غزوه الخندق ( الأحزاب )
مقدمه :
لمّا نقضت بنو قریظه صلحها مع رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) ، وانضمَّت إلى صفوف المشرکین ، تغیَّر میزان القوى لصالح أعداء الإسلام .
فتحزّبت قریش والقبائل الأُخرى ، ومعهم الیهود على رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) وعلى المسلمین ، وکان یقود الأحزاب أبو سفیان ، فقاموا بتطویق المدینه بعشره آلاف مقاتل ، ممَّا أدَّى إلى انتشار الرُعب بین صفوف المسلمین ، وتزَلْزَلَت نفوسهم ، وظَنّوا بالله الظنونا ، کما قال الله تعالى : ( إِذْ جَاؤُوکُم مِّن فَوْقِکُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنکُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا ) الأحزاب : ۱۰ .
حفر الخندق :
استشار رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) أصحابه فی معالجه الهجوم المتوقّع من قبل العدو على المدینه المنوّره ، فأجمع رأیهم على البقاء فی المدینه ومحاربه القوم أن جاءوا إلیهم ، کما توصّلوا إلى حفر خندق یحصّن المسلمین من أعدائهم .
فبدؤوا بحفر الخندق حول المدینه بالاتجاه العدو ، وخرج النبی ( صلى الله علیه وآله ) مع المسلمین لیشارکهم فی حفر هذا الخندق ، وتقسیم العمل بینهم ، وکان یحثّهم ویقول :(( لا عیش إلاّ عیش الآخره ،اللهم اغفر للأنصار والمهاجره )) .
ولم یدع المنافقون والمتقاعسون تثبیط العمل رغم الهمّه والحماس الذی أبداه المسلمون .
مبارزه الإمام علی ( علیه السلام ) لعمرو بن عبد ود :
لقد استطاعت مجموعه من العدو عبور الخندق ، وکان من بینهم عمرو بن عبد ودٍّ ، فراح یصول ویجول ، ویتوعَّد ویتفاخر ببطولته ، وینادی : هل من مبارز ؟ فلم یجبه أحد حتّى قال :
ولَقَدْ بُحِحْتُ من النداء بجمعکم هَلْ مِنْ مُبارزْ
وَوَقفْتُ إذ جَبنَ المُشَجَّعُ مَـوقفَ البَطَل المناجِزْ
إنّـی کـذلک لـم أزلْ متسرّعاً نحو الهزاهز
إنّ السماحه والشجاعه فی الفتى خیْرُ الغرائز
فقام الإمام علی ( علیه السلام ) وقال : (( أنَا لَهُ یا رَسولَ الله
فقال له رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) : اجلس ، إنّه عمرو
فقال الإمام علی ( علیه السلام ) : وإن کان عمرواً )) .
فعند ذلک أذن ( صلى الله علیه وآله ) له ، وأعطاه سیفه ذا الفقار ، وألبسه دِرعه ، وعمَّمه بعمامَتِه .
ثمّ قال ( صلى الله علیه وآله ) : (( إلهی أخذت عبیده منّی یوم بدر ، وحمزه یوم أُحد ، وهذا أخی ، وابن عمّی ، فلا تَذَرنی فرداً ، وأنت خیر الوارثین )) .
وقال ( صلى الله علیه وآله ) أیضاً : (( برز الإیمان کلّه إلى الشرک کلّه )) .
ومضى الإمام علی ( علیه السلام ) إلى المیدان ، وکلّه ثقه بالله ونصره له ، وهو یقول :
((لا تـعجلنَّ فـقد أتاک مجیبُ صوتکَ غیر عاجزْ
ذُونــیـه وَبـصـیره والصدقُ مُنجی کلّ فائز
إنّـی لأرجـو أن أُقـیمَ عـلیکَ نـائحه الـجنائزْ
مِـنْ ضَرْبَه نَجلاء یَبقى ذکـرُها عِـندَ الـهَزاهِزْ
ثمّ خاطب ابن عبد ودٍّ بقوله : (( یا عمرو ، إنّک کنت تقول لا یدعونی أحد إلى واحده من ثلاث إلاّ قبلتها
قال عمرو : أجل .
فقال الإمام علی ( علیه السلام ) : فإنّی أدعوک أن تشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، وتسلم لربّ العالمین
فقال : یا ابن أخی أخّر عنّی هذه .
