من مراحل التاریخ الشیعی مرحله عصر الأئمه (ع)

0

 
ورغم ان دراساتنا تتناول التشیع عموماً فی نشاط قادته وأتباعه وخصومه، الاّ انّ الائمه من أهل البیت (علیهم السلام) من حیث کانوا هم محور النشاط والحرکه، وکانوا هم أصحاب الکلمه فی توجیه وتسییر الخط کلّه، من هنا ستشغل مواقف الائمه (علیهم السلام) الجزء الأکبر من موضوع دراساتنا.
والواقع انّ مواقف الائمه (علیهم السلام) فی هذا العصر کانت مختلفه من حیث مرکز الاهتمام، ومن حیث کیفیه التصرف، تبعاً لاختلاف ظروف هذا العصر، واختلافات حاجات المذهب من مرحله إلى مرحله أخرى.
أدوار ثلاثه:
غیر انّا لو لاحظنا نشاطاتهم على الصعید الشیعی خاصّه أمکن أن نکتشف ثلاثه أدوار تستغرق هذا العصر کلّه.
الدور الأول: بناء القاعده:
ویشترک فی هذا الدور کل من الامام علی، والحسن، والحسین (علیهم السلام)، حیث کان الهدف منصباً بالأساس على اثبات وترکیز الخط الشیعی مفهوماً وممارسه، واعتباره الممثل الحقیقی والمستوعب للاسلام، واعتبار قیادته هی القیاده الإسلامیه الشرعیه. ویستغرق هذا الدور ۰۵ سنه، بدءاً من وفاه الرسول (صلى الله علیه وآله) وحتّى سنه ۱۶ هـ حیث مقتل الإمام الحسین (علیه السلام).
الدور الثانی: بناء الإطار التفصیلی:
وبعد اثبات أصل الخط، واطلاع الأمه على وجوده وعلى موقعه من الرساله، یأتی الدور الثانی حیث یکون الهدف منصباً منه على بناء المحتوى التفصیلی للخط، والتعبیر عن الإسلام واحکام الإسلام بالمنظار الشیعی. بعد أن برزت فی الساحه مدارس فقهیه وعقیدیه أخرى، شرحت الإسلام بطریقتها. ویشترک فی هذا الدور کل من الإمام السجاد، والباقر، والصادق، والکاظم. ومعنى ذلک انّ هذا الدور یستغرق ۱۲۲ عاماً. مبتدأ من حین شهاده الإمام الحسین ۱۶ هـ ومنتهیاً بوفاه الإمام الکاظم ۱۸۳ هـ.
الدور الثالث: دور تحصین وتوسیع القواعد الشیعیه الشعبیه:
ویشترک فی هذا الدور کل من الإمام الرضا، والجواد، والهادی، والعسکری، والامام الثانی عشر فی غیبته الصغرى المنتهیه سنه ۳۲۹، ومعنى ذلک انّ هذا الدور یستغرق ۴۶۱ عاماً.
وفی هذا الدور أصبح الخط الشیعی مستکملا جوانبه النظریه وبناءه المدرسی، ویکون قد احتل موقعه بوصفه الخط البدیل للخطوط الحاکمه أو التی تتعامل وتتعاون مع الحکم.
فلم یبق أمام الخط الاّ أن یحصِّن قواعده الشعبیه، وینقذها من خطر الانشقاقات والتحریفات الداخلیه، ومن خطر العزله والتقوقع، ویرفعها إلى مستوى تصبح قادره على الاستمرار والدیمومه وملأ الفراغ القیادی بعد الائمه المعصومین (علیهم السلام).
وهذه ثلاثه أدوار یمکن أن نوزّع علیها مرحله عصر الأئمه. وبودّی أن أبیّن هنا بعض نقاط:
أولا: انّ هذا التوزیع لیس حدیّاً تماماً، بمعنى انّ الانتقال من دور إلى دور لیس بنحو من الطفره المفاجئه، وإنّما یأتی تدریجیاً أیضاً وخلال أعوام، وعلى ذلک فحینما نعتبر الإمام السجاد ابتداء الدور الثانی، ینبغی أن نفهم مقدماً انه کما یمثل الدور الثانی هو یمثل مرحله الانتقال أیضاً، ویعیش فتره ما بین الدورین، وهکذا حینما نعتبر الإمام الرضا بدایه الدور الثالث. هو أیضاً عاش نهایات الدور الثانی، ومرحله الانتقال منه إلى الدور الثالث.
