الإنسان وتفتح الکمالات وازدهارها

0

انّ تفتّح وازدهار المواهب والاستعدادات الإنسانیه، من المسائل المهمه فی «علم معرفه الإنسان»،وذلک لأنّ کلّ إنسان یخلق وهو یحمل فی داخله مجموعه من الاستعدادات والمواهب، وانّ امتیازه عن الآخرین وتفاضله یکمن فی تلک المواهب التی تتفتح شیئاً فشیئاً وتحت شرائط خاصه حیث تنتقل من مرحله القوه إلى الفعلیه.
وحینئذ لابدّ من السعی لمعرفه ما هی العوامل والأسباب التی یمکنها أن تفعّل تلک الثروه الطبیعیه والخزین الهائل من المواهب والقدرات والاستعدادات کی یصل الإنسان فی النهایه إلى کماله الوجودی وتطوّره الحقیقی؟
لقد وضّح القرآن الکریم هذه الطرق بصوره جلیه والتی منها:
۱٫ إعمال الفکر والتأمّل فی معرفه ذاته والعالم
إنّ المائز الأساسی بین الإنسان والحیوانات هو تلک القدره العقلیه والجهاز الفکری، وهذا المائز هو من الممیزات الأساسیه والمهمه، ولأهمیه الفکر والتأمّل والتدبّر فی الإسراع فی تطوّر الإنسان وتکامله نجد القرآن الکریم قد ذکر کلمه «العقل» فی ۴۸ مورداً، و «الفکر» 18 مره، وکلمه «اللب» 16 مرّه، و«التدبّر» أربع مرّات، وجاءت کلمه «النهى» التی هی مرادفه للعقل مرتین، وأمّا «العلم والمعرفه» الذی هو نتاج الفکر والتعقّل والتدبّر فقد جاء بجمیع مشتقاته فی القرآن الکریم ۷۷۹مرّه .
إنّ إحدى کمالات الإنسان الوجودیه هی معرفته بسر العالم وأسرار وخفایا الخلق بنحو یتمکن من خلاله قراءه لغه الخلق وفهم کوامنه بنحو یصبح العالم بعظمته أمامه وأمام الآخرین سهل الانقیاد له ومطیعاً لإرادته. وهذا بالطبع ممّا تکون له عوائد بنّاءه وفوائد جمّه فی رقی الإنسان وتکامله، ولا ریب انّ ذلک لا یمکن أن یحدث إلاّ فی ظل إعمال الفکر والتأمّل والتدبّر، وعلى هذا الأساس ونظراً لهذه الأهمیه للسیر الفکری نجد القرآن الکریم یذکر الإنسان بأنّه قد فتح عینیه على هذا العالم المترامی الأطراف وهو لا یعلم شیئاً ولا یدرک ما یحیط به من أسرار وخفایا وإمکانات هائله ولکنّه بإعمال عقله وفکره یتوصّل إلى السر الکامن فی هذا العالم الفسیح، وحینئذ لابدّ له أن یخضع للّه سبحانه وتعالى بالطاعه والشکر على هذه النعمه والموهبه التی منحها له، یقول سبحانه:
( وَاللّهُ أَخْرَجَکُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِکُمْ لا تَعْلَمُونَ شَیْئاً وَجَعَلَ لَکُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَوَالأَفْئِدَهَ لَعَلَّکُمْ تَشْکُرُونَ ) .( [۱])
۲٫ معرفه العلم الباعث على الکمال
صحیح انّ القرآن الکریم قد حثّ على التفکّر والتأمّل والتعمّق وإعمال الطاقات والقدرات فی عملیه تحصیل العلم والمعرفه، وفتح أمام الإنسان أبواب العلم والمعرفه، ولکنّه فی آیات أُخرى یؤکّد على حقیقه أُخرى وهی أنّه لیس کلّ علم أو معرفه یُعد عاملاً لکمال الإنسان وتفتّح قدراته وطاقاته وسموّه، بل العلم الذی یحمل هذه الخصیصه والمیزه هو العلم الذی یدور فی إطار خاص ویخضع لشرائط معیّنه، وانّ ما قد یقال من «انّ معرفه کلّ شیء خیر من عدم معرفته» غیر صحیح ولا یبتنی على أساس محکم، بل قد یکون فی بعض الأحیان ذلک العلم ـ الذی لا یخضع لأُسس خاصّه وحسابات دقیقه ـ کالسیف القاطع بید إنسان متوحّش.
إنّ العلوم التی تأخذ بید الإنسان نحو الکمال والرقی هی العلوم التی تحمل صبغه إلهیه ورائحه دینیه، التی تصنع من الإنسان موجوداً إلهیاً یشعر بالرقابه الإلهیه فی کلّ حرکاته وسکناته ولا یعمل إلاّ ما یرضی اللّه سبحانه ویسخّر علمه وقدراته فی هذا الطریق.