فقال له : أما أنّها خیر لک لو أخذتها
ثمّ قال ( علیه السلام ) : وأُخرى ترجع إلى بلادک ، فإن یک محمّد صادقاً کنت أسعد الناس به ، وإن یک کاذباً کان الذی ترید
قال : هذا ما لا تتحدّث به نساء قریش أبداً .
ثمّ قال ( علیه السلام ) : فالثالثه ، أدعوکَ إلى البراز
فقال عمرو : إنّ هذه الخصله ما کنت أظنّ أن أحداً من العرب یرومنی علیها ، ولم یا ابن أخی ؟ إنّی لأکره أن أقتل الرجل الکریم مثلک ، وقد کان أبوک لی ندیماً .
فردَّ الإمام علی ( علیه السلام ) علیه قائلاً : لکنِّی والله أحِبّ أن أقتلَکَ ،
فغضب عمرو ، فقال ( علیه السلام ) له : کیف أقاتلک وأنت فارس ، ولکن انزل معی،
فاقتحم عن فرسه فعقره ، وسلّ سیفه کأنّه شعله نار ، وأقبل على الإمام علی ( علیه السلام ) ، فصدَّه برباطه جأش ، وأرداه قتیلاً ، فعلا التکبیر والتهلیل فی صفوف المسلمین .
ولمّا قتل الإمام علی ( علیه السلام ) عمرواً أقبل نحو رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) ووجهه یتهلل ، فقال له عمر بن الخطّاب : هلاّ سلبته یا علی درعه ، فإنّه لیس فی العرب درع مثلها ؟
فقال ( علیه السلام ) : إنّی استحییت أن أکشف سوءه ابن عمّی )) .
وقال ( علیه السلام ) أبیاتاً فی قتل عمرو ، منها :
((نصر الحجاره من سفاهه رأیه ونـصرت دین محمّد بضرابِ
فـصددتُ حـین ترکتُه متجدّلاً کـالجذع بـین دکادک وروابی
وعـففتُ عـن أثوابه وَلَو أنَّنی کـنتُ الـمقطَّر بَـزّنی أثوابی
لا تـحسبنّ الله خـاذل دیـنه ونـبیّه یـا معشر الأحزابِ ))
ولمَّا عاد الإمام ( علیه السلام ) ظافراً ، استقبله رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) وهو یقول : (( لَمُبَارَزَه عَلی بن أبی طالب لِعَمرو بن عبد ودٍّ أفضلُ من عَمل أُمَّتی إلى یوم القیامه )) .
وفی روایه : (( ضربه علی یوم الخندق تعدل عباده الثقلین )) .
فلولا الموقف البطولی للإمام ( علیه السلام ) ، لاقتحم جیش المشرکین المدینه على المسلمین بذلک العدد الهائل ، وهکذا کانت بطوله الإمام علی ( علیه السلام ) فی غزوه الخندق ، فکانت أهمّ عناصر النصر لمعسکر الإیمان على معسکر الکفر والضلال .
وقال أبو الحسن المدائنی : لمّا قتل علی بن أبی طالب عمرو بن عبد ود نعی إلى أخته ـ واسمها عمره وکنیتها أُمّ کلثوم ـ فقالت : من ذا الذی اجترأ علیه ؟
فقالوا : ابن أبی طالب ، فقالت : لم یعد موته إن کان على ید کفء کریم ، لا رقأت دمعتی إن هرقتها علیه ، قتل الأبطال وبارز الأقران ، وکانت منیته على ید کفء کریم من قومه ، ما سمعت بأفخر من هذا یا بنی عامر ، ثمّ أنشأت تقول :
لـو کانَ قاتِلُ عمرو غیر قاتِلِه لـکنتُ أبـکی علیه آخرَ الأَبدِ
لـکنَّ قاتلَ عمرو لا یُعابُ بِه مَن کانَ یُدعى قدیماً بیضه البلد
مـن هاشم ذراها وهی صاعده إلى السماء تمیت الناس بالحسد
قـوم أبى الله إلاّ أن یکون لهم کـرامه الـدین والدنیا بلا لدد
یـا أُمّ کـلثوم ابکیه ولا تدعی بـکاء مـعوله حرى على ولد
وقت الانتصار :
أقام المشرکون بضعاً وعشرین لیله، لم یکن بینهم وبین المسلمین حرب إلاّ الرمی بالنبل والحصى ، ولکن بعد عبور أحد أبطال الشرک والکفر ، وهو عمرو بن عبد ودٍّ العامری الخندق ، ومبارزه الإمام علی ( علیه السلام ) له وقتله ، تحقّق النصر للإسلام والمسلمین فی الثالث من شوال ۵ هـ .