وفی التاسع عشر من متى، والعاشر من مرقس، والثامن عشر من لوقا: إن بعض الناس قال للمسیح:"أیها المعلم الصالح. فقال: لماذا تدعونی صالحا؟ لیس أحد صالحا إلا واحد وهو الله". وفی العاشر من یوحناأنه قال:"أنا هو الراعی الصالح… أما أنا فإنی الراعی الصالح".

۳- وفی السابع والعشرین من متى قال:"کان اللصان اللذان صلبا معه – المسیح – یعیرانه"، وفی الثالث والعشرین من لوقا:"وکان واحد من المذنبین المعلقین یجدف علیه قائلا: إن کنت أنت المسیح فخلص نفسک وإیانا، فأجاب الآخر وانتهره قائلا: أولا أنت تخاف الله؟ إذ أنت تحت هذا الحکم بعینه".

۴- وفی الاصحاح الخامس من انجیل یوحنا: "إن کنت أشهد لنفسی فشهادتی لیست حقا". وفی الثامن من هذا الانجیل نفسه أنه قال:"وإن کنت أشهد لنفسی فشهادتی حق".

هذه نبذه مما فی الاناجیل – على ما هی علیه من صغر الحجم – من التضارب والتناقض. وفیها کفایه لمن طلب الحق، وجانب التعصب والعناد۳۴٫
ــــــــ
۱- البقره:۱۱۶٫
۲- البقره:۱۱۷٫
۳- البقره:۱۶۳٫
۴- البقره:۲۵۵٫
۵- آل عمران:۵٫
۶- آل عمران:۶٫
۷- الأنعام:۱۰۲٫
۸- الأنعام:۱۰۳٫
۹- یونس:۳۴٫
۱۰- الرعد:۲٫
۱۱- القصص:۷۰٫
۱۲- الحشر:۲۲٫
۱۳- الحشر:۲۳٫
۱۴- الحشر:۲۴٫
۱۵- الأعراف:۱۵۷٫
۱۶- الجمعه:۲٫
۱۷- القلم:۳٫
۱۸- القلم:۴٫
۱۹- آل عمران: ۳۳٫
۲۰- الزخرف:۲۶٫
۲۱- الزخرف:۲۷٫
۲۲- الأنعام:۷۵٫
۲۳- الأنعام:۸۴٫
۲۴- الأنعام:۸۵٫
۲۵- الأنعام:۸۶٫
۲۶- الأنعام:۸۷٫
۲۷- النمل:۱۵٫
۲۸- ص:۴۸٫
۲۹- مریم:۵۸٫
۳۰- الهدى إلى دین المصطفى. والرحله المدرسیه لشیخنا البلاغی. وکتابنا الاعجاز، تجد فی هذه الکتب، الشئ الکثیر من نقل هذه الخرافات.
۳۱- النساء:۸۲٫
۳۲- تفسیر الطبری ج ۲۹ ص ۹۸٫
۳۳- تفسیر القرطبی ج ۱۹ ص ۷۲٫
۳۴- وللزیاده راجع کتابی"الهدى والرحله المدرسیه"لشیخنا البلاغی قدس سره وکتابنا "نفحات الاعجاز".

Leave A Reply

Your email address will not be published.