الحجّ.. مؤتمر الوحده الإسلامیه

0

عندما دخل الاستعمار الى بلادنا وجدها تسبح فی فضاء الدین الرحب فتنتهل منه تعالیمها وتأخذ من توجیهاته دستور حیاتها لترسم به خرائط حاضرها ومستقبلها الواعد بالتقدم والرقی، ولاحظ المستعمر أن هذا الدین یجسد الرؤیه الإلهیه الصحیحه المنزهه عن الخطأ والاشتباه الملیئه بالحیاه والمعنویه والحرکه حیث أنها تشکل خلاصه مسیره الأنبیاء والرسل، ومنذ ذلک الحین ولا زال یبذل کل ما أوتی ولم یدخر جهدا إلا وبذله على طریق حربه مع هذا الدین ساعیا الى تشوهه وحرفه عن مسار مسیرته الرشیده قدر المستطاع بغیه إزاحته من قلوب المسلمین حتى یتسنى له الدخول إلیها. 

ومن الضربات القاسیه التی وجهها الاستکبار الى الإسلام هی العمل على تفریغه من أبعاده الاجتماعیه والسیاسیه التی تشکل حجر الزاویه لکل نظریه إنسانیه تسعى الى ربط مسیره المجتمع بها، وحیث أن الإسلام هو أکمل نظریه شامله تغطی کل أبعاد الحیاه البشریه بکل جوانبها ومراحلها وتأخذ بید المجتمع الى جاده الصراط المستقیم وتعلمه کیف یعیش حرا فی دنیاه وکیف یرفض الظلم والاستبداد والاستعباد، وقد حثّ الإسلام على محاربه الظالمین وأمر بنصره المستضعفین والمقهورین فی کل العالم وهیئ لأجل ذلک الأرضیه التشریعیه والمعنویه التی تشکل المحرک الأساسی للمجتمع وتعطیه طعما آخرا فی الحیاه یرى فیه أن الموت فی سبیل نصره المظلوم وإعلاء کلمه الله هو الحیاه الأبدیه والسعاده الدائمه. 

وطبعا فإن الإسلام بهذه الصوره یشکل عائقا أمام أهداف الاستکبار الساعیه الى بسط ید القهر على جمیع أقطار العالم، فلأجل ذلک عملوا على تشویه وإفراغه عن مضمونه وأبعاده المهمه والرئیسی معتمدین على إعلامهم القوی وعلى عملائهم بما فیهم الحکام ووعاظهم الذین یتکلمون على منابر المسلمین باسم الإسلام ولکنهم أشد ضراوه على المسلمین من أعداهم الأجانب لأنهم یدلسون الأمر ویقدمونه بلسان الناصح الأمین. 

ومن هذا المنطلق خرجت شبهه الغرب الکبرى التی تقول بوجوب فصل الدین عن السیاسه والمجتمع وتقیده بین جدران المسجد وتکون وظیفه رجل الدین بناء على هذه الشبهه هی الصلاه فی المسجد ومن ثم الرجوع الى بیته لینتظر وقت الصلاه التالیه وهکذا، وإن کان لابد له من الکلام فیتکلم حسب ورقه تصله من عملاء الاستکبار الموجودین فی بیوت الحکم، هکذا نظرّوا للإسلام وقدموا الأدله والکتب حتى انطلت هذه الشبهه على بعض رجال الدین، ولأجل تقدیم هذه الشبهه بلسان متقن روجوا أن السیاسه قائمه على الکذب والخدع وهذا غیر لائق بالدین وأهله، ولکن هنا نسأل أنه لا ینکر أحد أن نبی الله (ص) کان قائدا سیاسیا للأمه الإسلامیه وکذا من جاء بعده فهل کان هؤلاء کذابین والعیاذ بالله العظیم، فلماذا نحن نصدق الیوم ما یروج له الغرب المستکبر وهو أن الدین منزه عن السیاسه لأن السیاسه قذره ومتسخه بالکذب ولیس من شأن الدین أن یقوم على مثل هذه الأمور، نعم السیاسه التی یمارسها الغرب وعملاؤه من هذا القبیل، وأما ما نظّر له الإسلام ودعا إلیه فهو سیاسه نظیفه تأخذ بید البلاد والعباد الى الرشد والتکامل والعداله والتقدم، وهذا بعینه هو الذی مارسه رسول الله (ص) بوصفه الممثل الحقیقی لسیاسه الدین. 

وعندما استحکمت هذه الشبهه فی المجتمع الإسلامی تحولات کثیر من فرائضه الى مجرد طقوس ومراسم رسمیه خالیه عن المضمون والروح لا تقنع الفرد المسلم ولا تشبع جوعه النابع من تخوم وجدانه الباحث عن ضالته التی ضاعت بفعل هذه الشبهه التی أفقدت هذا الدین الحیاه والحماس والحرکه. 

وها نحن على أبواب فریضه عظمه الشأن فی الإسلام تشکل رکنا من أرکانه العظیمه ألا وهی فریضه الحجّ الى بیت الله الحرام فإن کل مسلم قد استطاع لا بد له من الذهب الى بیت الله تعالى حاجا لیقیم فریضه ذات أبعاد روحیه وعرفانیه تدعو الى توحید الله تعالى ومعرفته والتقرب إلیه بالسعی بین صفاء الروح ومروه القلب والطواف حول کعبه الحب الإلهی وغیر ذلک من أفعال تجسد حقیقه العبودیه لله تعالى وتذکر الإنسان بیوم المحشر وتدعو المجتمع لیکون فی ضیافه الله تعالى.

وله أبعاد اجتماعیه وسیاسیه حیث أن الحجّ یشکل مؤتمرا للمسلمین یجتمع فیه الناس من جمیع أقطار العالم لیشهدوا منافع لهم فی هذا الموسم العبادی المبارک فهو دعوه الى الوحده بین الأمه والى تألیف القلوب على المحبه والتعالی على الجراح والمصالح الضیقه والنظر الى هموم الأمه بما هی مجتمعه، وتقدیم البراءه من المشرکین وأعداء الدین. 

وعلى إمام الحجّ أن یرشد المجتمع الإسلامی بکل ما یهمه، وعلیه أن یحذره من أعدائه المستکبرین الذین حوّلوا المجتمع الى مزارع لهم، ومن هنا کان لابد من إعلان البراءه من المشرکین فی هذه الأرض الطیبه والفریضه المقدسه حتى تفتح أذهان المسلمین المقفله بفعل الدعایه والإعلام الغربی تفتحها على حقیقه تقول أننا بخطر کبیر یوجب علینا القیام بواجبنا فی هذه الظروف الحساسه، وعلیه أن یهیئ لأجل ترشید المجتمع فی هذا التجمع الندوات الحواریه والعلمیه الساعیه الى تقدیم صوره الإسلام الأصیل التی تعرف الناس بالظروف المحیطه بها وبالأخطار المحدقه بمصالحها ومستقبلها..

Leave A Reply

Your email address will not be published.