الإیمان والبواعث الحضاریه
﴿ وَالتِّینِ وَالزَّیْتُونِ * وَطُورِ سِینِینَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِینِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِی أَحْسَنِ تَقْوِیمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِینَ * إِلَّا الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَیْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا یُکَذِّبُکَ بَعْدُ بِالدِّینِ * أَلَیْسَ اللَّهُ بِأَحْکَمِ الْحَاکِمِینَ ﴾ ۱ .
ما هی العلاقه المثلى بین الدنیا والآخره ؟ وکیف یجب على الإنسان المؤمن أن یجعل إیمانه بالآخره متصلاً بحرکته بالدنیا ، وحرکته بالدنیا مرتبطه بإیمانه بالآخره ؟
إن الناس حیال هذا الأمر على عده أقسام ؛ ففریق منهم یفصل بین الأمرین ؛ بین حیاته فی الدنیا وحقیقه الآخره ، فتراه ـ مثلاً ـ حینما یدخل المسجد یجد نفسه فی روضه من ریاض الجنه وفی رحاب الآخره ، فهو یتعبد ویذکر اللَّه کثیراً ویلجأ إلى اللَّه لیخلصه من عذاب نار جهنم ، إلا أنه سرعان ما تتغیر سلوکیاته وتوجهاته القلبیه بخروجه من المسجد وهو یذهب إلى خضم الحیاه . . إلى السوق . . المعمل . . المدرسه . . ، فیتحول ـ نعوذ باللَّه ـ إلى إنسان ماکر وکائد ، یلهث وراء زخرف الحیاه الدنیا ، ناسیاً حینها أحکام الشریعه وقیم السماء السامیه . . إنه یدخل إلى الحیاه الدنیا دون أن یلزمنفسه برادع أو کابح .
وفریق آخر من الناس ، تجده یترک الدنیا ویتجه إلى الآخره ، ویزعم أنه لو وجد صومعه فی أعلى جبل وترهبن فیها ذاکراً وصائماً ، قائماً وقاعداً ، متوجهاً إلى البارئ تعالى ، فإن هذا العمل سوف یقربه إلى اللَّه سبحانه ویحصل على السعاده الحقیقیه .
والفریق الثالث تلحظه تارکاً الآخره مطلقاً ، فهو لا یرى حتى باب المسجد ، وقد وضع القیم وآیات الکتاب المجید وراء ظهره ، فیهرب من ( قیود ) قیم السماء کهروبه من الأسد .
إن هذه الفرق والأقسام الثلاثه من الناس کلهم سوف یکونون إدام النار وحطب نار جهنم ؛ فالذی یترک أهله ومجتمعه جائعین ویدع أمته عرضه لصولات وجولات العدو المستکبر ، ویلتجئ إلى کهف أو صومعه أو . . مثل هذا الإنسان یکون أقرب إلى عدم التقید والالتزام بحقائق القیم السماویه وإن تمسک وتنسّک بظاهرها وقشورها .
إن اللَّه سبحانه فرض على الناس واجبات وفرائض ، کالجهاد والکد على العیال ، کما أوجب الأمر بالمعروف والنهی عنالمنکر . . وهذه الفرائض هی من صمیم القیم الإلهیه التی سنّها سبحانه لتحقیق سعاده الناس فی الدنیا والآخره معاً .
وفی هذا المجال یروى أن الإمام الحسین علیه السلام لدى خروجه إلى کربلاء دعا بعض أهل المدینه للحاق به والوقوف أمام ظلم وفساد یزید وبنی أمیه ، فأجابه قائلاً : إن صلاه رکعتین فی مسجد النبی أثوب عندی من أن أخرج معک !؟ . . إن هذا الکلام بعید عن روح الدین وحقائق الواقع ، لأن هذه الأماکن المقدسه کمسجد النبی والکعبه المشرفه ، لم تسلم أیضاً من جرائم و بطش یزید و زبانیته حینما اعتدت جیوش یزید على الکعبه المشرفه ورشقوها بالمنجنیق فأخذ الدم یسیل فیداخل المسجد الحرام ، وانتهکت أعراض المؤمنین والمؤمنات فی مدینه الرسول ، حتى لم تسلم بنت فی هذه المدینه حینها من الاعتداء الجنسی!
