الحکمه من تشریع التوبه

0

من المسائل المهمه فی بحث التوبه هو تحلیلها وبیان الحکمه من تشریعها، وذلک لأنّ القرآن قد أولى التوبه عنایه فائقه حیث دعا جمیع المذنبین والعاصین والمتمردین على اللّه إلى الإنابه والرجوع إلیه سبحانه والندم على ما صدر منهم، فخاطب الجمیع بقوله سبحانه:
( قُلْ یا عِبادِیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَهِ اللّهِ إِنَّاللّهَ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمیعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحیمُ ) .( [۱])
صحیح انّ الآیه تحدّثت عن غفران الذنوب جمیعها ولم تتحدث عن التوبه بصوره صریحه هنا، إلاّ أنّه یمکن ومن خلال الالتفات إلى المفاهیم القرآنیه القول أنّ غفران الذنوب فی الحقیقه یتم فی ظل مجموعه من العوامل التی من أهمّها التوبه والندم، وانّ تأثیر باقی العوامل أقلّ من تأثیر التوبه والندم.
یقول سبحانه فی آیه أُخرى:
( …وَتُـوبُوا إِلَى اللّهِ جَمیعـاً أَیُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ ) .( [۲])
إنّ هدف التوبه ـ بمعنى التوجّه إلى اللّه سبحانه ـ لا ینحصر فی الندم على الذنب والمعصیه، بل ـ و کما سنوضح ذلک لاحقاً ـ انّ عوده الأنبیاء والأولیاء إلى اللّه سبحانه تشملها الآیه الداعیه إلى العوده إلى اللّه والتوبه بصوره مطلقه والتی طرحت التوبه باعتبارها أصلاً کلیّاً وعامّاً.
وبالالتفات إلى هذا الوعد والعنایه الشامله، وقع البعض فی حیره وإشکال فی فهم حکمه هذا التشریع،ولذلک أطالوا التفکیر فی المسأله وخلصوا إلى أنّ: الإعلان عن قبول التوبه یمثّل فی واقعه دعوه إلى ارتکاب الذنوب واقتراف المعاصی، إذ بإمکان العباد الاتّکاء على هذا الأصل واقتراف المعاصی على أمل التوبه من الذنوب فی المستقبل، لأنّ الباب مفتوح أمامهم ولا داعی إلى إلزام أنفسهم من الأوّل بالطاعات والعبادات، بل لهم أن یلتذّوا بما حرّم اللّه فتره من عمرهم ثمّ بعد ذلک یتوجّهون إلى اللّه بالتوبه والإنابه واللّه غفور رحیم.
وبالطبع انّ هذا الإشکال لا یختص بتشریع التوبه فقط، بل أنّ هذا التفکیر الساذج یصدق فی کلّ عمل اعتبره الإسلام سبباً وعاملاً فی غفران الذنوب، فعلى سبیل المثال: إنّ المخالفین لفکره الشفاعه تعلّقوا بنفس الإشکال المطروح، وبما أنّ بحث سر وحکمه الشفاعه یبحث فی محله، نکتفی هنا فی البحث عن حکمه وفلسفه تشریع «التوبه» وبالطریقه التالیه: من الصفات البارزه التی وصف القرآن الکریم بها الأنبیاء هی صفتی الرجاء والأمل بالوعد والرحمه الإلهیه والخوف والخشیه من عذابه سبحانه فهم(علیهم السلام) یعیشون بین الخوف والرجاء، ففی الوقت الذی یستشعرون حاله الخوف من عذاب البرزخ ترنوا أبصارهم إلى جنه الخلد التی وعد بها المتّقون، وقد عبّر سبحانه عن هذه الخصله الحمیده للأنبیاء والأولیاء بقوله:
( …وَیَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَکانُوا لَنا خاشِعینَ ) .( [۳])
وأنت إذا لاحظت آیات الذکر الحکیم تجد أنّها دائماً تتحدّث عن البرزخ والعذاب وتقرنه بالحدیث عن الجنه والنعیم الإلهی، انّ هذا التقارن یحکی أنّ مجال التربیه والإصلاح وتهذیب أخلاق الإنسان وسوقه إلى اللّه وإلى الخصال الحمیده لا یتم من خلال التخویف والإنذار و التهدید فقط، بل لابدّ أن تنمّى إلى جانب ذلک حاله أُخرى وهی حاله بعث الأمل والرجاء فی النفوس، ویقال للعباد: إن کان للّه سبحانه عذاب ونار فإنّ لدیه أیضاً جنه ونعیماً لکی لا یحوم الإنسان حول الرذائل والقبائح وینفض عن کاهله غبارها ودنسها فیما إذا کان قد ارتکب فی یوم ما شیئاً منها، ولا ییأس ولا یقنط من رحمه اللّه الواسعه، ویعیش حیاته بین الرجاء والخوف.