والواقع ان هذه الظاهره أمر طبیعی فی کل تقسیم تاریخی، من حیث ان الحد الفاصل بین مرحلتین أو دورین لا یمکن أن یکون أمراً آنیاً وغیر متدرج، وعلى ذلک فإنّ الانتقال من مرحله إلى مرحله یحدث عبر فتره زمنیه تعیش الصراع قد تطول وقد تقصر.
ثانیاً: إنّنا فی هذا التوزیع لاحظنا طبیعه النشاطات المرتبطه بالخط الشیعی خصوصاً. وهذا لا یعنی انعدام النشاطات الإسلامیه العامه.
فقد قلنا مسبقاً انّ نشاطات الشیعه بقیاده أهل البیت (علیهم السلام) کانت فی مجالین. المجال الشیعی الخاص، والمجال الإسلامی العام. ونحن فی التوزیع إلى الأدوار الثلاثه لاحظنا طبیعه النشاطات فی المجال الأول. وسنذکر ضمناً ما یتعلق من النشاط بالمجال الثانی.
ثالثاً: لم نلحظ فی هذا التوزیع طبیعه الموقف السیاسی، وطریقه التعامل مع الحکم القائم فی کل دور، وسنذکر تحلیل ذلک لدى دراستنا الأدوار الثلاثه تفصیلا.
الدور الأول: بناء قاعده التشیّع ۱۰ ـ ۶۱ هـ
إذا کان هذا الدور هو دور بناء قاعده التشیع، ووضع الحجر الأساس، فذاک یعنی بالوجه الآخر له رفض الخلافه الحاکمه واعتبارها خلافه غیر شرعیه، کما انّ الطلیعه التی رعاها الرسول (صلى الله علیه وآله) وبناها بغایه استلام زعامه التجربه بعده والتی أقصیت عن الحکم ظلت تحتفظ بخطها ووجودها ولم تتنازل عن اعتبار نفسها الممثل الحقیقی للإسلام، وظلت على الدوام تحمل مسؤولیه التجربه کلها، ومن هذا المنطلق عُرفت بمعارضتها للخلافه القائمه، لکنّها المعارضه الإیجابیه التی تحمل معنى التصحیح والتعدیل والتوجیه.
وهذه الظاهره ملحوظه ومسجّله حتّى فی أیام الخلافه الراشده، التی قد یبدو أنّها أقرب إلى واقع الإسلام من الحکومات التی جاءت بعدها.
فقد کان واضحاً انّ الطلیعه التی تدور حول علی (علیه السلام) باتت ساخطه وغیر قانعه بالخلافه التی تمخَّضَ عنها مؤتمر السقیفه، وقد عبَّرت عن سخطها فی أکثر من مجال، وظلت تعطی لنفسها فقط حقّ قیاده التجربه الإسلامیه.
هذا هو ما یدعونا للتساؤل عن مبررات المعارضه.
والإجابه عن هذا السؤال تکفینا لمعرفه السبب فی اصرار الطلیعه الشیعیّه على عدم التنازل عن حقّها ورأیها فی الخلافه، واصرارها على تدعیم خطها بوصفه الخط الحقیقی للإسلام.
مبررات المعارضه:
وحینما نتحدث عن مبررات المعارضه، فإننا نتحدث عن خلافه السقیفه وتقییم المعارضین لها، نقاط القوه فیها ونقاط الضعف، ایجابیاتها وسلبیاتها، قدرتها على مواجهه الصعاب التی تحیط بالأمه وبالرساله أو عدم قدرتها، وهکذا لیاقتها فی تسییر التجربه الإسلامیه، ومواصلتها أو عدم لیاقتها.
ذلک أن المعارضه هی تعبیر عملی عن وجهه نظر الطلیعه الشیعیّه فی خلافه السقیفه وطریقه فهمها لها. إذن فالحدیث عن مبررات المعارضه حدیث بالأصل عن تقییم الطلیعه الشیعیه لخلافه السقیفه.
کما انّ هذا الحدیث هو فی الحدّ الآخر له حدیث عن الطلیعه، وعن علیّ قمه الطلیعه ومحورها وإمامها. حدیث عن لیاقتها فی تزعم التجربه الإسلامیه، وقدرتها على تکسیر کل الأطواق المحیطه بالرساله، والتغلب على کل الصعاب التی تنتظر المسیره.
