من المذهبیه الجدلیه إلى الإنسانیه الیقینیه
قدم (علم الکلام) فی تاریخه الطویل خدمات جلیله للعقیده الإسلامیه فی نصره الدین ودحض الشبهات وتبکیت الخصوم إلاّ انه بقی قاصراً إلى مراحل تاریخیه متقدمه ان یتجاوز طابع الجدل الذی انعکس بقوه على مطالب العلم وموضوعاته ومناهجه وآلیاته.
إن السمه الجدلیه لهذا العلم خاصه فی المرحله الثالثه من تاریخه افرزت عده عوائق ساهمت فی تعطیل نمو هذا العلم بالشکل المطلوب وحبسته فی دائره ضیقه فأفتقد الحس الموضوعی فی عرض آراء الخصوم ومناقشه المذاهب الأخرى وکتب الملل والنحل شاهده على ذلک بما تعج به من افتراءات واختلاق فرق لا وجود لها إلاّ فی مخیله بعض المصنفین بغیه ان تأتی تصنیفاتهم مطابقه لحدیث رسول الله(صلى الله علیه وآله): (تنقسم أمتی إلى ثلاث وسبعین فرقه…).
لقد بلغ التعصب المذهبی الذی غذاه المنحى الجدلی أن تتوسل بعض الفرق بالسلطان للتنکیل بالفرق الأخرى والشواهد التاریخیه على ذلک عدیده.
النقله الهامه والخروج عن دائره الجدل إلى الصبغه البرهانیه کانت اساساً على ید الخواجه (نصیر الدین الطوسی) کما اشرنا فی الفصل الاول من هذه الدراسه فاتحدت مطالب هذا العلم بالفلسفه والتفکیر الفلسفی، (ویکفی الاشاره هنا إلى أن بدء محاوله شرح موضوعات علم الکلام بالموضوعات الفلسفیه کانت على ید أبی جعفر محمد بن الحسن الطوسی… ولکن الرائد الحقیقی لهذا التطبیق هو نصیر الدین الطوسی فی کتبه الفلسفیه والکلامیه خاصه فی کتابه (التجرید) ولیس من الإنصاف العلمی ان نجعل هذه المحاوله بدأت مع عضد الدین الایجبی ونغفل عن الإشاره إلى الرائد الاول لها کما فعل الدکتور ابراهیم مدکور فی الفلسفه الإسلامیه)(۱).
إن الحقبات المظلمه لتاریخ هذا العلم من التحجر والجمود هو مظهر من مظاهر تاریخ المذهبیه المغلقه والتعصب المقیت فی تراثنا الفکری حیث لا یرى الباحث الحق إلاّ من خلال معتقده ومذهبه ولا یشاهد فی الآخر سوى معالم الکفر والزندقه والانحراف فینبری طاعناً فی المذاهب الأخرى رافعاً سیف التشهیر والتبری. حتى اشتهر عن الغزالی قوله: (اعلم ان للفرق فی هذا مبالغات وتعصبات انتهى بعض الطوائف إلى تکفیر کل فرقه سوى الفرقه التی یعزى إلیها) فکلامه لیس بعیداً عن الواقع التاریخی الذی غابت عنه الموضوعیه فی عرض المذاهب ودراسته الادیان والمدارس الاخرى وبتأمل متفحص فی کتب الملل والنحل نلمح بجلاء هذا الجنوح إلى تزکیه (مذهب الأنا) وإلغاء الآخر ورمیه فی قاع جهنم موصوفاً بکل النعوت المنفره: فهذا (عبد القاهر البغدادی (ت ۴۲۹هـ )) لا یکاد یعرض مذهباً من مذاهب الخصوم على وجهه الصحیح، و(الشهرستانی نفسه (ت ۵۴۸هـ )) صاحب الملل والنحل رغم ما شرطه على نفسه فی مقدمه کتابه (وشرطت على نفسی أن أورد مذهب کل فرقه على ما وجدته فی کتبهم من غیر تعصب لهم ولا کسر علیهم دون أن أبین صحیحه من فاسده واعین حقه من باطله وان کان لا یخفى على الافهام الذکیه فی مدارج الدلائل العقلیه لمحات الحق ونفحات الباطل وبالله التوفیق)(۳)، ولکنه لم یلتزم بما شرطه على نفسه وجاوز حد الموضوعیه فی کثیر من المسائل یقوم عن ذلک أحمد أمین (ورأیت مؤلفی العرب کالشهرستانی والقفطی وامثالهما قد خلطوا حقاً وباطلا فکثیراً ما نسبوا القول إلى غیر قائله…)، لقد بحث کل من ممثلی العلم المللی النحلی الإسلامی ضمن اطار انتمائه الفکری والعقائدی عن الفرقه التی کان بإمکانه أن یقول هنا الحقیقه وان کانت هذه الصیاغه ظاهره ممیزه للکتابات الأولى على الأقل فی مفاهیمها المباشره فإنها تعمقت فی وقت لاحق إلى الدرجه التی لم یعد الحاسم فیها مفهوم الانتماء المباشر للإسلام فقط بل ومضمون العقائد الإسلامیه ذاتها (فالنوبختی) الذی لم یشر إلى الحدیث (حدیث الفرقه الناجیه) لم یُفته ان یحقق واقع الانقسام القائم فی صراع الفرق ودعوى التمثل الانتمائی للفرق الناجیه (أو أهل السنه والجماعه) بعباره (کل منهم یدعی نفسه جماعه رغم أن واقعهم أو ما ینطبق علیهم لیس معنى الاجتماع بل معنى الافتراق)(۴).