ولقد وصف القرآن الکریم الأنبیاء والرسل بأنّهم المنادون بالخوف والرجاء وبالعذاب والرحمه حیث قال سبحانه:
( کانَ النّاسُ أُمَّهً واحِدَهً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِیِّینَ مُبَشِّرینَ وَمُنْذِرینَ… ) .( [۴]) إلى هنا اتّضح وبصوره إجمالیه دور الأمل والرجاء فی حیاه الإنسان، وهذه المسأله بدرجه من الوضوح بحیث لا تحتاج إلى أکثر من ذلک، ولکن المهم هو التذکیر بأنّ الوعد بقبول التوبه وتحت شروط خاصه، یُعدّ فرعاً من فروع بعث الأمل فی نفس الإنسان المذنب والعاصی، والمتمرّد على القوانین الإلهیه، بأن یعید النظر فی مواقفه وما ارتکبه من الذنوب والمعاصی وأن یصحّح مسیرته ویطهر سریرته وذاته ویتحوّل إلى إنسان مستقیم الطریقه مرضی الخصال ولیس التوبه ـ کما تصوّرها المستشکل ـ محفزاً وباعثاً على الذنوب والتمرّد على القوانین والأحکام الإلهیه، وتوضیح ذلک:
لا ریب أنّ الإنسان غیر المعصوم، وخلال مسیره حیاته الطویله وتحت ضغط طغیان وجموح الغرائز والمیول النفسانیه، یرتکب سلسله من المعاصی ویقع فی الکثیر من المخالفات، ممّا یؤدّی إلى أن تسوّد صحیفه أعماله بالکثیر من الذنوب والموبقات.
فلو فرضنا انّ هذا الإنسان الذی وصل إلى هذا الطریق المنحرف، قد وجد نفسه أمام طریق مسدود وانّ الجسور بینه و بین ربّه قد قطعت جمیعاً، وانّ باب التوبه والإنابه قد أُوصد فی وجهه، ولم تترک له فرصه العوده إلى الطریق القویم، ماذا تراه سیفکّر حینئذ؟ ممّا لا ریب فیه أنّه وتحت حاله الیأس هذه یفکر بأنّه لم یبق أمامه إلاّ طریق واحد، وهو استغلال ما بقی من عمره فی الملذّات والاستجابه للغرائز والمیول مادام یشعر بأنّه معذّب على کلّ حال، فلماذا لم یتنعّم فی الدنیا على أقلّ تقدیر؟ ولا ریب أیضاً أنّه لا یفکّر ولو لحظه واحده فی إصلاح نفسه، لأنّه یعلم أنّ طریق الإصلاح قد سدّ فی وجهه، فعلیه مواصله طریق الموبقات. ولکن الأُسلوب الصحیح أن یفتح باب التوبه أمام هذا الإنسان لیعتقد أنّ اللّه القهّار والمعذّب و المعاقب هو نفسه اللّه الغفور الرحیم ( وَهُوَ الَّذی یَقْبَلُ التَّوبَهَ عَنْ عِبادِهِ وَیَعْفُوا عَنِ السییِّئاتِ ) .
ویعتقد انّه فیما إذا قرر إصلاح نفسه والعوده إلى طریق الصالحین ومنهج المؤمنین ونفض غبار الذنوب ودنسها وترکها إلى غیر رجعه، وأن لا یعصی اللّه أبداً ولا یخالف له أمراً، فإنّ اللّه سیعفو عنه ویغفر له ویتجاوز عن سیّئاته، وحینئذ سیکون مصیره مصیر الصالحین والطاهرین، فلا ریب أنّه سیقدم على اتّخاذ قرار العوده والإنابه إلى اللّه والتوبه إلى خالقه، ویسعى إلى إصلاح نفسه ویکون من المتّقین.
إنّ شعاع الأمل هذا سیحدث فی داخل الإنسان تحوّلاً عظیماً یتغیّر على أساسه نمط سلوکه ومنهجه فی الحیاه إذ کلّما اقترب من اللّه ابتعد عن الذنوب والمعاصی والموبقات.
ومن هنا یتّضح انّ التوبه لیست هی عامل حثّ وترغیب على المعصیه کما یقال، بل هی فی الحقیقه من أهمّ العوامل فی تقلیل نسبه الذنوب والمعاصی، وکثیراً ما یهتدی الکثیر من الناس المنحرفین والمذنبین فی الشطر الثانی من عمرهم ویتوجّهون نحو الطهر والنزاهه وحینها تقل نسبه الجریمه والذنوب فی المجتمع.