إذن فهذا البحث بحسب الحقیقه موازنه بین الطلیعه المعدّه أساساً لاستلام الزعامه، وبین الخلافه التی إنبثقت عن السقیفه، والتی قدّر لها أن تغلب وتتزعم على أن نقاط القوه فی خلافه السقیفه غیر قابله للشک، ولا بحاجه إلى إیضاح.
فهم صحابه عاصروا الرسول (صلى الله علیه وآله) سنیناً طویله، لازموه فیها واستفادوا منه. کما أنهم ذوو مقدره إداریه جیده، وفقّتهم للتغلب على صعاب کثیره. وهم بعد ذلک وقبله أصحاب مقام اجتماعی یوفّر لهم فرصه اکتساب الأصوات، وتوحید
الکلمات، لکن مهمه تقییم خلافه السقیفه، والتعرّف على وجهه النظر الشیعیه لها، والتی دفعتهم إلى الرفض والمعارضه، تدعونا إلى النظر فی الصفحه الأخرى لخلافه السقیفه، أی فی سلبیاتها، ونقاط ضعفها إن وجدت، والنظر فیما إذا کانت هذه السلبیّات موجوده فی خلافه النص ـ أقصد علیاً ـ أم لا.
ومن هنا سنهتم بدراسه هذا الجانب.
وإذا کانت هذه الصراحه فی البحث ثقیله على بعض القلوب، وبعض العقول، فان ذلک یدعونی لأن أصدِّر هذا البحث بأروع وأصدق کلمه قالتها خلافه السقیفه نفسها.
فقد قال أبوبکر (رض) یوم تولى الخلافه:
" انّی قد ولیت علیکم ولست بخیِّرکم، وإن لی شیطاناً یعترینی فإن أصبت فأطیعونی، وإن أخطأت فقوّمونی ".
والذی أتمناه لکل الباحثین والقارئین أن نترفع عن المغالاه فی الأشخاص، وعن الوقوع تحت تأثیر العصبیات المذهبیه، وأن ندخل إلى البحث بروح أکثر موضوعیه وحیادیه ونزاهه.
طبیعه المرحله:
ویکون من الضروری من أجل الخروج بتقییم معمّق لخلافه السقیفه أن نفهم طبیعه المرحله، وما هی حاجات ومتطلبات الرساله فیها. وهل کانت خلافه السقیفه بمستوى مرحلتها أم لا؟
وهنا یصح القول:
إنّ الرساله کانت ما تزال فی مرحله البناء.
وأقصد من هذا انّ الأمه لم تبلغ مرحله التشبع التام بمفاهیم وقیم الرساله، وفتره عشره سنوات متعبه ومجهده بالحروب والغزوات لم تکن تتسع لترسیخ وتعمیق الرساله الضخمه فی نفوس معتنقیها.
ولقد قلت سابقاً ان عملیه التغییر الجذری لانسان الجاهلیه، وقلبه إلى انسان عالمی منفتح، هذه العملیه التی کانت هی مهمه الإسلام تحتاج إلى عمر أطول وجهد أکبر، ورغم انّ الجیل الذی صنعه الرسول (صلى الله علیه وآله) ضرب أروع الأمثال فی التضحیه والفداء، الاّ انّه یبقى مجال للقول بأن فقاعات المنطق والتفکیر والخلق الجاهلی ما تزال کامنه فی أعمال الأعماق. وانّها لتطفو على السطح فی کثیر من الأحیان.
انّه إلى الأخیر کانت اعتراضات بعض الصحابه على الرسول (صلى الله علیه وآله) مصابه بطریقه التفکیر الجاهلی القبلی الضیق، وإلى الأخیر کنّا نشاهد ـ ولو نادراً ـ الراسب الجاهلی یعبَّر عن وجوده فی بعض مواقف وآراء للصحابه. ومهما بالغنا فی تمجید وتعظیم الصحابه فإنه لا یجوز أن نبلغ بذلک درجه الغلو.
وإذا کنت بحاجه إلى استشهاد على ما قلت فإنّه لیس أوضح شهاده من الانحراف العریض العمیق الذی جرف عدداً کبیراً من الصحابه فیما بعد فإذا الصراعات على المناصب، وإذا الرکض وراء الکنوز، وإذا الاغراق فی متع الحیاه، کل ذلک یظهر فی الصحابه أنفسهم، وبعد لم یمض على وفاه الرسول (صلى الله علیه وآله) ربع قرن.
