کارثه المسیح الدجال صحابی مسلم مجاهد
وهو فوق الجرح والتعدیل, کبقیه الصحابه العدول المجاهدین, وابنه إمام أئمّه الدین, وشیخ الإمام مالک, اتفقوا على توثیقه, وکان لا یفضل علیه أحد, وقدموه على غیره.
حین یصنع الطغاه وأنصارهم دیناً ما, فإن ترکیبه ذلک الدین ستکون ترکیبه عجیبه غریبه؛ لأنه سیکون دیناً مرقّعاً, مجتمعاً من أوصال متناثره, لا جامع بینها. وهنا نقطه جدیره بالانتباه تتعلق بهذا الدجال, وکیف أن الدین أصبح به مرقّعاً بشکل عجیب!!
والدجال, أو المسیح الدجال صاف بن صیاد, مما لا شکّ فی کفره, وقد قال بعض الصحابه: أنهم لا یشکون فی کفره وفی کونه الدجال, حتّى لو صلى وصام, وإذا شکّ أحد فی قصه الجساسه؛ لإعراض البخاری عنها, فلا یشکَّنَّ أحد _ ممن لیس لدیه إلاّ طریق الصحاح _ بکون صاف, أو صائد بن صیاد, هو الدجال.
ولکننا حین نطلع على ترجمته, نرى العجائب, والغرائب, فقد شکّک أعاظم رجال الجرح والتعدیل فی کونه الدجال, ووصفوه بالإسلام والجهاد وأداء الفروض. وأعرضوا عن کل هذه الروایات الصحیحه.
ولما کان الصحابی: هو من لقی النبی صلى الله علیه وآله وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام(۱۲) … وهذا هو تعریفهم للصحابی. وحکم الصحابی _ عندهم _: العداله المطلقه التی لا تقبل الجرح ولا التعدیل(۱۳)، فالصحابی عدل, لا یحتاج إلى توثیق فی روایه روایاته. ولما کان ابن صیاد _ کما نجده فی ترجمته _ قد لقی النبی صلى الله علیه وآله وسلم ثمّ أسلم وآمن به, ومات على الإسلام, وجاهد, وحج, وهو عین المسیح الدجال, فهو على هذا ثقه لا یحتاج إلى تعدیل مطلقاً!
هذه النتیجه الطریفه توصلنا إلى وثاقه الشیطان نفسه. ویا له من ترقیع عجیب! ولکن هل نقف عند هذا الحد؟ لا أبداً. فابن الدجال کان ثقه _ أیضاً _ بل أکثر من ثقه, وکان الإمام مالک بن أنس لا یفضل علیه غیره!
ابن الدجال _ إذن _ أهم رواه المسلمین, ولا یفضل علیه مالک ابن أنس أیّاً ممن عاصره, من العتره الزکیه, ومن التابعین المخلصین!
لقد أدرک مالک بن أنس ثلاثه أو أربعه من الأئمّه الأطهار علیهم السلام هم: زین العابدین, والباقر, والصادق, والکاظم فی آخر أیام مالک, فهؤلاء لیسو عدلاً لابن الدجال عند مالک. ولا أعرف کیف یمکن أن یحتاط إنسان لدینه, وهو یرى أن من حارب الإسلام فی بدر واُحد إماماً یمکن یقتدى به, وأن الدجال وابنه رجال تقوى, وأهل علم ودین, تؤخذ عنهم الأحادیث ولا یفضل علیهم أحد, ولا یرقى إلیهم الجرح؟
ولکی لا یکون کلامنا جزافاً, وبلا دلیل, ولکی لا نتهم أننا نلقی الکلام على عواهنه, نقرأ معاً هذه التراجم, والحکم بعد ذلک للعقل لو رضینا به حاکماً:
الحافظ ابن حجر(۱):
الترمذی, وابن ماجه, عماره بن عبد الله بن صیاد الأنصاری أبو أیّوب المدنی, روى عن جابر بن عبد الله, وسعید بن المسیب, وعطاء بن یسار, وعنه الضحاک بن عثمان الحزامی, ومالک بن أنس, ومحمّد بن معن الغفاری, والولید بن کثیر المدنی, قال ابن معین, والنسائی: ثقه. وقال أبو حاتم: صالح الحدیث, وقال ابن سعد: کان ثقه, قلیل الحدیث, وکان مالک بن أنس, لا یقدم علیه فی الفضل أحداً! وکانوا یقولون: نحن بنو شهیب بن النجار, فدفعهم بنو النجار, فهم الیوم حلفاء بنی مالک