حیاه السید المسیح (علیه السلام) فی ضوء القرآن الکریم
إنّ الآیات القرآنیه التی تتناول حیاه السید المسیح (علیه السلام) بعد أن رفعه الله إلیه لا تتجاوز الخمس آیات. وإن البحث حول هذا الموضوع هو بحث قرآنی أولاً، وعقائدی ثانیاً.
وسنبدأ بالبحث فی تلک الآیات وفق الترتیب التالی:
الآیه الأولى: قوله سبحانه: ( إِذْ قَالَ اللّهُ یَا عِیسَى إِنّی مُتَوَفّیکَ وَرَافِعُکَ إِلَیّ وَمُطَهّرُکَ مِنَ الّذِینَ کَفَرُوا وَجَاعِلُ الّذِینَ اتّبَعُوکَ فَوْقَ الّذِینَ کَفَرُوا إِلَى یَوْمِ الْقِیَامَهِ …) آل عمران : ۵۵ .
فهل التوفی فی الآیه بمعنى الإماته ؟
أو إنّ للتوفی معنى آخر؟
إنّ استعمال القرآن لهذا اللفظ فی أکثر من مکان یکشف عن معنى الأخذ والاستیفاء ، وهذا یتحقق بالإماته تاره، وبالنوم أخرى، وثالثه بالأخذ من الأرض والعالم البشری إلى عالم آخر (وهو عالَم السماء أو غیره).
وإن الآیات القرآنیه الآتیه کافیه لبیان ذلک:
۱- قال سبحانه: ( اللّهُ یَتَوَفّى الْأَنفُسَ حِینَ مَوْتِهَا وَالّتِی لَمْ تَمُتْ فِی مَنَامِهَا فَیُمْسِکُ الّتِی قَضَى عَلَیْهَا الْمَوْتَ وَیُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً …) الزمر: ۴۲ .
لا شک أن کلمه ( وَالّتِی ) فی الآیه معطوفه على کلمه ( الْأَنفُسَ ).. وتقدیر الآیه: (الله یتوفّى الأنفس حین موتها، ویتوفّى التی لم تمُتْ فی منامها) .
ولو کان التوفّی بمعنى الإماته لما استقام معنى الآیه ، إذ یکون معناها حینئذٍ : (الله یمیت الأنفس حین موتها، ویمیت التی لم تمت فی منامها) !
فدرءاً للتناقض الواضح، لا مناص من تفسیر (التوفّی) بمعنى (الأخذ) وهو ینطبق على الإماته (الموت) فی القسم الأول من الآیه، وعلى الإنامه فی القسم الثانی منها.
۲- وقال سبحانه: ( وَهُوَ الّذِی یَتَوَفّاکُم بِاللّیْلِ وَیَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنّهَارِ ثُمّ یَبْعَثُکُمْ فِیهِ لِیُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمّ إِلَیْهِ مَرْجِعُکُمْ ثُمّ یُنَبّئُکُمْ بِمَا کُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) الأنعام: ۶۰ .
فإن توفّی الناس فی اللیل لا یعنی الإماته بل معناه أخذهم بالنوم ثم بَعْثهم بالیقظه فی النهار لیقضوا بذلک آجالهم المسمّاه، ثم إلى الله مرجعهم بالموت والمعاد .
۳- وقال سبحانه: ( وَاللّاتِی یَأْتِینَ الْفَاحِشَهَ مِن نِسَائِکُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَیْهِنّ أَرْبَعَهً مِنکُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِکُوهُنّ فِی الْبُیُوتِ حَتّى یَتَوَفّاهُنّ الْمَوْتُ أَوْ یَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِیلاً ) النساء: ۱۵ .
فلا معنى لتفسیر التوفّی بمعنى أنه (یمیتهن الموت) .
وبهذه الاستعمالات القرآنیه ندرک أن (التوفی) لیس مرادفاً (للموت والإماته)، وإنما هو أخذ الشیء وافیاً کاملاً وبرمته وکلّه.
والأخذ إما من عالم الحیاه أو من عالم الیقظه أو من عالم الاختلاط بالبشر.
وبهذا یبطل الاستدلال فی الآیه الأولى بلفظ (متوفیک) على موت المسیح (علیه السلام)، لما عرفت من اشتراک اللفظ بین الإماته وغیرها .