حتّى کان أبوبکر نفسه یقول للمهاجرین:
" رأیتم الدنیا قد أقبلت، ولمّا تُقبل وهی مقبله حتّى تتخذوا ستور الحریر ونضائد الدیباج، وحتّى یألم أحدکم بالاضطجاع على الصوف الاذربی کما یألم أحدکم إذا نام على حسک السعدان… ".
وکان علی (علیه السلام) یقول:
" واعلموا انکم صرتم بعد الهجره أعراباً، وبعد الموالاه احزاباً، ما تتعلقون من الإسلام الاّ بإسمه، ولا تعرفون من الإیمان الاّ رسمه، تقولون العار ولا النار کأنکم
تریدون أن تکفئوا الإسلام على وجهه… ".
وربما یکون عرض هذه الکلمات بلا لزوم، بعد أن کان الرسول (صلى الله علیه وآله) ینوّه بهذه الحقیقه، ویعلن عن توقعه للانحراف والانحدار فی حدیث ذود بعض أصحابه عن الحوض الذی عرضناه سابقاً وحدیث نزو القرده على منبره، وحدیث اختلاف الأُمه بعده.
بماذا نفسّر هذه الحقیقه؟
انّه لا یوجد تفسیر معقول الاّ انّ التحوّل الذی عاشه أکثر الصحابه، فی السلوک، والقیم، والمفاهیم، لمن یکن جذریاً، وکان خط التربیه الإسلامیه ما یزال بحاجه إلى مواصله ومراس لیصفی آخر راسب من رواسب الجاهلیه، ویطعن آخر رئه للنفس القبلی الأنانی الضیق.
على انّ القضیه لیست قضیه الصحابه وحدهم، انّ الآلاف ومئات الآلاف التی دخلت الإسلام جدیداً وقبیل وفاه الرسول (صلى الله علیه وآله)، والتی دخلت الإسلام بعد وفاه الرسول (صلى الله علیه وآله)، لا تعرف عن الرساله الجدیده الاّ الشیء القلیل القلیل، وهی تنتظر من مرکز الدوله أن یمدّنها بالمربّین والرسالیین، وهی تنظر إلى جیل الصحابه أنفسهم، وتفهم الرساله عن طریقهم.
بل انّ الأجیال التی ستعقب هذا الجیل، والتی ستدخل الإسلام بعد سنین، لمن تنظر؟ انّها لا تفهم الإسلام عن طریق نصوص القرآن بمقدار ما تتأثر عملیاً بسلوک جیل الصحابه الذی هو بمثابه التجسید لمفاهیم الرساله.
خطوره موقع القیاده:
ومن هنا یکون للقیاده أخطر موقع.
انّها تمسک الخط من رأس، وانها هی المسؤوله عن الاستمرار فی عملیه التغییر والتصفیه، وعن الإسراع فی سدّ الأبواب والنوافذ أمام الرئه الجاهلیه لیتم القضاء علیها تماماً، انّه یجب على القیاده أن تواصل المسیر.
وانّه لا یجوز التوقف کما لا یجوز الإنسحاب.
انّ التوقف فی عملیه التغییر سیتیح الفرصه الکافیه لأن تستعید فلول النفسیه الجاهلیه قواها، وأن تلتهم وتختزن بعض الأنفاس.
کما إنّ الإنسحاب، أو حرف الخط نفسه، یعنی بالنتیجه فقدان کل البناء الذی تمّ تعمیره لحد الآن، ویعنی تقدم الجاهلیه على حساب الإسلام.
ومن هنا یجب أن تکون القیاده بمستوى موقعها.
لا توقف، ولا انسحاب، ولا انحراف فی خط التربیه.
وإذن… یجب أن تکون مستوعبه تماماً لرسالتها، کما یجب أن تکون قد هضمت وجسّدت والتحمت مع رسالتها، من أجل أن تضمن عدم التوقف وعدم الانسحاب وعدم الانحراف.
انّه یختلف کثیراً موقع القیاده عن موقع الرعیه.
القیاده مسؤوله عن الخطّ کله، والانحراف فیها یعنی انحراف الخط کله، والانزلاق به إلى الهاویه، وتدمیر البناء کاملا.