وأنت إذا ألقیت نظره على السجون فی العالم، وشاهدت الذین حکموا بأحکام طویله الأمد أو مدى الحیاه، أو بالأعمال الشاقه، فلو افترضنا أنّ من ضمن مقررات تلک السجون: انّ السجین الذی یثبت لدى المسؤولین على السجن ندامته على ما اقترف ویصلح ذاته ویغیّر أُسلوبه فی الحیاه ویتحوّل إلى إنسان مستقیم الطریقه، فإنّه ستشمله قوانین تخفیف العقوبه أو یطلق سراحه، فلو علم السجناء بهذه الفقره القانونیه التی تحیی فی نفوسهم الأمل فی العوده إلى الحیاه الحره والتخلّص من قیود السجن وقضبانه، فلا ریب أنّهم یحاولون الاستفاده من هذه الفرصه الذهبیه; وأمّا إذا لم توجد مثل هذه القوانین ولم یکن لتوبه السجین وندمه أیّ أثر فی تغییر مصیره، فمن الواضح أنّه لا یسعى إلى تغییر حیاته فی السجن، بل کثیراً ما یکون عامل إزعاج للمشرفین على السجن ویتحوّل إلى إنسان مشاکس أکثر ممّا هو علیه فی السابق.
ویظهر من بعض الآیات المبارکه أنّه کما أنّ التهدید بالعذاب والعقاب یمثّل أحد مرتکزات وأُسس إقامه الحجّه على العباد، کذلک الأمل والرجاء أیضاً یکون أساساً ومرتکزاً آخر لإقامه الحجه علیهم، ومن تلک الآیات قوله سبحانه:
( رُسُلاً مُبَشِّرینَ وَمُنْذِرینَ لِئَلاّ یَکُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّهٌ بَعْدَالرُّسُلِ… ) .( [۵])
ثمّ إنّ التوهّم السابق ـ الذی یرى أنّ التوبه تعدّ بمنزله الضوء الأخضر أمام الإنسان لارتکاب الذنوب واقتراف المعاصی ـ إنّما یصحّ ویصبغ نفسه بلون الدلیل فیما إذا اعتقدنا أنّ التوبه تقبل على کلّ حال وفی جمیع الشروط. ولکنّ الإمعان فی المسأله یظهر لنا أنّ للتوبه شروطاً خاصه کثیراً ما تکون غیر متوفّره لدى الإنسان المذنب و العاصی، فإذا لم یطّلع الإنسان على تلک الشروط ویدرک جیداً أثرها فلا یمکنه أبداً التوبه والخضوع للقانون، بل قد یکون بعضها غیر قابل للتوفّر فی المستقبل.
ومن الشروط التکوینیه للتوبه شرط بقاء الإنسان على قید الحیاه، ولا ریب أنّه لا یوجد مذنب على وجه الأرض یقطع باستمرار حیاته إلى الوقت الذی یقرر فیه التوبه، وحینئذ کیف یأمل فی التوبه مع هذا الشک والتردید فی بقاء حیاته لتتسنّى له التوبه، وکیف یرتکب الذنب على أمل أن یتوب فی المستقبل؟
نعم هناک بعض المجرمین یرتکبون الذنوب على أمل التوبه ولکن فی الواقع انّ هؤلاء یخدعون أنفسهم بعملهم هذا، وإذا لم یکن باب التوبه مفتوحاً أمامهم فإنّهم لن یمسکوا أیدیهم عن الاستمرار فی الجریمه والمعصیه، بل یتظاهرون بالتوبه أمام الناس.
نعم یمکن استغلال الأصل الصحیح والاستفاده منه بطریقه سلبیه، ولکن ذلک لا یکون سبباً للإمساک عن تشریع هذا الأصل التربوی المهم وحرمان الناس منه تحت ذریعه استغلاله من قبل البعض.
ثمّ إنّنا لابدّ أن ننظر إلى الأُمور نظره واقعیه، وأنّ نعترف بالحقیقه وإن کانت مرّه، وهی أنّ غالبیه الناس یقترفون المعاصی فی حیاتهم ویقترفون الذنوب و الآثام وانّ المعصومین والمنزّهین من الذنب والخطأ قلیلون جداً بعدد الأصابع،وبالنتیجه نعترف بأنّ الذنوب والمعاصی لا تنفک عن الفرد والمجتمع، سواء أکان باب التوبه مفتوحاً أم أُغلق باب التوبه فی وجوه المجرمین، ولا شکّ أنّه فی مثل هذه الحاله یکون لفتح باب التوبه وتشریعه أثرٌ فاعل فی سعاده الإنسان واستقراره لا فی شقائه وتعاسته أو….