یقول القرآن الکریم فی حقّ إبراهیم(علیه السلام) :
( وَلَقَدْ آتَیْنا إِبْراهیمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَکُنّا بِهِ عالِمینَ ) .( [۲])
إنّ أسباب الرشد أو نفس الرشد هو فی الحقیقه عین العلم والمعرفه بنظام العالم وأسراره ثمّ الانتقال إلى عالم الملکوت وعالم الغیب، وهذه الحاله من السمو والرقی التی تحصل من ذلک العلم تبین انّ ذلک العلم والمنهج الفکری الذی اعتمده الإنسان هو العلم الباعث على الکمال والرقی. ثمّ إنّ العلم الذی یجعل الإنسان یسیر فی إطار معرفه ذات اللّه وصفاته وأوامره ونواهیه ومعرفه الطبیعه وأسرارها، إحدى شروطه هو أن یکون عاملاً فی عروج الإنسان إلى عالم الملکوت وسوقه نحو اللّه سبحانه، وخلق حاله من الارتباط بینه و بین ربّه بحیث لا یغفل عنه أبداً.
۳٫ اجتناب التقلید الأعمى
لم یحثّ الإسلام المسلمین على طلب العلم والفکر وکشف الأسرار الخفیه لهذا العالم فقط، بل حثّهم على اجتناب التقلید الأعمى والتبعیّه اللاّمدروسه والغیر موزونه والتحرّز عن کلّ ما یمت إلى ذلک بصله.
صحیح انّ إحدى الغرائز الإنسانیه ومیوله هی «غریزه المحاکاه» أو «المیل إلى الانسجام» وانّ هذا المیل یلازم الإنسان فی جمیع مراحل الحیاه وفی کافه الأدوار وخاصه فی دور الطفوله حیث یلعب هذا المیل دوراً أساسیاً فی تکامله وتطوّره بحیث إنّ الطفل الذی یفتقد هذا المیل لا یتمکّن من تعلّم الکثیر من الأُمور التی تحتاج إلى نوع من التقلید والمحاکاه کالمشی والنطق و… نعم کلّ ذلک صحیح، ولکن الاستفاده الصحیحه والانتفاع الطبیعی من هذه الغریزه یتوقّف على الاستفاده منها بصوره عقلیه ومنطقیه متّزنه ولا یترک الأمر لهذه الغریزه بحیث تکون هی الأساس الذی یبنی علیه الإنسان حیاته بنحو یؤدی إلى إلغاء دور العقل والفکر والمعرفه العقلیه.
إنّ هناک طائفه من الناس حاربت العقل والفکر تعصّباً منها لطریقه وسنّه ومنهج الآباء والأجداد، واتّبعوا آباءهم تبعیه عمیاء واضعین فی أعناقهم نیر الذلّ و العبودیه الناتج من ذلک المیل.
ولقد أشار القرآن الکریم إلى منهج عرب الجاهلیه ومنطقهم وحجتهم فی عدم الخضوع للحق وقبول الدین الحنیف والرساله المحمدیه ولماذا یفضلون عباده الأوثان على عباده اللّه الواحد القهّار؟ فقال سبحانه حاکیاً جوابهم الواهی: ( …إِنّا وَجَدْنا آبائَنا عَلى أُمَّه وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) .( [۳])
وفی آیه أُخرى:
( وَإِذا قیلَ لَهُمْ تَعالَوا إِلى ما أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَیْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ کانَ آباؤُهُمْ لا یَعْلَمُونَ شَیْئاً وَلا یَهْتَدُونَ ) .( [۴])
ثمّ إنّنا إذا ما وجدنا بعض المدارس والاتّجاهات الخاویه والواهیه التی لا یدعمها العقل ولا یؤیدها الفکر قد بقیت واستمرت، ففی واقع الأمر أنّ بقاء مثل تلک الاتجاهات المذهبیه الواهیه معلول حاله التعصّب الأعمى، ومرهون بها، ومدین لفکره التمسّک بمنهج وطریقه السلف من الآباء والأجداد والتعصّب لها، وهذا هو الستار الذی یحجب به الإنسان نور العقل والفکر عن نفسه ویحرمها من تلک النعمه الإلهیه.( [۵])
[۱] . النحل: ۷۸٫
[۲] . الأنبیاء: ۵۱٫
[۳] . الزخرف: ۲۳٫ انظر: یونس:۷۸، الأنبیاء:۵۸، الشعراء:۷۴، لقمان: ۲۱٫
[۴] . المائده: ۱۰۴٫ انظر: البقره: ۱۷۰٫
[۵] . منشور جاوید:۴/۲۹۵ـ ۳۰۱٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.