ولم یفلت کذلک (ابن حزم (ت ۴۵۶هـ )) و(الرازی (ت ۶۰۶هـ )) و(الملطی (ت۳۷۷هـ )) من هذه الضوابط الصارمه الموغله فی التمذهب والإصرار على تمثیل الجماعه ونصره اعتقاد أهل السنه والجماعه.
لقد کسرت النقله من الجدل إلى التفلسف على ید الخواجه إلى حد کبیر هذا الطوق ولکنَّ.. النقله الهامه التی حدثت فی تاریخنا المعاصر هی الانتقال من البرهان إلى الیقین هذه النقله أبدعها باقر الصدر من خلال المذهب الذاتی فی المعرفه حیث جعل التوالد الذاتی هو الأساس القائم على اساس تراکم الاحتمالات (راجع النقله الأولى من هذا الفصل) کما جعل الیقین الذاتی هو الأساس فی التوالد المعرفی وقنّن هذا التوالد والیقین الذاتی کما شرحنا سابقاً.
إنه الیقین الذی یحصل بتراکم القیم الاحتمالیه.. والذی یوجب الاقتناع وفناء القیم الاحتمالیه الضعیفه.. هو الطریق الاوسع لاکثر معارفنا.. ولذلک ینفتح الباب واسعاً لأی کان.. للوصول إلى معرفه الله.. وبقیه الاصول الاعتقادیه.. لن ینغلق الباب تحت أی عنوان فئوی أو مذهبی أو طبقی أنها طریقه معهوده لدى الناس جمیعاً فالنهج الاستقرائی قریب إلى اذهان الناس لانهم عهدوه فی تجاربهم الحسیه الیومیه وعهدته الحضاره الغربیه وشادت علیه بنیانها وصرحها العلمی والحضاری ولذلک فانه قریب لروح هذه الحضاره.. التی بلغت ما بلغته من اوج التقدم التقنی والقوه المادیه والصناعیه عبر المنهج العلمی الاستقرائی، ان هذه الحضاره کما سلمت به (المنهج الاستقرائی) فی مجال العلم والتکنولوجیا علیها ان تسلم به فی مجال الاعتقاد والایمان بالله.. ان المنهج الذی قاد إلى کل هذا الزخم العلمی والتقنی یقود.. بنفس الخطوات إلى الایمان بالله عزوجل إنه التحدی الکبیر الذی یُجابِهُ بِهِ باقر الصدر أرباب الحضاره الغربیه والاختبار الصعب للضمیر الإنسانی الغربی ومصداقیته.. لانه ان کان حقاً صادقاً لا تمزقه ازوداجیه مریضه لماذا لا یسلم بالنتائج على الصعید الثانی ویلتقی بالغایه المقصوده؟
إن باقر الصدر.. بنى بنظریته هذه القاعده المنهجیه المعرفیه الصلبه للحوار مع الغرب.. وهذه القاعده تمثّل حاجه ماسه خاصه فی ظل الدعوات الملحه والمتکرره لحوار الحضارات.. لیکون حواراً مرتکزاً على اسس علمیه ولا یتحرک فی فراغ.. ان المذهب الذاتی للمعرفه یمکن أن یشکّل الاطار المعرفی لهذا الحوار وبالتالی یقرب الهوّه بین الشرق والغرب لیلتقیا على کلمه سواء (معرفه الله).
وفی الوقت الذی یعلن الغرب فیه موت الإنسان یعمّق ویؤصل مفکرنا العظیم (نظریه الإنسان) ویقدّم بحوث العقیده على أنها نظریه للإنسان والحیاه.. وطریق الخلاص.. فی الوقت الذی ینظر فیه الغرب لموت الإنسان وضیاع المعنى.. وتلاشی القیم یعلن باقر الصدر قیام الإنسان وانتصار القیم وحتمیه الخلاص.. الخلاص للارض وللبشریه جمعاء.. لان الإسلام فی حله للمشکله الاجتماعیه وفی أطروحاته العقائدیه والفکریه لا یفرق بین إنسان وإنسان.. إنه یحمل حلم البشریه وهمومها.. بدون انغلاق على فئه أو عرق أو مذهب: وهذا دیدن الصدر فی مسیرته العلمیه وجهوده الجباره فی صیاغه النظریه الإسلامیه.