أمّا الرعیه فانحراف بعض أفرادها یعنی انحراف نفسه، وربما لا یجر إلى آخرین، ولا یحرّف مسیره التجربه کلّها. من هنا یکون موقع القیاده خطراً وحساساً أکثر من موقع الرعیّه.
وحینما تکون الرساله فی مرحله بناء، فان موقع القیاده سیکون أخطر مما لو کانت الرساله قد استکملت بناءها.
فی مرحله البناء یکون انحراف القیاده تشویهاً للرساله عملیاً ونظریاً، إذ المفروض انّ القیاده قد تشبَّعت بمفاهیم وقیم الرساله جمیعاً وها هی تجسّدها، إذن فأی زله فیها تعتبر زلّه فی الرساله نفسها.
والذین یعتنقون الرساله یفهمونها من سلوک القاده، ویحکمون علیها فی ضوء
تصرفات ومواقف القاده.
الآن، وفی القرن الخامس عشر من عمر الإسلام، حینما نرید أن نشرحه للناس فإننا نضطر إلى التذکیر بمواقف رجالات الإسلام الأولین، وبالمجتمع الإسلامی الرفیع، ونعرض الإسلام للناس من خلال سلوک ذلک النموذج. ألیس صحیحاً؟
*  *  *
والقیاده یجب أن تکون مستوعبه للرساله لا فقط من أجل مواصله المسیره، بل أیضاً من أجل حلّ المشاکل المستجدّه حلا صحیحاً، وفی صالح الرساله نفسها.
ورساله الإسلام بعد رسول الله (صلى الله علیه وآله) کانت تواجه تراکماً فی المشاکل، اثقلت ظهر الخلافه الحاکمه.
مشاکل فی تنظیم المجتمع، وتنظیم الاقتصاد، وتنظیم الجیش والفتوحات، وما ینبثق عن ذلک من مسائل فقهیه لا عهد للمسلمین بها أیام الرسول (صلى الله علیه وآله).
ولا یکفی أن تحلّ هذه المشاکل حلاًّ سطحیاً مؤقتاً، ربما یکون ذلک على حساب الرساله فی القریب أو فی البعید. انّه یجب أن یکون الحلّ جذریاً، ومشتقاً من أصول الرساله نفسها.
خصوصاً حینما تکون الحلول مطروحه فی مرحله البناء. انّها ستعطی صوره عن واقع الرساله، وسترسم للناس صفتها، ولا مجال ابداً للاقتناع بأن هذه مجرد وسائل مؤقته وحلول آنیّه لا غایات ومناهج دائمیّه.
*  *  *
على أن هناک ناحیه اخرى تتدخل فی تقییمنا لخلافه السقیفه.
وهی الأساس القانونی الذی اعتمدت علیه هذه الخلافه، وبه تذرَّعت للوصول إلى الحکم.
فمن ناحیه یجب أن یدرس ما إذا کانت خلافه السقیفه ملتزمه عملیاً بهذا الأساس وخاضعه له؟ ومن ناحیه أخرى یُدرس ما إذا کان هذا الأساس یتناسب مع المرحله أم أنّه سابق لأوانه؟
وفی دراستنا هذه لا نرید أن نتعرض لمدى شرعیه هذا الأساس، واقرار الشارع له، إنّما ندرس مدى توافق هذا الأساس مع مصلحه الإسلام عموماً.
خلافه السقیفه.. تقییم سریع:
والآن وعلى ضوء مجموع هذه الخصائص والجهات نستطیع أن ندرس خلافه السقیفه ضمن النقطتین التالیتین:
۱ ـ درجه استیعاب الرساله.
۲ ـ درجه الاندماج مع الرساله.
*  *  *
۱ ـ درجه استیعاب الرساله:
أساساً لا یعیب أحداً من الصحابه أن لا یکون قد استوعب الرساله کلها، أو أن یکون على حظ قلیل من العلم نسبیاً. فالرساله واسعه الأصول والفروع، عریضه عرض المشاکل والمسائل والأحداث کلّها.
وکثیر من الصحابه شلغتهم مشاغلهم دیناً ودنیاً عن العکوف على ملازمه الرسول (صلى الله علیه وآله) والانقطاع إلیه، وقد کان حظهم من العلم مختلفاً قد یزید وقد ینقص، على قدر حظهم من ملازمه الرسول (صلى الله علیه وآله) وحرصهم على الاستفاده منه.
