الکافلون لأیتام آل محمد صلى الله علیه وآله
یوجد حدیث شریف یبین لنا أهمیه هذا الأمر: جاءت امرأه الى الصدیقه الطاهره الزهراء (علیها السلام)فقالت لها: ( إن لی والده ضعیفه ، وقد لبس علیها فی أمر صلاتها شئ ، وقد بعثتنی إلیک أسألک . فأجابتها فاطمه عن ذلک ، ثم ثنَّتْ ، فأجابتْ ، ثم ثلَّثتْ فأجابتْ، إلى أن عشَّرتْ فأجابتْ ، ثم خجلت من الکثره ، فقالت: لا أشقُّ علیک یا بنت رسول الله . قالت فاطمه (علیها السلام): هاتی وسلی عما بدا لک، أرأیت من اکتُرِیَ یوماً أن یصعد إلى سطح بحمل ثقیل ، وکراؤه مائه ألف دینار أیثقل علیه؟ فقالت: لا. فقالت: اکتُرِیتُ أنا لکل مسأله بأکثر من ملء ما بین الثرى إلى العرش لؤلؤاً، فأحرى أن لا یَثقل علیَّ !) (۱)
نعم، هذا أجر هدایه الناس الى أحکام دین الله تعالى!
ومسائل هذا الموضوع لیست تعبدیه ، لکنها تحتاج الى عقل ناضج لإدراکها فعندمایکون الحکم حکم الله تعالى والقانون قانون الله تعالى،فإن هذه الإضافه توجب تغییر کل الأمور المتعلقه به . فکل شئ موجود فی هذه الإضافه !
عندما یکون الحکم حکم الله تعالى یصیر الذی یبلغه نبیاً ، ویصیر حجه لله ویصیر موضوع التقییم نبی الله وحجه الله ! ویصیر أجره أکثر من ملء ما بین الثرى إلى العرش لؤلؤاً ! ومعنى تعبیر الصدیقه الزهراء (علیها السلام)أن هذا حد إدراکنا نحن ، وإلا فالأجر أعظم من هذا ، ولم تعین (علیها السلام)بأی مقدار هو أعظم وأکثر.. ولا عَجَبَ ، فإن طرف الإضافه هو الله تعالى !
المهم لکم أن تستفیدوا من الفرصه . صحیح أنکم لو عملتم فی مجال آخر لوصلتم الى درجات مختلفه ، حسب استعداد کل منکم. مثلاً أکثرکم لو اتجه الى دراسه فرع من الفروع غیر علوم الدین لکان الأمر علیه أسهل، وما تکلف بذل هذا الجهد ولا تحمل هذه المصاعب، فغیرکم یدرس اثنتی عشره سنه أو أکثر أو أقل ، فیصیر مهندساً أو طبیباً ، ثم یعمل ویدیر أمور معیشته.
أما أنتم فتدرسون سنیناً أطول ، وتبذلون جهداً أکبر ، ثم یرى الطالب نفسه أنه لایحصل من راتب الحوزه على کفاف معیشته!
لکن المهم أن لایعطی أذنه لوسوسه الشیطان، وأن یقدر النعمه التی أنعم الله علیه بها ، حتى لاینطبق علیه لاسمح الله: ( خَسِرَ الدُّنْیَا وَالآخِرَهَ ذَلِکَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِینُ ) .
إن ما یمنَُ الله به على طالب العلم من توفیقات ونعم عظیمه ، إنما هو بسبب حلیب الأم الطاهر، أو نیه الأب الصافیه، أو نیه أحد أجداده الصالحین، فإن عمل الله تعالى أمرٌ محسوب بدقه ، فلا تتخیلوا أن منصب خادم الإمام المهدی (علیه السلام)، الذی لاتقاس به مناصب کل حکومات العالم مجتمعه.. أمراً بسیطاً؟!
إن مجرد تسجیل اسم أحدکم فی سجل صاحب الزمان صلوات الله علیه ، مقامٌ وشرفٌ لا تعدله ثروهٌ ولا سلطهٌ ، بل لاتعدل حتى غبارَه !
فعلى الواحد منکم أن یعرف ماذا علیه أن یفعل . وقد أطلنا الیوم فی هذا الموضوع، لأن التذکیر به ضروری .
یُعرف الإمام (علیه السلام)بأمرین: العلم ، وإجابه الدعوه . فدعوه حجه الله فی أرضه مستجابه لا ترد ولا تبدل ، وقد قال الإمام علی بن موسى الرضا (علیه السلام): (رحم الله عبداً أحیا أمرنا) . رحم الله . . بصیغه الماضی ، ولم یقل یرحم الله من أحیا أمرنا! فالنسبه قسمان: نسبه تقدیریه هی مدلول هیئه المضارع، ونسبه تحقیقیه وهی مدلول هیئه الماضی ، وقد أکدها الإمام بأن جاء بها بصوره الإخبار ، ثم بصیغه الدعاء ، ودعاء المعصوم لایرد !
