کربلاء … نصّ خالد
الشهاده: إحتفال وإحتفاء
الإحتفال بذکرى عاشوراء إحتفال بالشهاده وإحتفاء بها فی آن… والشهاده موقف، والشهداء أرباب مواقف، والإمام الحسین(ع) سیّد الشهداء جمیعاً، وشهادته عنوان الشهادات وقمتها… وهی ـ شهاده الإمام الحسین(ع) ـ إذ تفرض نفسها على الزمن على هذا النحو الذی نشهده کل عام من إحتفال بهذه الشهاده، وإحتفاء بها دون أن یتوّلد لدى الأمّه شعور بإستنفاد أغراض الإحتفال بها، فذلک یعنی ـ ببداهه ووضوح ـ إنّ هذه الشهاده هی من العمق والأصاله والفراده بدرجه جعلتها مهیّأه لمخاطبه الإنسان وتطلعاته نحو العزه والکرامه والسمو الروحی والنفسی فی کل زمان وُجد فیه الإنسان، وفی کل مکان أُتیح له فیه مکابده الظلم والجور.
أقسام الإنجازات البشریه:
إنّ الشهاده بوصفها إنجازاً بشریاً، وإن یکن من نوع الإنجازات الرفیعه بل أرفعها على الإطلاق ـ فهی خاضعه لنفس المعاییر التی تُقاس بها تلک الإنجازات من حیث التفاوت بین إنجاز وآخر، حتى فی النوع الواحد منها… فإذا نحن ذهبنا ـ مثلاً ـ لتقییم بعض إنجازات العقل البشری فی مجال الفکر والأدب لوجدنا أنها تنقسم إلى قسمین: قسم منها تتجلى أصالته فی کونه إستطاع أن یخاطب بعض الناس لبعض الوقت، أو کل الناس لبعض الوقت، فیثیر أحاسیسهم ،ویحرّک عقولهم، ویدفعهم إلى موقف أکثر نبلاً وعمقاً تجاه القضایا التی یطرحها. وبذلک یکون هذا النص الفکری إستجابه لمرحله بعینها قد تطول وقد تقصر ویکون مستوى الإبداع فیه محکوماً لقیم ذلک العصر ومفاهیمه.. وإنّ أکثر الأعمال الفکریه والأدبیه هی من هذا القسم الذی یخاطب الإنسان ضمن بیئه بعینها أو عصر بعینه ویقصر عن مخاطبته فی کل عصر وفی کل زمان.
أما القسم الآخر فهو النص الذی لا تنتهی الحاجه إلیه لأنّه یخاطب الإنسان فی کل عصر ومکان، وهو ما نسمّیه بالنص الخالد، وهو یحقق عناصر خلوده من تخطّیه لقیود الزمان، والمکان، والمراحل، ووصوله إلى جوهر الحاله الإنسانیه وأعماقها الثابته الراسخه ـ فهو مثلاً حین یعالج مشکله الحریه فهو لا یعالجها بوصفها مشکله الجیل الذی کُتب له النص، بل یتجاوز ذلک إلى قیمتها المطلقه وعلاقتها بالوجود، بحیث یصبح کل جیل یلی قادراً على إستشفاف أشواقه وتطلعاته فی النص نفسه.
إذن معیار الخلود فی الأعمال العقلیه، سواء کانت فکراً أو أدباً أو فنّاًً، إنّما فی قدرتها على مُخاطبه الإنسان خارج حدود المکان والزمان وإن کانت هی بذاتها ولیده زمان ومکان معین.
الشهاده الخالده:
وشهاده الإمام الحسین(ع) بالمقارنه مع الشهادات الکثیره التی حفل بها تاریخ التضحیه والفداء فی أمتنا الإسلامیه تظل هی الأکثر خلوداً، لأنّها الأکثر عمقاً وأصاله، ولأنّها ما زالت حتى یومنا هذا الأکثر قدره على خطاب الحاجه البشریه للحریه، والحق، والعداله… وشهاده الحسین(ع) وإن کانت تشبه بقیه الشهادات من حیث کونها إختیاراً للموت فی سبیل قضیه، إلاّ أنّ أسلوب الشهاده وإختیاراتها الدقیقه إنّ لجهه زمان الإستشهاد أو مکانه وما رافقها من ملابسات… إرتفع بهذه الشهاده عن کونها شهاده على العصر الذی عاشه الإمام الحسین(ع) لتصبح شهاده على کل العصور التی تلته وتجسّدت من خلال مسرحها الصغیر کل الفصول التی ستلیها فی معارک الحق مع الباطل والحریه مع الطغیان والبغی.
الشهاده… النص:
وهکذا یمکن مقارنه هذه الشهاده بین الشهادات بمقارنه النص الخالد بین النصوص الأخرى… وشهاده الإمام الحسین(ع) هی أیضاً نصّ وإن کانت طریقه قراءته تختلف عن قراءه النصوص المکتوبه. فالقراءه فی جوهرها إسترجاع وأستعاده، والنصّ الخالد هو الذی لا یملّ الناس من قراءته وإستعادته، لأنّهم فی کل قراءه جدیده تتولد لهم معانٍ وقیم ومفاهیم وأحاسیس جدیده… وکذلک شهاده الإمام الحسین(ع) فإن إستذکارها وإستعاده أحداثها وأبعادها لا تشکّل تکراراً مملاً للأجیال التی تمارسها، بل تولد فی أعماقها وباستمرار الشعور بالحاجه إلى الحریه والخیر والحق، وتجعلها أقدر على التضحیه والفداء وأکثر سخاء فی مواجهه إستحقاق الحریه والکرامه.
هذا بعض ما یُفسر الإصرار على الإستذکار السنوی للحدث الکربلائی ویضیء بعض عناصر خلوده فی الوجدان الشعبی.
وإذا کانت عظمه النص لیست من ذاته فحسب، وإنّما من القراءات الذکیه التی حظی بها فتستولد منه المعانی الجدیده، فإنّ الحدث الکربلائی هو الآخر نص خالد، ولکنّه بحاجه لیکون لدینا قدره أکبر وذکاء أعلى من أجل أن نقدم قراءه متمیزه له وفهماً معاصراً لأبعاده الخالده… وبذلک نستطیع أن نحقق بعض أهدافه تحقیقاً لشعار الحسینیین عبر التاریخ: یا لیتنا کنا معکم ـ سیدی ـ فنفوز فوزاً عظیماً.
والحمد لله رب العالمین