بن النجار, ولا یدری ممن هم!! وعبد الله بن صیاد هو الذی ولد مختوناً, مسروراً فأتاه النبی, فقال: (قد خبأت لک خبیئاً) فقال: الدخ، فقال: (اخسأ). وهو الذی قیل: إنه الدجال, وقد أسلم عبد الله, وحج, وغزا مع المسلمین, وأقام بالمدینه(۲). ومات عماره فی خلافه مروان بن محمّد, وذکره ابن حبان فی الثقات, له عندهما حدیث واحد فی الأضحیه, قلت: قول ابن سعد فی عبد الله بن صیاد یوهم أنه مات على الإسلام بالمدینه، وقد ذکر غیره فی ترجمته أنه خرج إلى أصبهان, وأن الیهود تلقوه, وقالوا: هذا ملکنا الذی نستفتح به على العرب, وأدخلوه البلد لیلاً, ومعه الطبول والشموع, ثمّ لم یعرف له خبر بعد ذلک, ذکر أبو نعیم فی تاریخ أصبهان, بسنده, وقد بسطت ترجمته فی کتابی فی الصحابه؛ لأن صاحب التجرید ذکره مختصراً, نعم أخرج أبو داود بسند صحیح, عن جابر, قال: فقدنا ابن صیاد یوم الحره, ومن طریق ابن أبی سلمه, قال: شهد جابر أن ابن صیاد هو الدجال, فقلت: إنه قد مات, قال: وإن مات. قلت: فإنه قد أسلم, قال: وإن أسلم. وقال الآجری: قلت لأبی داود: عماره بن صیاد, من ولد ابن صیاد, قال: بلغنی هذا, عن ابن سعد. وسألت أحمد بن صالح, عن هذا, فأنکره, ولم یکن له به أدنى علم. وذکر الزبیر بن بکار, فی أوّل نسب قریش: إن ابن صیاد, یعنی عماره هذا, وابن حزم, یعنی عبد الله بن أبی بکر بن محمّد بن عمرو بن حزم, استبّ(۳). فقال ابن حزم, لابن صیاد: لستم منّا, وقال ابن صیاد, لابن حزم: لستم من العرب, فبلغ الولید, وهو خلیفه, فکتب: إن زعم ابن حزم أنهم من ولد إسماعیل فحد له ابن صیاد, وإن أنکر, فلا, فإنّا لا نعرف عربیاً إلاّ من ولد إسماعیل. فزعم ابن حزم من أنهم ولد إسماعیل, فحد له ابن صیاد).
أقول: لا ندری, أنبکی أم نضحک من هذه الترجمه العجیبه المتناقضه التی لا یعرف لها أصل, ولا معنى لها. إلاّ تبرئه ابن صیاد من کونه الدجال, مع وجود النقیض. فإنما هو صحابی مؤمن. ولم یعالج قضیه کون الیهود تلقوه فی أصبهان. وقالوا: إنه ملکنا, واختفى عندهم, وهذا _ قطعاً _ بعد حادثه فتح السوس(۴)، وانکشاف کونه المسیح الدجال الیهودی, فعلاً.
وخلاصه ما نخرج به, من هذه الترجمه: أن ابن صیاد, رجل مسلم, ممن أدرک الرسول صلى الله علیه وآله وسلم, مجاهد, حاج لله, مجاور لمسجد الرسول صلى الله علیه وآله وسلم, وقبره, فهو فی قلب الإیمان, ومن عناصر الدین, وما شاء الله!
ومن ذلک _ أیضاً _ قال الحافظ ابن حجر(۵):
(عماره بن عبد الله بن صیاد, أبو أیّوب المدنی, ثقه فاضل, من الرابعه, مات بعد الثلاثین, وأبوه هو الذی کان یقال: إنه الدجال).
أقول: یعلم ابن حجر علم الیقین القیمه الحقیقیه للصحاح المنسوبه للنبی صلى الله علیه وآله وسلم, وللصحابه بما فیهم الخلیفه عمر بن الخطاب الذی کان یحلف بالله إنه الدجال. فکیف تحوّلت عنده هذه الکمیه من الصحاح المتفق علیها إلى (یقال) الداله على التمریض, وتضعیف الصحاح. أم أن هذا کله من أجل عیون الدجال؟
الذهبی(۶):
(عماره بن عبد الله بن صیاد, هو ولد الذی ظن أنه الدجال, عن جابر, وعن ابن المسیب, وعنه مالک, وجماعه, وثقه ابن معین, وقال ابن سعد: کان مالک لا یقدم علیه فی الفضل أحداً, وهم حلفاء بنی النجار, مات زمن مروان الحمار).