یقول أبو الصلت رحمه الله :فقلت له: وکیف یحیی أمرکم؟
قال: یتعلم علومنا ویعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن کلامنا لاتبعونا. ( العیون:۲/۲۷۵ )
هذا هو إحیاء أمرهم (علیهم السلام)فأمرهم أمر الله تعالىوالمتعلم علوم أهل البیت (علیهم السلام)ومعلمها للناس محیٍ لأمر الله . فهل یتصور أحدنا أن یحصل على مقام أعلى من هذا المقام ، مقروناً بذلک الدعاء من حجه الله (علیه السلام)؟!
کما ینبغی أن تعرفوا أن التبلیغ المؤثر فی الناس لعلوم أهل البیت (علیهم السلام)فی شهر رمضان وغیره ، إنما هو أمران: القرآن والحدیث .
والسر فی ذلک أن نص القرآن ذو روح ، ونص الحدیث نص له روح ، وحتى ترجمه القرآن والحدیث لیس فیها تلک الروح !
جربوا واقرؤوا على الناس أصل القرآن وأصل الحدیث، واقرؤوا ترجمتهما، لتلمسوا ذلک، وأن الذی یؤثر فی الناس أصل القرآن ، وأن الروح التی فیه تدرک ولا توصف! وأن فی کلام النبی والأئمه (علیهم السلام)نوراً خاصاً ، لایرى بهذه العین، بل بعین أقوى!
فاقرؤوا على الناس نصوص تلک الآیات الکریمه والکلمات المنیره ، فإن قراءتها تحیی الأرواح ، وتنعش القلوب.
هذا هو طریق التبلیغ ، وأمامکم ذلک الأجر الذی وصفته الصدیقه الکبرى فاطمه الزهراء (علیها السلام)، ومعکم دعاء الإمام الرضا المستجاب (علیه السلام).
وأهم من هذا .. أن الإمام الرضا (علیه السلام)قال: (أفضل ما یقدمه العالم من محبینا وموالینا أمامه لیوم فقره وفاقته وذله ومسکنته، أن یغیث فی الدنیا مسکیناً من محبینا، من ید ناصبٍ عدو لله ولرسوله (صلى الله علیه وآله).
یقوم من قبره والملائکه صفوف من شفیر قبره إلى موضع محله من جنان الله، فیحملونه على أجنحتهم یقولون له: مرحباً طوباک طوباک، یا دافع الکلاب عن الأبرار، ویا أیها المتعصب للأئمه الأخیار). (الإحتجاج:۱/۱۲)
ماذا یعنی ذلک؟! یعنی أن الذی یدفع شبهات النواصب والمخالفین عن إمامه الأئمه المعصومین من أهل بیت النبوه الأطهار (علیهم السلام)، أو الذی یرد شبهات المشککین ووسوساتهم فی عقیدتنا بمقامات الصدیقه الکبرى والأئمه المعصومین، أولئک الشکاکون الذین یستکثرون علیهم أن تکون لهم مقامات من الله تعالى فوق تصور البشر !
إن الذی یقف أمام هؤلاء ویدفع شبهاتهم یعطى إسم: دافع الکلاب عن الأبرار . ویعطى وساماً آخر أیضاً وهو: المتعصب للأئمه الأخیار !
إن التعصب لأحدٍ أو لقبیله أو وطن، محرمٌ فی الإسلام ومبغوض، لکن هذا التعصب مستثنى لأنه دفاع عن خیر الخلق محمد وعترته الأئمه الأخیار الأطهار المظلومین، صلوات الله علیه وعلیه !
وأختم کلامی بأن سفرکم للتبلیغ یجب أن یکون منصباً على کلمتیتن:
دفع الکلاب عن الأبرار ، والتعصب للأئمه الأخیار.
التعلیقات
(۱) الحدیث فی تفسیر الإمام العسکری (علیه السلام)ص۳۴۰والبحار:۲/۳، وتکملته: (سمعت أبی رسول الله (صلى الله علیه وآله)یقول: إن علماء شیعتنا یحشرون، فیخلع علیهم من خلع الکرامات على قدر کثره علومهم وجدهم فی إرشاد عباد الله، حتى یخلع على الواحد منهم ألف ألف خلعه من نور . ثم ینادی منادی ربنا عز وجل: أیها الکافلون لأیتام آل محمد الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذین هم أئمتهم ، هؤلاءتلامذتکم والأیتام الذین کفلتموهم ونعشتموهم، فاخلعوا علیهم کما خلعتموهم خلع العلوم فی الدنیا. فیخلعون على کل واحد من أولئک الأیتام على قدر ما أخذوا عنهم من العلوم ، حتى أن فیهم لمن یخلع علیه مائه ألف خلعه. وکذلک یخلع هولاء الأیتام على من تعلم منهم .
ثم إن الله تعالى یقول: أعیدوا علیَّ هؤلاء العلماء الکافلین للأیتام حتى تتموا لهم خلعهم وتضعفوها، فیتم لهم ما کان لهم قبل أن یخلعوا علیهم ، ویضاعف لهم ، وکذلک من بمرتبتهم ممن یخلع علیه على مرتبتهم .
وقالت فاطمه (علیها السلام):یا أمه الله إن سلکاً من تلک الخلع لأفضل مما طلعت علیه الشمس ألف ألف مره ، وما له فضل ، فإنه مشوب بالتنغیص والکدر ) . انتهى.