معرفه الإنسان

0

غالباً ما تتم دراسه معرفه الإنسان وفقاً للرؤیه الإسلامیه بسبب إحدى حالتین:
۱٫ انّ معرفه الإنسان تمثّل الطریق لمعرفه اللّه، وفی الحقیقه انّ طریق معرفه اللّه سبحانه یمرّ من خلال معرفه الإنسان، وهناک طائفه من النصوص تشیر إلى ذلک.
وقد اعتبر القرآن الکریم الصله بین الإنسان وبین المقام الربوبی بدرجه من القوه والاستحکام، بحیث تُعدّ الغفله عن اللّه سبحانه سبباً لغفله الإنسان عن نفسه ونسیان ذاته، ولقد أزاح القرآن الستار ـ و لأوّل مره ـ عن هذه الحقیقه، حیث قال سبحانه:
( وَلا تَکُونُوا کَالَّذِینَ نَسُوا اللّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِکَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) .( [۱]) إنّ القرآن ـ وخلافاً للفکر المارکسی الذی یرى أنّ المعرفه الإلهیه والعلاقات والروابط والأُسس الدینیه سبب لضیاع الإنسان وغربته عن نفسه وجهله بها ـ یرى أنّ الأواصر والعلاقات الدینیه هی السبب الأساسی لعثور الإنسان على هویته ومعرفته بذاته وإدراکه لحقیقه وجوده، وانّ إهمال هذا الأصل وقطع هذه الأواصر وتلک العلاقات یکون سبباً للضیاع والتیه وفقدان الهویه، والدلیل الذی أقامه لإثبات تلک الحقیقه واضح جداً وجلی للعیان، وذلک لأنّ الإنسان باعتبار کونه معلولاً للذات الإلهیه ومخلوقاً للّه سبحانه فلیس له حقیقه إلاّ الارتباط والتبعیه لعلّته الموجده له، وانّ إغفال هذا الأصل وإهماله لا یعنی إلاّ إهمال الإنسان لنفسه ولحقیقته، وانّ قطع هذه الآصره ونفی هذه الرابطه تساوی نفی الإنسان لوجوده.
قال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) :«أعلمکم بنفسه أعلمکم بربّه».( [2])
ولقد سألت إحدى زوجات النبی یوماً الرسول(صلى الله علیه وآله وسلم) : متى یعرف الإنسان ربّه؟ فأجاب(صلى الله علیه وآله وسلم) بقوله: «إذا عرف نفسه».( [3])
ویقال انّ أحد العارفین قال لنظیره: أنت تقول: «إلهی عرّفنی نفسک» ولکن أنا أقول: «إلهی عرّفنی نفسی».( [4])
ولقد نقل عن «أبو علی سینا» فی رساله «الحجج العشره» أنّه قال:
روی عن سیّد الأوصیاء علی بن أبی طالب(علیه السلام) أنّه قال:«من عَرَفَ نَفْسَهُ فقد عرَف ربّه». وقال رئیس الحکماء أرسطو أیضاً: إنّ من عجز عن معرفه نفسه فهو عن معرفه ربّه أعجز، وکیف یمکن الاعتماد على معرفه مَن هو عاجز عن إدراک نفسه؟!( [۵])
إنّ ما نقله أبو علی سینا عن الإمام أمیر المؤمنین(علیه السلام) جاء فی کتاب «غرر الحکم».( [6])
ولقد روی عن الإمام الصادق(علیه السلام) أنّه قال فی تفسیر قول الرسول(صلى الله علیه وآله وسلم) : «اطلب العلم ولو کان فی الصین»، «هو معرفه علم النفس وفیها معرفه الرب».( [7])
ومن المسلّم به انّ الإمام الصادق(علیه السلام) أراد بیان الفرد الممتاز والمهم والأکثر قیمه من العلوم التی ینبغی للإنسان اکتسابها وتحلیلها، إذ فی الحقیقه انّ دعوه الرسول(صلى الله علیه وآله وسلم) وحثّه على طلب العلم، تتحلّى بشمولیه وسعه أکبر فلا یمکن حصرها فی نوع من العلوم فقط، نعم یمکن الإشاره إلى الأهم من تلک العلوم، وهذا ما قام به الإمام الصادق(علیه السلام) .