وأما قوله تعالى: ( … وَرَافِعُکَ إِلَیّ وَمُطَهّرُکَ مِنَ الّذِینَ کَفَرُوا … ) ، فللرفع ثلاثه احتمالات:
* إما رفع المنزله ، کقوله تعالى: عن إدریس (علیه السلام): ( وَرَفَعْنَاهُ مَکَاناً عَلِیّاً ) مریم: ۵۷ .
* وإما الرفع الحسّی والنقل من الأرض.
* وإما رفع روحه دون بدنه.
الآیه الثانیه: ( وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِیحَ عِیسَى ابْنَ مَرْیَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلکِن شُبّهَ لَهُمْ وَإِنّ الّذِینَ اخْتَلَفُوا فِیهِ لَفِی شَکّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلّا اتّبَاعَ الظّنّ وَمَا قَتَلُوهُ یَقِیناً * بَل رَفَعَهُ اللّهُ إِلَیْهِ وَکَانَ اللّهُ عَزِیزاً حَکِیماً ) النساء: ۱۵۷-۱۵۸ .
نزلت هذه الآیه الکریمه لتکذیب ادعاء الیهود وزعمهم بقتل المسیح (علیه السلام) وصلبه .
وهی تسکت عن موته بعد ذلک أو بقاء حیاته واستمرارها إلى الیوم , فیکون هدف الآیه ومفادها هو تفنید زعمهم وتأکید رفع عیسى (علیه السلام) إلیه سبحانه .
والرفع لابدّ أن یتعلّق بمتعلّق الادعاء والزعم ، ومتعلّق الادعاء والزعم هو الوجود الخارجی للمسیح (علیه السلام) جسمه وروحه ، فیکون هو عینه متعلّق الرفع أی أنه رُفع إلى الله بجسمه وروحه لأن الرفع هو تخلیص وإنجاء للمسیح (علیه السلام) من أیدی أعدائه (سواء مات بعد ذلک أم لا) .
وهذا یتم برفع شخصه (ببدنه وروحه) من بین الأعداء حتى لا یتمکنوا من قتله وصلبه، وإلا لو قلنا بکون المراد من الرفع هو رفع روحه دون جسمه للزم من ذلک القول بإبقاء جسده بین الأعداء وتسلیطهم علیه کما أنه لا یصح إعاده ضمیر الهاء فی ( رَفَعَهُ ) إلى الروح فقط ، أضف إلى أن ذلک لا یعدّ ردّاً وتفنیداً لادّعاء الیهود.
وکذلک القول بأن المقصود بالرفع هو رفع شأن، فینحصر معنى الرفع بالرفع الشخصی: بالروح والجسم.
الآیه الثالثه: ( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلّا مَا أَمَرْتَنِی بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبّی وَرَبّکُمْ وَکُنتُ عَلَیْهِمْ شَهِیداً مَا دُمْتُ فِیهِمْ فَلَمّا تَوَفّیْتَنِی کُنتَ أَنْتَ الرّقِیبَ عَلَیْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى کُلّ شَیْءٍ شَهیدٌ ) المائده: ۱۱۷٫
لا إشکال فی أن زمان المحاوره فی الآیه بین الله سبحانه وبین المسیح (علیه السلام) هو یوم القیامه.
وأما (التوفّی) فیها فقد عرفت أنه لیس مرادفاً للموت ، بل هو بمعنى الأخذ تماماً الذی یتحقق تاره بالإماته وأخرى بالنوم وثالثه بالأخذ من المجتمع .
ولا یصح لأحد التمسک بمعنى منهما دون دلیل .
وأما مصیر عیسى (علیه السلام) بعد الرفع: وهل بقی حیاً أم لا ؟ فلا تدلّ الآیات السابقه على شیء من هذا.
الآیه الرابعه: ( وَإِن مِنْ أَهْلِ الْکِتَابِ إِلّا لَیُؤْمِنَنّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَیَوْمَ الْقِیَامَهِ یَکُونُ عَلَیْهِمْ شَهِیداً ) النساء: ۱۵۹٫
إنّ لفظ ( إِن ) فی الآیه هو بمعنى ما النافیه، والمبتدأ محذوف یدل علیه سیاق الکلام، فیکون معنى الآیه هو (ما أحد من أهل الکتاب إلاّ لیؤمنَنّ به)، والضمیر فی لفظ ( بِهِ ) ولفظ ( یَکُونُ ) هو نفسه ویرجع إلى عیسى (علیه السلام) بلا نقاش .