إن هذا الشخص وأمثاله یتصورون أن مجرد الانصراف لأداء بعض الرکعات سوف یضفی قدسیهً على الدین وقیمه ، إنهوأمثاله ترک حمل السلاح وجعل فریضه الجهاد وراء ظهره متصوراً أن ذلک سوف ینجیه من نار جهنم .
التدافع سنه إلهیه
إن اللَّه سبحانه وتعالى یؤکد فی کتابه الکریم على حقیقه ( التدافع ) کسنه إلهیه ، فیقول : ﴿ … وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِیَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ یُذْکَرُ فِیهَا اسْمُ اللَّهِ کَثِیرًا وَلَیَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن یَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِیٌّ عَزِیزٌ ﴾ ۲ . إن المساجد بحاجه إلى رجال یدافعون عن حریمها وحرمتها ، فاللجوء إلى قمه جبل والانشغال بالعباده وترک المجتمع یتضور جوعاً ویتعرض إلى الجهل والاستعباد ، إن هذا العمل لیس له قیمه عند اللَّه سبحانه .
وقد روی أنه لما توفی ابنٌ لعثمان بن مظعون فاشتد حزنه علیه حتى اتخذ من داره مسجداً یتعبد فیه ، فبلغ ذلک رسول اللَّه صلى الله علیه وآله وسلم فأتاه فقال له: ( یا عثمان ؛ ان اللَّه تبارک وتعالى لم یکتب علینا الرهبانیه ، إنما رهبانه أمتی الجهاد فی سبیل اللَّه . . ) ۳ ، وقال صلى الله علیه وآله وسلم: ( سیاحه أمتی الجهاد ) ۴ ، فالدین الذین لا یتدخل فی الشؤون الاجتماعیه والسیاسیه للمجتمع لا یمکن أن یحقق أهدافه المرجوه ، حتى النبی عیسى علیه السلام لم یکن دیدنه ـ کما یتصور البعض خطأ ـ الرهبنه وترک الدنیا ، بل إنها ﴿ … وَرَهْبَانِیَّهً ابْتَدَعُوهَا … ﴾ ۵ .
إن الرهبانیه التی یراها الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله وسلم هی التوکل على اللَّه والدفاع المستمیت عن قیم السماء ، عبر الجهاد فی سبیل اللَّه ومقاومه الظلم ومحاربه الأعداء . وهذا هو المعنى الحقیقی للرهبنه التی یقول فیها الرسول صلى الله علیه وآله وسلم: ( رهبانیه أمتی الجهاد ) . . أی أن قیمه التسامی والتقرب إلى اللَّه تکمن فی جوهر التصدی لقیم الزیف والزیغ والباطل ؛ بل حتى سیاحه الإنسان المؤمن وفرحه واُنسه تکمن فی الذود عن حریم الرساله والدفاع عن حقوق المقهورین والمضطهدین .
ممارسات قشریه
إن هذا الفریق الذی یترک الدنیا ویتعبد بقشور الدین هارباً من لباب الدین وجوهره ومغزاه ، هو أبعد ما یکون عن منهجیه وسیره الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله وسلم ، وأهل بیته الأطهار الذین کانت حیاتهم کلها تحدٍّ وتصدٍّ لأسباب الظلم والتعسف ،حتى نالوا جمیعاً وسام الشهاده ، فتقربوا واختصروا الطریق الى اللَّه سبحانه وتعالى .