۲٫ انّ الغرض من معرفه الإنسان هو أن تکون تلک المعرفه وسیله لتحقیق وتوفیر وتلبیه حاجات الإنسان المادیه والمعنویه، فإنّ هذه المعرفه هی المقدّمه التی منها یکون الانطلاق لتحدید ورسم الخطوط التی یسیر وفقها الإنسان وتحدید الآیدیولوجیه التی تحدد له مسار حیاته من الأُمور التی ینبغی فعلها أو لا ینبغی.
ولا یتسنّى لأی مذهب مهما کان أن یحدّد للإنسان وظائفه وتکالیفه بدون معرفه الإنسان نفسه، ولا یمکن أبداً رسم النظام الحقوقی أو السیاسی، أو الاقتصادی، أو الأُسری، أو أُسلوب ونظام الحکم ما لم تسبق کلّ ذلک معرفه الإنسان وکشف حقیقته وماهیته. فکلّ مشروع یراد له أن یحدد للإنسان مساره ویرسم له طریقه لا یمکن أن ینجح بدون تحقّق الشرط المذکور.
ومن هنا تظهر أهمیه معرفه الإنسان وکشف حقیقته.
ولقد وردت الإشاره إلى تلک الحقیقه فی بعض النصوص الإسلامیه نشیر إلى بعضها: یقول أمیر المؤمنین(علیه السلام) :
«أَعْظَمُ الْجَهْلِ، جَهْلُ الإِنْسانِ أَمْرَ نَفْسِهِ،وَ أَعْظَمُ الْحِکْمَهِ مَعْرِفَهُ الإِنْسانِ نَفْسَهُ وَوُقُوفه عِنْدَ قَدْرِهِ ».( [8])
فإنّ عباره: «ووقوفه عند قدره» تشیر إلى حقیقه مهمه وهی: انّه ینبغی أن تکون جمیع القوانین والدساتیر وخطط الحیاه السیاسیه والاجتماعیه والاقتصادیه وفی جمیع نواحی الحیاه الأُخرى، متطابقه مع حدود قدرات وإمکانات الإنسان ومیوله، فعلى سبیل المثال: إذا عرفنا انّ الإنسان یمتلک غرائز باطنیه کغریزه التدیّن، أو غریزه العلم والمعرفه، أو الغرائز والمیول الجنسیه، فلابدّ حینئذ من أن یرسم لهم منهج حیاه وآیدیولوجیه تستطیع أن ترضی کلّ هذه الغرائز: العبادهو الدعاء، العلم والمعرفه وتلبیه الغرائز الجنسیه، مع الحفاظ على حاله التوازن بینها.
وفی کلام آخر لأمیر المؤمنین(علیه السلام) یقول:
«الْعارِفُ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَها وَنَزَّهَها عَنْ کُلّ ما یُبَعّدُها وَیُوبِقُها» ( [9]).( [10])
[۱] . الحشر: ۱۹٫
[۲] . أمالی المرتضى:۲/۳۲۹، ط مصر.
[۳] . أمالی المرتضى:۲/۳۲۹، ط مصر.
[۴] . اختلاف بین هذین النوعین من الطلب، وذلک لأنّ إحدى وسائل معرفه اللّه سبحانه هی معرفه الإنسان نفسه، فإنّ من یدعو اللّه بقوله: « إلهی عرّفنی نفسک » فانّه فی الحقیقه یرید أیضاً معرفه نفسه، ولذلک جاء کلام ذلک العارف: « فإنّ معرفه النفس مرقاه معرفه الرب » .
[۵] . رساله « انّه الحق » نقلاً عن « رساله الحجج العشره » لأبی علی سینا.
[۶] . غرر الحکم:۲۸۲، طبع النجف.
[۷] . مصباح الشریعه وغیره.
[۸] . غرر الحکم ۷۷٫
[۹] . غرر الحکم ۷۷٫
[۱۰] . منشور جاوید:۴/۱۸۵ـ ۱۸۸٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.