ولکن الکلام هو فی قوله تعالى: ( قَبْلَ مَوْتِهِ ) ، فهو ضمیر الهاء فی ( مَوْتِهِ ) یرجع أیضاً إلى (المسیح) (علیه السلام) أو یرجع إلى (أحد) المقدّر ؟
کلاهما محتمل ولا یمکن القطع بأی واحد من الاحتمالین لأول وهله ! إلا أن الإمعان فی سیاق الآیه یؤید رجوع ذلک الضمیر إلى المسیح (علیه السلام) لا إلى (أحد من أهل الکتاب)، لأن البحث إنما هو حول قتل المسیح وصلبه ، فیناسب أن یکون المراد من ( مَوْتِهِ ) فی الآیه هو موت المسیح (علیه السلام) لا موت الکتابی .
وهذا یدل على کونه حیاً، وأنه لابدّ أن یدرکه کل الکتابیین فیؤمنوا به قبل موته (علیه السلام) .
وأما ظرف هذا الإیمان، ومتى یؤمن به کل کتابی فالآیه تسکت عنه، فیُرجَع فیه إلى الروایات المتضافره التی تدل على أنه سینزل آخر الزمان ، وأنه یأتم بإمام المسلمین وهو یقتل الدجّال .
فالتدبّر فی سیاق هذه الآیه، وما ینضم إلیها من الآیات المربوطه بها یفید أن عیسى (علیه السلام) لم یُتوفّ بقتل أو صلب، ولا بالموت حتف الأنف، وأن الکتابیین جمیعاً سیؤمنون به قبل موته، ویشاهدونه عیاناً ویذعنون له إذعاناً لا خلاف فیه، وهذا فرع کونه حیاً حتى یؤمن به کل کتابی قبل موته.
الآیه الخامسه: ( وَإِنّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَهِ فَلاَ تَمْتَرُنّ بِهَا وَاتّبِعُونِ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِیمٌ ) الزخرف: ۶۱٫
إن هذه الآیه وما قبلها هما بصدد بیان شأن المسیح (علیه السلام) وموقفه أمام الله سبحانه وتعالى، وأنه لم یکن إلهاً بل کان کما وصفه سبحانه: ( إِنْ هُوَ إِلّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَیْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِی إِسْرَائِیلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنکُم مِلاَئِکَهً فِی الْأَرْضِ یَخْلُفُونَ ) الزخرف: ۵۹-۶۰ .
(وَإِنّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَهِ فَلاَ تَمْتَرُنّ بِهَا وَاتّبِعُونِ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِیمٌ ).
فسیاق الآیات ینفی نفیاً قاطعاً أن یکون القرآن أو النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) مرجعاً للضمیر بل المرجع فی ضمیر ( إِنّهُ ) هو المسیح (علیه السلام) بلا شک لأن الآیات السابقه تبحث عنه (علیه السلام)، فالآیه تفید أن المسیح سبب للعلم بالساعه .
وعلیه فیجب تحلیل کیفیه کونه علماً للساعه, وإلیک الاحتمالات:
۱- إنه بخلقه من دون أب ، أو بإحیائه للموتى دلیل على صحه البعث وإمکانه.
وهذا مرفوض لأن البحث لیس فی إمکان البعث وعدم إمکانه ، والآیه لا تحتمل ذلک، وإلا لکان الأنسب أن تقول: وإنه أو فعله دلیل على إمکان البعث.
۲- إن وجود عیسى دلیل على قرب الساعه وشرط من أشراطها.
وهذا أیضاً مرفوض، لأنه لو کان وجوده دلیلاً على قرب الساعه فوجود النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) أولى بأن یکون کذلک.
۳- فلم یبق إلا الاحتمال الثالث بأن وجود عیسى (علیه السلام) فی ظرف خاص من الظروف (غیر ظروفه السابقه الماضیه) یکون علماً للساعه، فإذا أضیفت إلیها الأخبار والروایات المستفیضه المصرّحه بنزوله فی آخر الزمان، یتجلّى مفاد الآیه بصوره واضحه.
هذا خلاصه القول فی تبیین مفاد الآیات، حیث أن الثلاث الأول تدل على کونه حیاً عند الرفع ، بینما الآیتان الرابعه والخامسه تدلان على حیاته حتى الآن.