أما الفریق الثانی الذی یفصل بین الدنیا والآخره ؛ فهو شعاره ( ما للَّه للَّه ، وما لقیصر لقیصر ) و ( ما للمسجد للمسجد ، وما للسوق للسوق ) هذا التوجه وطریقه التفکیر تصنع من المرء رجلاً ازدواجیاً و مصلحیاً یلهث وراء شهواته لیلتهمها ، ثم یلجأ الى المسجد وأداء بعض قشور العبادات لیغطی على سوءاته ، إنه یقول لک: انظر فی المسجد ماذا یقول لک الخطیب ، انظر الى إمام الجماعه کیف یرکع ویسجد ویقوم ، افعل کما یفعل الإمام ، ولکن فی السوق انظر ماذا تقول لک ( البورصه ) ، وما الذی ینفعک فادخل فیه ، ولا شأن لک بغیر ذلک . إنه لا یهمه من صفقته التجاریه فیما لو أضرّت باقتصاد البلد والمجتمع ، إنه یتصور کأن السوق لا یحکمه قانون اللَّه .
إن اللَّه سبحانه لا یتقبل صلاه هذا الفریق فکیف بسوقه وتجارته ، فالذی یصلی فی المسجد ونیته الخروج منه لزرع الفساد والظلم فی الأرض ، هذا من الذین لا تقبل أعمالهم العبادیه الظاهریه ، لأن اللَّه سبحانه یقول : ﴿ فَوَیْلٌ لِّلْمُصَلِّینَ * الَّذِینَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِینَ هُمْ یُرَاؤُونَ * وَیَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ ۶ فصلاه هذا الفریق لا قیمه لها ، لأنها لا تنهى عن الفحشاء والمنکر .
أما الفریق الثالث الذی یخوض فی الدنیا مع الخائضین ولا یهتم بالمسجد ولا بالأحکام والقیم الشرعیه والإلهیه ؛ فهو الآخر سوف یؤول مصیره إلى نار جهنم ، لأنه لا یهتم فی الدنیا إلاّ بما یرضی شهواته وغرائزه الحیوانیه الزائله .
یبقى الفریق الرابع من الناس ، وهو الفریق الذی ینجو من نار جهنم ویضمن سعاده الدارین ، هو ذلک الذی یجعل الدنیا مزرعه لآخرته ، وتصبح الآخره هدف الدنیا بالنسبه له ؛ بل یرى الحیاه کلها بأبعادها وجوانبها المختلفه والمتعدده فیمحضر اللَّه سبحانه . . ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِی وَنُسُکِی وَمَحْیَایَ وَمَمَاتِی لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ ﴾ ۷ . . إنه لا یفرق فی کل حرکه یقدم علیها بین الدنیا والآخره ، فهو یتحرک فی الدنیا ببواعث الآخره ، وهذا الفریق من الناس هو الذی یسلک الطریق السلیم والقویم الذی یشیر إلیه سبحانه فی سوره ( التین ) ، والتی تصور هذه السوره المبارکه معالم الحضاره الإلهیه التی یبعث فیها الإنسان روح التحرک والفاعلیه . . ﴿ وَالتِّینِ وَالزَّیْتُونِ * وَطُورِ سِینِینَ ﴾ ۸ إنه سبحانه وتعالى یشیر إلى الماده الحیویه والغذائیه التی تنفع جسم الإنسان وتغذّیه وتطعمه لیتمکن بسببها من بناء معالم الحضاره الإلهیه على الأرض . فالتین فهو من الفواکه الطیبه التی تقضی على کثیر من الأمراض ، کداء ( النقرص ) أو یصطلح علیه بـ ( داء الملوک ) والذی أصبح الیوم داء شائع بین الناس ، فهو ینظم حرکه الدم فی جسم الإنسان . وکذلک ( الزیتون ) والذی یعتبر غذاءً وإداماً مقویاً لجسم الإنسان ، وإن زیته مفید للجسم دون إحداث مضاعفات ، فزیت الزیتون لا یضر بکبد الإنسان ، کما تضر الدهونات الأخرى ، فلذا ینصح الأطباء المرضى أو المصابین بارتفاع فی نسبه ( الکلسترول ) فی الدم إلى تناول زیت الزیتون .
