فی القدس وحده الأمه وأمل المستضعفین
ولکن المشکله التی تواجهنا دائماً هی الجنوح إلى التنظیر والعناوین العامه الإجمالیه مع الافتقار إلى ملامسه التطبیق العملی الذی یوصل بشکل طبیعی إلى هذه الوحده, ولا شک فی أن عنوان القدس یحمل قابلیه کبرى للوحده, شرط تلمس الخطوات المترابطه والمتکامله للتقدم باتجاه هذا الهدف.
إنّ إثاره موضوع القدس من زاویه الارتباط الدینی تساعد بشکل واضح على سلامه الانطلاقه, فنحن لا نتعاطى مع أرض محتله لأشقاء فلسطینیین، وإنما مع أرض مقدسه تعنی المسلمین جمیعاً، ومهما حصل من موانع وعقبات تمس علاقه المسلمین مع بعضهم بسبب سوء أداء بعض جماعاتهم، فلا یصح أن ینعکس الأمر على النظره المقدسه نحو القدس وتکریس الاهتمام بها.
وکذا مهما کانت القضایا الداخلیه فی بلدان المسلمین متأزمه، فلا یجوز أن تصرفهم عن التوعیه والتثقیف والتوحید والإعلام حول قضیه القدس, لأن کل بلداننا تعانی من خصوصیاتها وأزماتها, فإذا کانت حائلاً دون الاهتمام بالقدس فهذا یعنی فقدان العنوان التوحیدی على الرغم من قداسته واهتمام الإسلام به.
هذا من جهه، وإذا ما أضفنا إلیها النظره الاستکباریه الغربیه وخاصه الأمریکیه فی تبنی المشروع الإسرائیلی ودعمه بکل أسباب الحیاه کمدخل لهم إلى منطقتنا ومعبر من خلاله إلى حضورهم وفعالیتهم, وإقلاق لکل المحیط العربی لإسقاطه فی دائره التحکم الصهیونی حیث النفاذ منه إلى الدور الاستکباری أیضاً.. نقف أمام حقیقه ناصعه لا یشوبها الشک، وهی أنّنا أمام خطر داهم لا یقتصر على بقعه جغرافیه محدده. والتعاطی مع الاحتلال على أساس هذه النظره یساعد فی إحیاء شعور الخطر عند المسلمین کافه, فمن لا تحرکه القداسه أو تبقى قاصره عن إشعاره بالمسؤولیه, فإن الأطماع التی ستضرب مصالحه ومصالح بلده تشکل دافعاً حقیقیاً لتوحید الجهود کیما یتمکن الجمیع من مواجهه الغده السرطانیه ذات النفوذ الواسع، والتی تحمل قابلیه التوسعه أیضاً ما لم تواجه لتحدید مساحه انتشارها بالحد الأدنى إذا لم نقل بقدره القضاء علیها.
من هنا یصبح واضحاً سبب اهتمام الإمام الخمینی بالقضیه الفلسطینیه أکثر من غیرها من قضایاً العالم الإسلامی، ویمکن القول إن إعطاء الإمام الخمینی البعدین: الإسلامی والعالمی لقضیه القدس, قد فسح فی المجال الآفاق المسانده لها وتشجیع انضواء مجموعات کثیره على امتداد العالم بسبب هذه التوسعه. ولهذا أکد (قده) فی غیر واحد من خطابته على أنّ یوم القدس یوم عالمی، ولیس یوماً یخص القدس فقط، بل وسع فی الدائره لیجعله یوماً للمستضعفین, ویوم الشعوب التی رزحت تحت ضغط الظلم الغربی والأمریکی.
ولو أخذنا على الجانب الآخر عنوان الإسلام کإشعاع یربط بین القدس وقضایانا فی مواجهه الأجانب لکفى ذلک فی تکتیل قوه المسلمین إذا أحسنوا الأداء تحت هذا العنوان.
وهذا التعمیم فی دائره الاهتمام السیاسی بالتحدید هو المطلوب, لأن الفرق فی البحث عن الوحده من خلال المسائل الفقهیه أو مسائل الاختلاف الفکریه سیزید البعد بین المسلمین, وسیتسلح کل بمذهبه مدافعاً ومواجهاً، دونما قابلیه لفهم الطرف الآخر. أما العنوان العام فهو أقدر على الجمع ولم الشمل، ولاسیما أن تفاصیل الاختلاف لا تؤثر علیه فی مواجهه الاحتلال، بل تؤثر علینا فی إثاره بعضنا البعض.
وهکذا تسوقنا هذه النظریه إلى ضروره التأکید على أهمیه الجهاد فی التوحید والاستقطاب وإزاله الحواجز المصطنعه بین المسلمین. وما نلاحظه الیوم من التناغم الحاصل بین المسلمین فی لبنان وفلسطین لیس إلاّ ببرکه الجهاد والعدو المشترک بینهما، علماً أن الحاجز الکبیر الذی زرعه الاستکبار والجهلاء من أمتنا ومعهم المتعصبون ترکز على التفرقه بین السنه والشیعه, حتى کادت تحسب القضیه الفلسطینیه على السنه، وکأن الشیعه خارج دائرتها ودائره اهتماماتهم, لکن الجهاد هو الذی ذوّب هذا الحاجز الکبیر, لتتولّدت معه مشاعر الحب والتعاطف مع المقاومه الإسلامیه فی أکثر الدول الإسلامیه تعصباً.
إذاً.. کل المؤشرات النظریه والعملیه تدل على أهمیه الجهاد لتحریر القدس کأولویه فی الاستقطاب ولاستنهاض للأمه وتصویب الشعارات المبدئیه وحشد الطاقات وتوحید المسلمین بل وتحقیق إنجازات میدانیه هامه.
ولکن لم یکن الغرب لتخفى علیه مثل تلک الأمور، فقد التفت إلى قوه مفهوم الجهاد وآثاره العملیه وتظافره مع وحده المسلمین ومشاعرهم, فلجأ إلى خطه ذات بعدین:
الأول: إسقاط الجهاد، من خلال بث مفهوم الحل السلمی عن طریق المفاوضات وبرعایه دولیه کأمل لتحقیق شیء للفلسطینیین.
والثانی : فلسطنه فلسطین من خلال إسقاط عنوانها الإسلامی وحصرها فی بدایه الإمر فی الدائره العروبیه (عروبه فلسطین)، ثم بعد ذلک تحت عنوان (حق الشعب الفلسطینی فی تقریر مصیره دون علاقه لأحد فیه), بل ضیقت الدائره أکثر حینما جعلت منظمه التحریر الممثل الوحید للشعب الفلسطینی.
إن إعاده الجهاد إلى الأداء العملی الیومی للقضیه الفلسطینیه, وتحمیل المسلمین هذه المسؤولیه لا شک یساعد على إیجاد الرابط الأساسی للوحده بین المسلمین والذی لا یترک أی حساسیه فیما بینهم. لیحرج المتأملین ویسقط المفرطین ویکشف العملاء ویفضح الخائنین.