انه یحمل هموم الإنسان.. ویقترح حلا اجتماعیاً للإنسان.. ویقدم منهجاً معرفیاً لکل انسان.. یمکن أن یوصله إلى الرؤیه الکونیه التوحیدیه وهو عندما یناقش المدارس والمذاهب الأخرى، ولقد بارز أهم التیارات الفکریه المعاصره یناقشها بکل موضوعیه وتجرد.. متنزهاً عن کل تعصب أو افتراء حتى ان اصحاب هذه الاتجاهات یقرون بأن عَرْضَهُ لاطروحاتهم بلغت من النزاهه ما یفوق التصور.
لقد تجاوز باقر الصدر أطر التاریخ الغارقه فی الجدل.. لیدخل فی حوار إنسانی مفتوح یستهدف بناء المنهج الصحیح والاقتناع بالحل الامثل.
ومن الغریب حقاً أن یرمی (فهمی جدعان) رموز الفکر الإسلامی المعاصر بأنهم لم یرصدوا التحولات العلمیه والفلسفیه الحدیثه فی معرض إثبات التوحید یقول: (لکن مشکله رواد هذا التطور انهم لم یتابعوا بالجدیه الکافیه سیر العلم الحدیث والفلسفه الحدیثه وتطوراتهما من أجل تأسیس المبدأ نفسه مبدأ التوحید فهم قد ظلوا فی الغالب الأعم یدورون حول حلقه الأدله القدیمه التی لم تعد تعنی فی الواقع شیئاً ذا بال فی عالم بات یلزم أهله بإعاده النظر فی أنماط المعرفه والعقل الموروث کله)(۵)… ان تغییب باقر الصدر وأمثاله کمطهری والسید الطباطبائی.. هو الذی أوقع الجدعان فی الوهم.. وإلاّ فان إطلاله على إنتاج هؤلاء الفلاسفه وعلى نتاج الصدر خاصه (فلسفتنا واقتصادنا والأسس المنطقیه) کافیه للکشف عن باع هؤلاء عامه والصدر خاصه فی مقارعه الفلسفه الحدیثه والنظریات العلمیه الجدیده واستفادتهم من هذه الثقافه المعاصره فی تأصیل النظریه الإسلامیه وتشیید أرکانها.
هذه هی النزعه الموضوعیه الانسانیه.. التی تستهدف الیقین والاقناع وتتعالى عن الجدل والتمذهب یکرّسها باقر الصدر أیضاً فی حواره مع الاتجاهات الأخرى داخل الفکر الإسلامی.. فرغم تعاطیه مع أکثر المسائل حساسیه فی تاریخنا الإسلامی (خلافه رسول الله(صلى الله علیه وآله) ومسأله ولایه الإمام علی(علیه السلام) وقضیه فدک.. ودور الأئمه(علیهم السلام) فی التاریخ ومسأله الإمام المهدی(علیه السلام)).. ورغم النفس المذهبی الطاغی فی التعامل مع مثل هذه القضایا.. إلاّ أن باقر الصدر استطاع أن یبحث هذه المسائل باسلوب علمی رصین استفاد فیه من الآلیات والتحولات المنهجیه التی ابتکرها.. وادرک نتائج هامه.. لا تزال مثار بحث وتحلیل العدید من الدراسات.
لقد انطبع خطابه السیاسی أیضاً بهذه السمه حیث حرص أن یکون رمزاً.. لکل المسلمین فی العراق(۶).. بل لکل العراقیین حتى وصفته الصحافه البرطانیه فی السنوات الأخره بأنه کان مؤهلا لیجسد ماندیلا العراق(۷).
____________
۱- محمد باقر الصدر، الإسلام یقود الحیاه، (م. س) ص۲۰۲٫
۲- جعفر آل یاسین، الفکر الإسلامی عند العرب، دار المناهل، ۱۹۹۳ ص۹۸٫
۳- الشهرستانی، الملل والنحل، تحقیق محمد سید کیلانی، ص۱۶٫
۴- میثم الجنابی، علم الملل والنحل، مؤسسه عیبال للدراسات والنشر، ص۵۳٫
۵- فهمی جدعان: اسس التقدم، (م. س)، ص۵۴۴٫
۶- انظر النداءات الثلاثه الأخیره.
۷- الفینانشال تایمس: ۱۲ آذار ۱۹۹۷ مقاله للصحفی الشهیر ادورد مورنمر عن محمد باقر الصدر (الرجل الذی کان من الممکن أن یکون ماندیلا العراق) (نقلا عن تجدید الفقه الإسلامی لشبلی ملاط ص۱۱).