معالم الحضاره الإلهیه
إذاً ، فالتین دواء والزیتون غذاء . . ﴿ وَطُورِ سِینِینَ ﴾ ۹ أی ذلک الجبل المتوسط الذی انتشرت على روابیه أشجار الزیتون ، لتشکل هذا المنظر الجمیل الذی یوحی إلى اعتدال الهواء فیه ، لأن الزیتون لا ینمو إلاّ فی المناخ المعتدل . . ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِینِ ﴾ ۱۰ . . هو ذلک التجمع الإنسانی الحضاری المتکامل الذی یکتنفه عنصر الأمن .
إن الأمن من العناصر الحیاتیه الضروریه التی تحتاجه کافه الکائنات الحیه وبالذات الحیاه البشریه ، فلو کانت لنا حضاره متقدمه وراقیه ولکن لیس فیها أمن ، فما فائده تلک الحضاره وصرحها الشامخ ؟ فلو قالوا لک مثلاً ؛ هناک قصر منیف جداً ولکن فیه ( جن ) ، فحتى لو باعوه لک مجاناً ، فهل على استعداد لتسکن فیه ؟!
نتذکر أن أیام القصف الصدامی على عاصمه الجمهوریه الإسلامیه وبسبب توالی الصواریخ کان الناس یخرجون من المدینه ویترکون وراء ظهورهم البیوت الکبیره والقصور والشوارع و . . ویلجؤون إلى القرى والفیافی بحثاً عن الأمان!
إذن ، فاللَّه سبحانه هیأ للإنسان الفاکهه وهیأ له الإدام المناسب ، ووفر له الموقع الحصین والجمیل والرابیه الخضراء ﴿ وَطُورِ سِینِینَ ﴾ ۹ ومنحه الأمن والتعاون . . فکل هذه هی آلاء ونعم إلهیه یقسم اللَّه تعالى بها بعد أن وفرها جمیعاً لمصلحه الإنسان . . ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِی أَحْسَنِ تَقْوِیمٍ ﴾ ۱۱ ، هذا الإنسان الذی یستطیع أن یحرث الأرض ویستنبتها ویطعم نفسه بالتین والزیتون الذی یحافظ على أمنه وأمانه من أسباب الخوف والرعب کالزلازل والحروب ؛ إن هذا الإنسان خلقه سبحانه وتعالى خلقه قویمه ومتکامله لا یعتریها نقص ولا یشوبها عوز ، لقد منح بالعقل الذی هو قوام التطور والانطلاق لتشیید صرح حضارته البشریه ، فهو یمتاز عن کافه الکائنات الحیه الأخرى بالقدره على التفکیر وتطویر الأسالیب والوسائل العملیه والتعاون مع الآخرین لبناء مدنیته ، وهذا مالم ولن تقدر علیه الحیوانات .
بین قوام الإنسان و تسافله
ولکن نفس هذا الإنسان القویم والمتکامل ، بإمکانه ـ بین عشیه وضحاها ـ أن ینزل إلى مستوى حتى دون مستوى الوحوش الکاسره ، فتراه یختلف مع زمیله فیتراشق وإیاه بالکلمات والاتهامات ، فیتحول إلى نزاع ، ثم إلى معرکه یستنجد بها کل طرف بقبیلته أو جماعته ، فتشتعل الحرب الضاریه بین الطرفین ، فتحیل الحضاره والمدنیه التی شیدها إلى أنقاض ورماد . هذا الإنسان هو الذی یخرب بیته بیده فیتسافل بعد أن خلقه اللَّه سبحانه وتعالى عظیم الشأن والمنزله إلى مرتبه أدنى من مرتبه ومقام الحیوانات ، لأن الحیوانات قد تأکل بعضها بعضاً بحثاً عن رزقها وطعامها الضروری والحیاتی ، إلا أنها لا تنهش کیاناتها وتجمعاتها ، غیر أن هذا الإنسان یتسافل فی حیوانیته لینهش لحم أخیه ویدمر وجوده وحضارته . . ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِینَ ﴾ ۱۲ ﴿ إِلَّا الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ … ﴾ ۱۳ . . ما هو العمل الصالح ؟ فالبعض یفسره بأداء الصلاه أو الصوم أو الحج وباقی الفروع العبادیه ، إلاّ أننی اعتقد أن هذا إیمان ولیس عملاً صالحاً ، إنما العمل الصالح هو الذی له منفعه ومصلحه للأمه وللمجتمع . فالکاسب و الکادّ على عیاله الذی یذهب إلىالسوق ویحترف التجاره ویحصل على المال الحلال فإنه یعمل عملاً صالحاً ، فکسب المال إذاً کان الهدف منه إشباع العیال وخدمه المجتمع ، فهو عمل صالح ویؤجر المرء علیه لما یقدم خدمه للمجتمع وللآخرین .