أقول: الذهبی _ هنا _ کذّب ما فی الصحیحین, بشکل أصرح من تشکیک ابن حجر؛ لأنه نسب القول: (إنه الدجال) بقوله: (کان یظن) وینبغی أن هذا الظن ذهب بثبوت العلم عنده, بحسب طریقه الفهم الإنسانی. وهذا تکذیب للبخاری ومسلم من أجل أن یوثق الدجّال. حیث أنه عندهم صحابی, مسلم, مجاهد.
النووی(۷):
(ابن صیاد, الذی یقال له الدجال, اسمه عبد الله, ولقبه صاف, وقد ذکره الحافظ عبد الغنی المقدسی فی ترجمه ابنه عماره بن عبد الله بن صیاد, وعماره هذا ثقه, واتفقوا على توثیقه, روى عنه مالک فی الموطأ, فی کتاب الأضحیه, حدیث أبی أیّوب الأنصاری: (الشاه تکفی عن أهل البیت فی الأضحیه) یتمم من الإکمال للمقدسی).
أقول: النووی _ أیضاً _ مرَّض القول بأنه الدجّال بکلمه: (یقال) فأین أصبحت الصحاح؟ حین یجمع هؤلاء العلماء على تکذیبها!
ابن الأثیر(۸):
(عبد الله) بن صیاد أورده ابن شاهین وقال هو ابن صائد کان أبوه من الیهود لا یدرى ممن هو وهو الذی یقول بعض الناس أنه الدجال ولد على عهد رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم أعور مختوناً، من ولده عماره بن عبد الله بن صیاد من خیار المسلمین من أصحاب سعید بن المسیب، روى عنه مالک وغیره.
الهوامش
(۱۲) ابن حجر الإصابه ۱: ۶ – ۸ .
(۱۳) إلاّ إذا کان محباً لعلیّ بن أبی طالب علیه السلام متفانیاً له. فقد جرح البخاری وضعّف أوّل رجل بالغ, آمن بمحمّد صلى الله علیه وآله وسلم وهو هند بن أبی هاله, ربیب رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم, وابن زوجته
خدیجه, من أبی هاله, وقیل: هو ابن أختها, وکان عمره حین آمن عشرین سنه, أو أقل بسنتین, بینما کان عُمرُ علیٍٍّ علیه السلام ثلاث عشره سنه, حین آمن وأسلم، ولم یضعفوه ویخرجوه عن القاعده, إلاّ لکونه متفانیاً فی
حب علیّ, وقد قتل بین یدیه فی معرکه الجمل. کما ضعفوا صحابه أجلاء مثل حجر بن عدی, وغیره, من أنصار أمیر المؤمنین علیه السلام. ولو أخذنا بمعاییر ابن حجر للصحبه, لوجدنا أنهم یضعفون صحابه کثر, لیسوا
على هواهم, بخلاف مقولتهم فی تعدیل کل الصحابه، ومعیار ابن حجر أنه قال: (وقد قدَّمْتُ غیر مره أنهم کانوا لا یؤمّرون فی ذلک الزمان إلاّ الصحابه) الإصابه: ۱: ۴۴۵ و۲: ۶۰۳ و۲: ۱۳۶٫ ویبدو أن ابن حجر
استند فی إثبات الصحبه – بهذا المعیار – حسب ابن أبی شیبه, الذی قال: (کانوا لا یؤمرون فی المغازی إلاّ الصحابه). الإصابه ۱: ۹٫ ولکن هذا محذوف – الآن – من مصنف ابن أبی شیبه!! وقد روى ابن کثیر
ما یدل على عرفهم, بأنهم لا یؤمرون إلاّ صحابیاً. البدایه والنهایه ۴: ۲۵٫
_____________________________
(۱) تهذیب التهذیب ۷: ۳۶۶٫
(۲) یعنی أن الدجال عنده صحابی مسلم مجاهد فی سبیل الله وقد أدى الفروض الشرعیه وأحمزها الحج والجهاد فهو من خیار المؤمنین. فماذا نرید بعد أکثر من هذا؟ یعنی هو ممن لا یشکّ فی توثیقه وهو القائد المجاهد! والصحیح یقول أنه الدجال الذی سیظهر آخر الزمان بروایات متعدده کما أسلفنا. ولا ندری ما حکمه عندهم إذا خرج قبل خروج المهدی لنصره الیهود؟؟
(۳) أی: تسابّا. سب أحدهما الآخر.
(۴) فتحت السوس قبل أن تفتح أصبهان, وهی أقرب للعراق من أصبهان بکثیر.
(۵) تقریب التهذیب ۱: ۷۱۱٫
(۶) الکاشف ۲: ۵۴٫
(۷) الأسماء واللغات ۲: ۵۷۱٫
(۸) أسد الغابه/ ابن الأثیر ۳: ۱۸۷٫