نعم إذا کان إیصاد باب التوبه عاملاً فی مصونیه الفرد والمجتمع عن الذنوب، أو کان فتح باب التوبه سبباً وباعثاً «للتجرّی»، ففی مثل هذه الحاله یفقد التشریع حکمته وتفقد التوبه فلسفتها.
ولکن الواقع لیس کذلک، بل الحقیقه على خلافه، وذلک لأنّ الإنسان خلق وهو یحمل مجموعه من الغرائز والمیول القاهره التی قد تتغلّب على قدره العقل وسلطانه وتجرّه إلى الهاویه، وهذه ظاهره لا یمکن اجتنابها أو إنکارها فی حیاه الإنسان، وحینئذ لا یکون تشریع التوبه عاملاً مساعداً فی وقوع الذنب أو کثرته وانتشاره فی المجتمع، بل تعدّ التوبه نافذه أمل وبریق ضوء لتخلیص الإنسان من أسر الشهوات وتخلیصه من الشقاء والتعاسه.
إلى هنا اتّضح لناـ و من خلال ما ذکرنا ـ أحد الأسرار المهمه لتشریع التوبه، ومن المناسب جداً الإشاره إلى بعض الروایات التی أشارت بنحو ما إلى هذه الحکمه لتشریع التوبه:
۱٫عن محمد بن مسلم، عن أبی جعفر(علیه السلام) قال:«یا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفوره له» … قلت: فإن فعل ذلک مراراً، یذنب ثمّ یتوب ویستغفر؟ فقال(علیه السلام) :
«کلّما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبه عاد اللّه علیه بالمغفره، وإنّ اللّه غفور رحیم یقبل التوبه ویعفو عن السیّئات، فَإیّاکَ أَنْ تُقَنِّط المْؤْمِنینَ مِنْ رَحْمَهِ اللّهِ».( [6])
۲٫ وقال أمیر المؤمنین(علیه السلام) فی بعض کلماته القصار:
«الْفَقیهُ کُلُّ الْفَقیهِ مَنْ لَمْ یُقَنِّطِ النّاسَ مِنْ رَحْمَهِ اللّهِ، وَلَمْ یُؤْیِسْهُمْ مِنْ رَوْحِ اللّهِ، وَلَمْ یُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَکْرِ اللّهِ».( [7])
ففی هذا الحدیث أشار إلى عاملین من عوامل التربیه، أعنی: «الخشیه والرجاء»، فإنّ الاکتفاء بصفه الأمل والرجاء فقط هی من صفات الیهود أو من یسیر على منهجهم، فإنّهم لا یخشون ذنوبهم وجرائمهم مهما کانت عظیمه; وأمّا الذین یعیشون حاله الخوف والخشیه فقط فهؤلاء الناس یائسون والقانطون من رحمه اللّه سبحانه ولا یرون للتوبه أیّ أثر فی نجاتهم وخلاصهم من العذاب الأُخروی.
۳٫ کان الزهری عاملاً لبنی أُمیه فعاقب رجلاً ـ کما یروى ـ فمات الرجل فی العقوبه، فخرج هائماً وتوحّش ودخل إلى غار، فطال مقامه تسع سنین، قال: وحج علی بن الحسین(علیه السلام) فأتاه الزهری فقال له علی بن الحسین(علیه السلام) :
«إنّی أخافُ عَلَیْکَ مِنْ قُنُوطِکَ ما لا أَخافُ مِنْ ذَنْبِکَ فابعث بدیه مسلّمه إلى أهله، وأخرج إلى أهلک ومعالم دینک»، فقال له: فرّجت عنّی یا سیدی! اللّه أعلم حیث یجعل رسالته( [۸]).( [۹])
[۱] . الزمر: ۵۳٫
[۲] . النور: ۳۱٫
[۳] . الأنبیاء: ۹٫
[۴] . البقره: ۲۱۳٫
[۵] . النساء: ۱۶۵٫
[۶] . بحارالأنوار:۶/۲۰، باب۲۰، الحدیث ۷۱٫
[۷] . نهج البلاغه، الکلمات القصار، برقم ۹۰٫
[۸] . بحارالأنوار:۴۶/۱۳۲،وقد نقل العلاّمه المجلسی هذه الروایه عن مناقب ابن شهر آشوب، وقد وردت هذه القصه باختلاف یسیر فی کتاب مجموعه ورّام.
[۹] . منشور جاوید:۸/۲۱۴ـ ۲۲۰٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.