وقد روی عن رسول اللَّه صلى الله علیه وآله وسلم ، أنه قال: ( من سعاده المرء المسلم الزوجه الصالحه ، والمسکن الواسع ، والمرکب البهی ، والولد الصالح ) 14 .
ومن کلام لأمیر المؤمنین الإمام علی علیه السلام بالبصره ، وقد دخل على العلاء بن زیاد الحارثی ـ وهو من أصحابه ـ یعوده ، فلما رأى سعه داره ، قال : ( ما کنت تصنع بسعه هذه الدار فی الدنیا ، وأنت إلیها فی الآخره کنت أحوج ؟ وبلى إن شئت بلغت بها الآخره ، تقری فیها الضیف ، وتصل فیها الرحم ، وتُطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذا أنت قد بلغت بها الآخره ) ۱۵ .
وأتذکر فی أخریات حیاه المرحوم والدی رحمه الله کان یجتهد فی بناء بیت لأحد الأقارب ، وکان یهتم کثیراً بهذا الأمر وهو کبیر السن قد تجاوز الثمانین ، فقلت له: سیدنا! کیف تتعب نفسک وأنت فی هذا العمر ؟ فقال ـ رحمه اللَّه ـ : إنه لیس لی أجر فی الدنیا من ورائه ، ولکن أرید أن یجلس الأقارب فیه ثم یترحّمون علیَّ بعد وفاتی .
إن الحیاه التی ألفها المؤمنون سابقاً کانت مشفوعه بالتعاون والتواصل ، فکان الناس ینظفون طرقهم بأیدیهم ـ ولم تکنفی السابق مدیریه البلدیه ـ وکان یضع کل منزل مشکاهً ومصباحاً فوق داره لیضیء الدار وطریق الماره ، وکانوا یتسابقون فی إماطه الأذى عن طریق الناس . . ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِی الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا … ﴾ ۱۶ .
إنک ترى فی بعض بلداننا کراسی حافلات نقل الرکاب ملوثه وأعقاب السجائر مرمیه هنا وهناک ، وکأن الناس قد نسوا الحدیث الشریف الذی قاله الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله وسلم: ( النظافه من الإیمان ) 17 .
الحضاره الإلهیه ؛ قمه الرقی المعنوی و المادی
إن بلادنا الإسلامیه ینبغی أن تکون أرقى بلدان العالم على کافه النواحی والأصعده کافه ، سواء فی مجال الصناعه و الزراعه و التکنولوجیا ؛ بل یجب أن نحوز على الرقم القیاسی فی هذا المجال ، وذلک لأن المؤمن هو الذی یعمر دنیاه ببواعث الآخره ، لأن الدنیا فی رؤیته مزرعه الآخره ، ولهذا نحن عندما نراجع مصارف الزکاه فی سبیل اللَّه فی الکتب الفقهیه ـ ککتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلی ـ نرى أنواع المصارف المتعدده لهذه الفریضه ، کبناء القناطر والجسور و الطرقات والمدارس والمساجد . فالمسجد أو الجسر لا یختلف ثواب بنائه عن الآخر .
فإذا کان الإنسان الکافر والمشرک یعمر ویبنی دنیاه بدوافع مادیه بحته ، فالمؤمن یعمر الدنیا بدوافع أخرویه إلهیه أیضاً .