والخلفاء رجال من هؤلاء الصحابه، لا یأتیهم العلم غیباً، إنّما بمقدار جهدهم فی التعلّم من الرسول (صلى الله علیه وآله)، وإنّما بمقدار التصاقهم العلمی به.
ونحن هنا لا نتکلّم مع الذین ذهبوا فی الخلفاء مذاهب الغلو، ونسوا أن مئات الأحادیث فی مناقبهم وضعت کذباً، من عهد معاویه وما بعده، بغایه تحطیم کیان علی (علیه السلام).
إنّ طریقه البحث الموضوعی تفترض علینا محاسبه أیه روایه من روایات الفضائل والمناقب من خلال مراجعه رواتها ومقدار وثاقتهم. ومن خلال دراسه مضمونها عقلیاً وإسلامیاً.
ومن خلال مقارنتها مع مجموع القرائن التاریخیه الثابته.
وإذا التزمنا هذا المنهج فإنّا سنعرف أن أکثر بل المعظم الساحق من روایات مناقب الصحابه عموماً هی من تبرعات أقلام الوضاعین أو نسج أیدیهم. وتلک نتیجه انتهى إلیها المحققون قدیماً وحدیثاً.
وفی هذا الضوء فإنّه لا مجال للتصدیق بأکثر ما ورد فی تمجید خلافه السقیفه.
انظروا ماذا کتب الوضّاعون، فقد حدّثوا عن رسول الله (صلى الله علیه وآله) أنّه قال:
" إنّ الله یتجلّى للناس عامه ولأبی بکر خاصّه ".
" إنّ الله لما اختار الأرواح اختار روح أبی بکر ".
" عرج بی إلى السماء فما مررت بسماء الاّ وجدت فیها مکتوباً: محمد رسول الله أبو بکر الصدیق من خلفی ".
" رأیت کأنی أعطیت عساً مملوّاً لبناً فشربت منه حتّى امتلأت، فرأیتها تجری فی عروقی بین الجلد واللحم ففضلت منها فضله فأعطیتها أبابکر، قالوا: یا رسول الله هذا علم أعطاکه الله حتّى إذا امتلأت ففضلت فضله فأعطیتها أبابکر، قال (صلى الله علیه وآله) قد أصبتم ".
ورووا فی عمر مثل ذلک، فنسبوا إلى رسول الله (صلى الله علیه وآله) انّه قال: " لو لم أبعث فیکم لبعث عمر ".
" ما طلعت الشمس على رجل خیر من عمر ".
" انّ الشیطان لیفرق منک یا عمر ".
" مکتوب على ساق العرش: لا إله إلاّ الله، وحده لا شریک له، محمد رسول الله، ووزیراه أبوبکر الصدیق وعمر الفاروق ".
وفی عثمان لم یکن الوضع أقل من ذلک، فقد نسبوا إلى رسول الله (صلى الله علیه وآله) انّه قال:
" ألا أستحی من رجل تستحی منه الملائکه ".
وحدّثوا عن عائشه انها قالت: " ما رأیت رسول الله (صلى الله علیه وآله) رافعاً یدیه حتّى یبدو ضبعاه الاّ لعثمان بن عفان إذا دعا له ".
إلى عشرات من أمثال هذه الموضوعات، التی نحیل القارئ فی استیعابها، والتعرف على وجه تفنیدها جمیعاً، على کتاب (الغدیر) للعلاّمه الأمینی. فقد استوفى البحث فیها مفصّلا، وأظهر أن جمیع أسانیدها مطعونه، ومرفوضه عند علماء الرجال والحدیث من أهل السنه أنفسهم.
على انّ المحققین منهم قد اعلنوا عن هذه الحقیقه.
فالعجلونی فی کتابه کشف الخفا ذکر مائه باب ممّا لم یصح فیه حدیث، وذکر منها فضائل أبی بکر قائلا:
" فضائل أبی بکر الصدیق ـ رضی الله عنه ـ أشهر المشهورات من الموضوعات ".
وذکر السیوطی فی اللئالی المصنوعه ثلاثین حدیثاً من أشهر فضائل أبی بکر " مما اتّخذه المؤلفون فی القرون الأخیره من المتسالم علیه، وأرسلوه ارسال المسلّم، بلا أی سند أو أی مبالات " ثم زیَّفها وحکم علیها بالوضع(۱).
____________
۱- الغدیر، ح ۷، ص ۸۸٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.