إن آباءنا وأجدادنا السابقین تمکنوا من أن یشیدوا مدنیتهم المادیه بدوافع معنویه کبیره ، حتى ذهلت منها عقول العلماء المعاصرین ، فکانت کلها بدوافع إیمانیه نبیله ، فتلحظ فیها کافه صور الإبداع والخلاقیه ، فتتعجب من دقه العمل وذوق التفنن ، فترى الجسور التی بنیت على نهر اصفهان والمعروفه بـ ( ۳۳ جسراً ) قد فاقت فی إبداعها الجسور الحدیثه رغم مرور مئات السنین على بنائها ، بل قد ترى بعض الجسور الحدیثه سرعان ما تتهدم لمجرد تعرضها لعارض بسیط .
من هنا ، یجدر بنا فی نهضتنا الحضاریه أن لا نألوا جهداً فی التزود الإیمانی ، مضافاً إلى الحصول على علوم الحیاه .
وربنا سبحانه وتعالى یقول : ﴿ إِلَّا الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَیْرُ مَمْنُونٍ ﴾ ۱۸ یعنی أن أجرهم لاینقطع ، لأنه مبارک ، وتستمر برکته إلى الأبد . . ﴿ فَمَا یُکَذِّبُکَ بَعْدُ بِالدِّینِ * أَلَیْسَ اللَّهُ بِأَحْکَمِ الْحَاکِمِینَ ﴾ ۱۹ ، إنعملک الصالح یجزیک اللَّه ازاءه خیر الدنیا والآخره ۲۰ .
___________________________________________________
۱٫ القران الکریم : سوره التین ( ۹۵ ) ، الآیات : ۱ – ۸ ، الصفحه : ۵۹۷ .
۲٫ القران الکریم : سوره الحج ( ۲۲ ) ، الآیه : ۴۰ ، الصفحه : ۳۳۷ .
۳٫ بحار الأنوار : 8 / 170 .
۴٫ المصدر : 40 / 328 .
۵٫ القران الکریم : سوره الحدید ( ۵۷ ) ، الآیه : ۲۷ ، الصفحه : ۵۴۱ .
۶٫ القران الکریم : سوره الماعون ( ۱۰۷ ) ، الآیات : ۴ – ۷ ، الصفحه : ۶۰۲ .
۷٫ القران الکریم : سوره الأنعام ( ۶ ) ، الآیه : ۱۶۲ ، الصفحه : ۱۵۰ .
۸٫ القران الکریم : سوره التین ( ۹۵ ) ، الآیه : ۱ و ۲ ، الصفحه : ۵۹۷ .
۹٫ a. b. القران الکریم : سوره التین ( ۹۵ ) ، الآیه : ۲ ، الصفحه : ۵۹۷ .
۱۰٫ القران الکریم : سوره التین ( ۹۵ ) ، الآیه : ۳ ، الصفحه : ۵۹۷ .
۱۱٫ القران الکریم : سوره التین ( ۹۵ ) ، الآیه : ۴ ، الصفحه : ۵۹۷ .
۱۲٫ القران الکریم : سوره التین ( ۹۵ ) ، الآیه : ۵ ، الصفحه : ۵۹۷ .
۱۳٫ القران الکریم : سوره التین ( ۹۵ ) ، الآیه : ۶ ، الصفحه : ۵۹۷ .
۱۴٫ بحار الأنوار : 73 / 155 .
۱۵٫ نهج البلاغه ، خطبه رقم 209 .
۱۶٫ القران الکریم : سوره الأعراف ( ۷ ) ، الآیه : ۵۶ ، الصفحه : ۱۵۷ .
۱۷٫ بحار الأنوار : 59 / 291 .
۱۸٫ القران الکریم : سوره التین ( ۹۵ ) ، الآیه : ۶ ، الصفحه : ۵۹۷ .
۱۹٫ القران الکریم : سوره التین ( ۹۵ ) ، الآیه : ۷ و ۸ ، الصفحه : ۵۹۷ .
۲۰٫ کتاب : الحضاره الإسلامیه ، آفاق و تطلعات ، الفصل الأول : رؤى قرآنیه فی الحضاره .